من لندن إلى اللورد الفصل 446 — المكافآت - 1

اقرأ من لندن إلى اللورد الفصل 446 — المكافآت - 1 باللغة العربية على مانجا تايم.

أغلق كبير الخدم السجل الرئيسي ونقر بحافته على راحته.

قال: "هذا النظام المصرفي أمر غريب حقّاً... ندفع للناس أجورهم، ثم يعيدون إلينا بعضها، ليقوموا بسحبها مجدداً متى شاءوا. أظنّك مصيباً حين تقول إن المال يدور دائماً في حلقة. لكن على أي حال، سيساعدنا هذا في المستقبل القريب. نحن على وشك دفع قدر كبير من الذهب خلال الأسابيع القليلة القادمة. لو عاد إلينا مئة أو مئتا قطعة ذهبية فحسب على شكل ودائع من القاطنين في القصر، فسيساعد ذلك كثيراً في سداد الضرائب".

أومأ كيفاموس موافقاً: "حقّاً".

نهض دوفاس من مقعده وقال: "حسناً، بما أننا أنجزنا كل شيء، فسأذهب لأتحدث إلى السيدة نيريدا وهودان بشأن الترتيبات. عليها أن تواصل حساب حصص المؤونة الأسبوعية لتوزيعها على كتل البيوت الطويلة، بينما سيحتاج القائد إلى ترتيب الحراس لتوفير الحماية خلال الفعالية التي تمنح فيها المكافأة وأدفع أنا الأجور. لا يمكننا قط دفع أجور القرية بأكملها في يوم واحد — سيستغرق الأمر ساعات طويلة للغاية — لذا سندفع لمسؤولي القصر اليوم وللبقية من أهل القرية غداً وفي الأيام القليلة القادمة، بحسب ما يستغرقه الأمر من وقت".

ابتسم كيفاموس.

قال: "ينفع هذا لوقته، لكن سيتعين عليك تفويض الأمر مستقبلاً. أقصد أنه بدل تسليم الأجور بيد كل عامل على حدة — وهو ما سيستغرق وقتاً أطول فأطول مع نمو القرية — يمكنك تسليم مبلغ محسوب إلى مشرف تلك المجموعة أو رئيس العمال فيها. على سبيل المثال، تستطيع منح ييدان إجمالي أجور الأسبوع لكل الحفارين الذين يشرف عليهم في شق طريق المناجم، وبدوره يوزعها على العمال بنفسه بعد انتهاء يوم العمل. وبالمثل، يوجد دائماً رئيس عمال لكل منجم، لذا تستطيع استدعاء رؤساء العمال إلى هنا — للمناجم الأحد عشر العاملة حالياً — ومنحهم الذهب. سيكونون هم من يوزعونه على عمالهم. وتسري المنطقيّة ذاتها على سائر المشاريع النشطة الأخرى — الزراعة، وبناء البيوت الطويلة، وصناعة الورق، والحدادة، النجارة، صناعة الفولاذ، المناشير، والمطارق الآلية وما شابه. فوض الأمر إلى رؤساء عمالها وحسب. تلك هي الطريقة الوحيدة لجعل الأمر مستداماً".

أومأ دوفاس ببطء قبل أن يبتسم باتساع.

قال: "في الواقع، تلك فكرة ممتازة... كنت أفكر مسبقاً في أن القائد سيتذمر من اضطراره لإدارة حشد هائل كهذا. لكن تفويض رؤساء العمال سيمنع أي تكدس عند بوابة مدخل القصر، إذ لن يحتاج سوى قرابة دستين من الناس للحضور إلى هنا، وهو أمر يسهل التعامل معه. أما مئات القرويين وهم يتدافعون ويتزاحمون في حشد كبير لنيل أجورهم أولاً فيمكن أن يؤدي إلى شتى أنواع المشكلات... ألا يجدر بنا فعل ذلك فوراً بدل إرجائه للمستقبل؟"

هز كيفاموس رأسه.

قال: "لا، لا بأس بمنح الجميع النقود بأنفسنا للمرة الأولى، لأننا نقعلها كفعالية كبرى لنظهر أن القرية باتت في وضع أقوى بكثير الآن. كما أن لدينا تقريباً كل حراسنا متاحين في القرية في الوقت الحالي، لذا سيتمكن هودان من إدارة الحشد، سيما وأنك لا تخطط سوى لدفع الأجور لقطاع صغير من القرية كل يوم. لكن سيكون من الأفضل لك التفويض مستقبلاً. نحن نخطط لتوزيع الأجور كل أسبوع، لذا يمكنك بدء التفويض اعتباراً من الأسبوع القادم".

وافق دوفاس: "كما تأمر. سأتحدث في الأمر مع القائد. استأذنك بالانصراف الآن".

دفع كيفاموس مقعده للخلف ووقف هو الآخر.

قال: "امضِ. وسأعود أنا أيضاً إلى مخططاتي التي أعمل عليها. لم يبقَ الكثير من ضوء النهار، لكنني ما زلت أرغب في إنجاز المزيد من العمل. التركيز على الرسومات أسهل بكثير في ضوء الشمس، إذ لا يمكننا إشعال أي مواقد في هذا الحر، حتى وإن كنا ما زلنا في أوائل الصيف. تعمل الشموع للاستخدام العام، لكن يصعب صنع مخططات دقيقة في ذلك الضوء المتردد. على أي حال، يجب إنهاء تصاميم ثكنات الجنود ومجمعات المساكن بأسرع ما يمكن، بصرف النظر عن بعض المشاريع الأخرى شبه المنتهية التي كنت أعمل عليها".

أومأ دوفاس وغادر القاعة. نظر كيفاموس إلى طاولة الطعام الطويلة حيث بسطت بضع لفائف من الورق. لقد جعله ذلك يستذكر مكتبه الحديث في لندن، حيث توجد حواسيب متطورة لإجراء العمليات الحسابية وصنع المخططات ببضع نقرات. لكنه هنا في هذا العالم، لم يكن مضطراً للرسم بنفسه فحسب، بل طُلب منه أيضاً إجراء كافة الحسابات عما إذا كانت عارضة البيت الطويل ستستطيع تحمل الحمل المتوقع عليها، اعتماداً على عدد الأشخاص الذين يقطنون في الطابق العلوي، وما إذا كانت مفصلة معينة للمنجنيق قادرة على تحمل الضغوط المتضمنة عند إعادة إلقمه وما شابه.

كما توجب عليه إجراء كل الحسابات الرياضية المطلوبة بنفسه، بلا أي مساعدة من آلة حاسبة. شيء بالكاد يستغرق ثانية واحدة في لندن، استغرق وقتاً أطول بكثير في تيرانات. كان عليه هنا إجراء كل الحسابات يدوياً، مستعيناً بصيغ كان يدخها في ورقة أخرى للرجوع إليها. جعل ذلك عملية تصميم أبسط مخطط — والتي كانت لتستغرق بضع ساعات فقط في لندن — تستغرق أيّاماً عديدة أو حتى أسابيع هنا بحسب تعقيدها.

لكن لا جدوى من التمني لما هو مستحيل. إن لم تكن هناك حواسيب أو حتى آلات حاسبة في هذا العالم، فليكن. لم يمنعه ذلك حتى الآن، ولن يمنعه في المستقبل. لديه ناس ليحميهم، وقرية لينميها. مدّ ذراعيه وتنشق بعمق. لقد حان وقت العمل.

* * *

في المساء، كان كيفاموس لا يزال ينكبّ على طاولة الطعام الطويلة في قاعة القصر، مضيفاً سطراً آخر إلى المخطط الأولي أمامه. بدأ ضوء النوافذ يخبو. لم تغرب الشمس بعد، لكنها انحدرت بما فيه الكفاية لتتداعى الظلال في زوايا القاعة وتثقل. بقي الجو حاراً بشكل مزعج، وإن كان يأمل أن يبرح الحرّ حين تغيب الشمس تماماً. وما إن فرغ من تحديد حافة جدار على المخطط حتى سمع الباب الداخلي يفتح.

أقبل دوفاس وفي يديْه حقيبة ثقيلة. أحدثت رنيناً خفيفاً مع كل خطوة، وكان هذا الصوت وحده كافياً ليجعله يرفع رأسه مبتسماً.

قال دوفاس: "الحشد مستعدّ. تّمّ كلّ شيء. علينا الذهاب الآن".

وضع كيفاموس ريشة الكتابة فوراً. لقد استغرق الوصول إلى هذه اللحظة وقتاً طويلاً. أطول مما ينبغي بصراحة. لكن اليوم أتى أخيراً. دفع الطاولة ونهض.

"جيد".

غادرا القاعة معاً واتجها صوب الجانب الجنوبي الشرقي للقصر. وما إن تجاوزا كتلة القصر المؤلفة من طابقين حتى تراءى له ساحة التدريب أمامه، فأبطأ خطاه لحظة ليتأملها. كانت المساحة الخالية الوحيدة الباقية داخل أسوار القصر والتي تتسع لهذا العدد من الناس، وحتى مع ذلك فقد غصّت بالمكان حتى جاوزت حدّ الراحة. قريباً، ستنقل ساحة التدريب نفسها إلى خارج القصر، شرق الأسوار، فور تشييد الثكنات هناك.

وبعد ذلك، ستتحول هذه البقعة على الأرجح إلى أحواض خضروات أيضاً. غير أنها كانت الآن مكتظة بالبشر. ومع هذا، لم يتسع المكان للجميع بالشكل الملائم. اضطر عدد قليل من الحراس للبقاء في الخدمة عند بوابات القرية وأبراج المراقبة، لكن كل من استطاع الحضور بذل جهده. تسلق عشرات الحراس سطح قاعة الخدم لإلقاء نظرة أفضل على الحدث القادم. واحتل عدد آخر من الخدم والحراس مواقعهم على سطح حظيرة مجرّة، وتدلت أرجلهم فوق الحافة وهم ينتظرون.

أما الواقفون على الأرض فتوزعوا بأفضل ما يمكن، وحظيت الخادمات والحارسات بمساحة كافية في المقدمة. وقفت السيدة نيريدا وسط الخادمات، وبدا قوامها الممتلئ واضحاً حتى في الزحام، وأضفى شعرها الداكن الموشح بالشيب صرامة على تعابيرها المعتادة. وفي جانب آخر وقفت السيدة هيغْرا قرب غورساسو. وكان لوسيم واقفاً بجانبهما بشعره القصير جداً ذي اللون الأحمر الداكن — فقد استوحى هيئة الحراس هذه الأيام وتقلّد طريقتهم — وهمس بشيء لـكلارسا التي مالت نحوه كأنها تحاول ألا تضحك بصوت عالٍ.

وقفت سيرين بمعزل قليل عن والدتها، وتحدثت إلى ليا. لقد غدت هاتان الاثنتان صديقتين حميمتين في الشهور الأخيرة. وكان فيروي يقول شيئاً لـليوالاس بصوت خفيض — لعله يوجهه حتى هذه اللحظة — وأنصت الحارس الشاب باهتمام بالغ. لقد أثبت ليوالاس ولاءه إلى حد كبير الآن، ولم يرتكب أي فعل يضر بالقرية. وكالعادة، كانت حدسيات فيروي في محله حين وثق به. ولم يساور كيفاموس أدنى شك في أن ليوالاس سيغدو رصيداً ضخماً لهم في الأيام المقبلة.

وقربهم، وقفت هيولا مع كالوبو ممسكة بيده علانية — محاولة رمق كل امرأة أخرى بنظرات حارقة تحدّق إلى الرجل — مما جعل كيفاموس يكبح ابتسامة. لقد باتت تلك المسألة سرا مشاعا في أرجاء القصر لدرجة جعلته يتساءل أحيانا عما إذا كان كالوبو سيجمع شجاعته أخيرا ليطلب يدها قبل أن يجبره الجميع على ذلك بأنفسهم. بالطبع، أخبره فيروي عن شائعات تفيد بأن كالوبو اشترى شيئاً للفتاة في مهمة مرافقتها الأخيرة إلى أولريغا، ولا يزال ينتظر الوقت المناسب.

وتمنى كيفاموس أن تكلل الأمور بالنجاح لكليهما. فقد اجتازا الكثير بالفعل. وفي جانب آخر، كانت الفتاة ذات الشعر البني ويديل تتحدث بحماس مع خادة، وبحكم سهولة حديثهما، بدا أنهما صادقتا بعضهما مؤخراً. كان من الجيد رؤية ويديل وهي تندمج في أجواء القصر، حتى وإن كانت تسكن في إحدى كتل البيوت الطويلة حالياً. لقد حضرت تلك المرأة القصيرة ذات الطبع الناري من المخيم الفقير في الشمال، ولم يكن تاقلمها مع الحياة في تيرانات سهلاً عليها، حتى بعد اختيارها حارسة.

وبلغ به الأمر أن سمع بنشوب منافسة بين ويديل وهيولا، نظراً لكون الاثنين عصبقيتين، لكن الأمر لم يتعدَ المنافسة الودية حتى الآن — عادة لمعرفة من يصيب هدف المنتصف بنشاب أكثر، وإن كانت الفتاة الطويلة ذات الشعر الأحمر هي من تفوز غالباً.