زفر كيفاموس ونفخ، وفكّر في الأمر هُنيهةً، ثم ابتسم لها: "أأنت متفرّغة الساعات القليلة المقبلة؟"
سخرت سيرين وقالت: "أخبرتك من قبلُ أنّني أُقاسي الملل هذه الأيام، خصوصاً بعدما فرغتُ من معالجة لوسوفيل. بلى، لديّ متسع من الوقت. لماذا؟"
"حسناً. أرى إذن أنّه الوقت المناسب لنخوض في أمر ينبغي لك معرفته. لكنْ قومي أولاً فأوصدي الباب الخارجيّ. لا أريد أن يقطع علينا أحد خلوتنا، وهذه المعلومة بالغة الحساسية، فلا نحتمل قطّ أن يسمع بها سوانا، ولو عَرَضاً."
قطّبت سيرين جبينها هُنيهةً، ثم امتثلت وعادت إلى مقعدها: "حسناً؟ ما الأمر؟ أتوسّم أن المعلم غورسازو يعلم به أيضاً، ولعله السير دوفاس كذلك؟"
أومأ كيفاموس: "أجل، هذان هما الوحيدان اللذان يعلمان بالأمر سواي. وستكونين أنتِ ثالثةً أؤتمنها على هذه المعلومة. بيد أنني أريد منك قبل أن أُفضي بها أن تعطيني عهداً بأن تكتمي ما سأقوله، وألا تذكري شيئاً منه لمن لا يعلم به. يعني هذا أنك تستطيعين الحديث في الأمر معي، أو مع غورسازو، أو مع دوفاس، وحدَهم لا سواهم، ولا حتى والدتك. أيمكنك فعل ذلك؟"
"أوه... أظن ذلك..."
"أنا جادّ يا سيرين. إن تسرّب هذا الأمر فقد يكون مسألة حياة أو موت، لي ولكِ، بل وللقرية جمعاء."
بدت الدهشة على وجه سيرين الآن.
"أوه... بالطبع. أعدك... لن أُفشي السرّ لأي مخلوق. ولا حتى لـ لوسيم أو أمّي. حدّثني إذن! ما هذا الأمر الذي يستوجب كلّ هذا التكتّم؟"
أخذ كيفاموس نفساً عميقاً، متمائلاً كيف يصوغ الأمر برفق: "الواقع أنني... أه... لستُ تماماً الشخص الذي تعرفينه. أعني، أجل، أنا كيفاموس رالوكار، لكنني أحمل أيضاً ذكريات حياة عشتها في عالم آخر. عالم يختلف عن إيرانيتين، جغرافيةً، وتاريخاً، وبشراً. ذلك العالم — ويُدعى الأرض — كان يسبق هذا المكان بقرون في مستوى التقنية، ولهذا السبب ألمّ بأشياء كثيرة تبدو مستحيلةً لأهل هذا المكان."
أمعنت سيرين النظر في وجهيهما لحظةً، كأنها تتحقّق أهو هزل، ثم كشّرت عن أنيابها باستهزاء ورفعت قبضتها: "كنت أعلم! لقد كنتُ على صواب!"
"ماذا...؟"
جاء دور كيفاموس ليتفاجأ هذه المرة.
"ماذا تعنين؟ كيف لك أن تعلمي؟ لم أُخبر أحداً سوى غورسازو ودوفاس!"
ابتسمت سيرين بثقة: "أوه، ما تلك العبارة التي تحبّذ تردادها... أه... أدلّة ظرفية. أجل، تلك هي! لقد راودتني الشكوك منذ شرعتَ في تصميم أبسط الأشياء كالعربات ذات العجلة الواحدة والغرومّاس. أعني، أجل، أنت نبيل رفيع الحسب وحظيتَ بلا شكّ بتعليم يفوق ما نلْتُه بكثير، لكنني أكاد أُلمّ بمعلّمك، ألا ترين؟"
سخر غورسازو: "أجل، أنتِ تلمّين بمعلّمه حق الإلمام."
تابعت سيرين وهي تبتسم: "بعد أن تلقّيتُ العلم على يد المعلم غورسازو وعليك بضعة أشهر، أدركتُ أن الهوة المعرفية بينكما أوسع من أن تُعزى إلى الصدفة وحدها. كنتَ تُقحم باستمرار كلمات وعبارات مبهمة، وتأتي على ذكر أفكار وتكتيكات لا صلة لها بالتقنية أمام هودان وفيروي وغيرهما. يعني هذا إما أنك تتمتع بعقل حادّ بشكل غريب، أو أنك تلقيت عوناً ما — كذكريات من عالم آخر، على غرابة ما يبدو ذلك على اللسان. وكانت ثمة أمور أخرى غذّت حدسي أيضاً. وفي النهاية، أنت من زوّدني بكل التوجيهات والأساليب لمعالجة أوراق لوسوفيل، حتى وإن تولّيتُ أنا الجهد العضليّ. ما كنتُ لأهتدي أبداً إلى تلك الطريقة العلمية واستخدام التجريب لبلوغ غاية دون أن تُطلعني أنت عليها."
هزّت كتفيها: "بالطبع، لم أملك دليلاً قاطعاً، لكنني استبدّ بي الشكّ في أنك لستَ تماماً ما تدّعيه — أعني، مجرد الابن الثالث لنبيل رفيع. علمتُ أن ثمّة سبباً آخر، سواء أكان إعانةً من الملِكة لك بأفكار في منامك أم شيئاً آخر. لذا، فإنّ حمل ذكريات من عالم آخر ليس ببعيد عمّا ظننته."
استغرق كيفاموس دقيقةً ليتجاوز دهشته. كان يعلم مسبقاً أن سيرين ذكية، ولعلها أرجح عقلاً من أي شخص يعرفه في هذا العالم، لكنها راقبته عن كثب واستنتجت ما يكفي لتصل إلى استنتاج قارب الحقيقة حدّ الابتذال لولا المصادفة. لقد كان مرعباً كم كانت تخميناتها دقيقة... التفت بطرفه نحو غورسازو الذي اكتفى بابتسامة عريضة ثم طفق يضحك، قبل أن يشاركه كيفاموس الضحك أيضاً. بدت سيرين حائرةً هُنيهةً، غير أنها كانت تبتسم بدورها.
عاد كيفاموس فنظر إليها: "أعلم أنك ذكية، لكنك تجاوزتِ أقصى توقعاتي. أعني، لعلّ أكثر الناس في هذا العالم سيقولون إنني أمارس السحر الأسود، أو أنني شيطان، أو أنني مسكون بالهواجس. لكنك لم تكتفي بتقبّل الأمر فوراً، بل فعلتِ لأنك كنتِ قد حدستِ بالحقيقة مسبقاً، أو أقله بما يقاربها."
نظر إليها غورسازو هو الآخر: "أنا فخور بك يا سيرين."
احمرّ وجه سيرين خجلاً من الثناء ثم ابتسمت: "ما عساي أقول؟ أظن أنني ظفرتُ بمعلّمين أجلاء أعانوني!"
ضحك كيفاموس ثانيةً، مسروراً لأنّ انكشاف السرّ مرّ بسلام.
"إذن، دعينا أحدثك بالمزيد عن ذلك العالم. لا شكّ أن الفضول يغمرك."
"لا تكاد تخيل مبلغ فضولي!"
ابتسمت سيرين.
"لقد ظللتُ أترقب أشهراً أن تنطق بمثل هذا الكلام — بأن ثمة سبباً وراء إلمامك بكل تلك المعارف."
تخلل ضحكاتِ كيفاموس تمتمةٌ، قبل أن ينطلق في شرح ماضيه. حدّثها عن ظهوره في هذا العالم، حاملاً ذكريات حياه قضاها في لندن وأولريجا. أخبرها عن عمله السابق مهندساً ميكانيكياً على الأرض، وما يستتبعه ذلك العمل. ثم طفق يسرد أمثلةً من عجائب الحياة على الأرض المعاصرة.
حين فرغ من سرده، بدت سيرين مذهولةً أشدّ الذهول: "أحقّاً عشت في مثل ذلك العالم؟ لعقود؟ لابد أنه كان أمراً مذهلاً! أن تفكّر أن طفلاً في ذلك العالم ينال قسطاً من التعليم لا تجرؤ أميرة في هذه المملكة حتى على الحالم به، وإن شاءت واصلت الدراسة في ذلك الشيء المسمى بالجامعة، ثم تحولت لتصبح باحثة متفرّغة، تكتشف شيئاً تلو الآخر. ما أمتع أن تمتلك كنزاً حافلاً بالمعارف جاهزاً للمطالعة أمام عينيك على شاشة... يعجز المرء حتى عن تخيل ذلك..."
ابتسم كيفاموس: "لم تبلغ الأرض تلك المنزلة مصادفةً ولا بين عشية وضحاها. لقد استلزم الأمر قروناً من العمل الشاقّ لبضاعٍ جمّة من العقول الذكية التي بذلت قصارى جهدها رغم كل المعوقات لتضمن وصول الأرض إلى تلك الغاية. لا أدري أسترتقي تيرانات أو ريسلينور إلى ذلك المستوى خلال أعمارنا أم لا، لكن إن واصل أمثالك من الأذهان النيرة تحسين الأمور خطوة بخطوة، فأنا واثق من أن مستقبل تيرانات لن يبدو بعيداً عن لندن القرن الحادي والعشرين. وبطبيعة الحال، تعترض طريقنا عقبات شتى، بدءاً من الأخطار المحدقة بالقرية، وصولاً إلى أولئك النبلاء الجشعين الذين يبيعون أرواحهم لسرقة تلك المعرفة منا، لكننا سنبلغها يوماً."
أومأت سيرين برأسها ببطء: "أدرك الآن إلى حد ما كم كان الأمر عسيراً عليك حين وفدت إلى هذا العالم بلا خيار. الانتقال من العيش في تلك المدينة الضخمة المدعوّة لندن إلى قرية فقيرة صغيرة كتيرانات لابد أنه فاق كل صدمة. لا أدرري أكنت لأستطيع تدبر أمر نصف ما فعلته من أجل القرية رغم سائر المشكلات."
جاء دور كيفاموس ليبتسم عريضاً: "ما عساي أقول؟ أظن أنني ظفرتُ بمستشارين أجلاء أعانوني! دوفاس مشرف بارع، وهو يدير القرية بكفاءة تكفي وبالكاد يحتاج إلى توجيه مني. غورسازو معلم ممتاز وقد أفلح في تعليم أطفال القرية والكبار على حد سواء ببراعة فائقة، وجعل شعبنا يلمّ بالقراءة والكتابة هو الركيزة لنيل مستقبل زاهر لتيرانات. وإن كنتُ مؤخراً كثيراً ما أتقمص دور معلمه لأنه يتربّص دائماً لمعرفة المزيد عن الأرض. لكنه لا يبتغي سوى المزيد ليتسنى له تلقين القرويين طراً — لكي يؤدوا أعمالهم على الوجه الأكمل، ولعلّ بعضهم يصير معلماً بل وباحثاً في المستقبل. وأخيراً، لديّ باحثة ممتازة ابتكرت عقاراً منقذاً للحياة وهي في الواحد والعشرين من عمرها."
ابتسمت سيرين ومعها غورسازو الذي تبسم هو الآخر.
أضاف كيفاموس: "طوال الأشهر الفائتة، عكف غورسازو على جمع معلومات أساسية استسقاها ممّا سردته له عن الأرض، ليصوغها في كتاب جديد يسهل الرجوع إليه — لي وليستعين هو بنسخة محدودة من تلك المعلومات في دروسه. الأمور التي تعدّ معارف بدائية على الأرض حتى في المدارس الابتدائية أو المتوسطة تمثّل هنا كنزاً لا يُقدّر بثمن، ويحتاج غورسازو إلى الإلمام بالمزيد ليتمكن من إدخال بعض الرياضيات والعلوم البدائية تدريجياً إلى دروسه. لقد كان معلماً لابن الدوق، لذا لن يطرح الناس أسئلة كثيرة حول كيف بات يعلم كل هذا القدر. ورغم ذلك، فلن يشرع إلا بالأساسيات البحتة في الوقت الحالي."
واستطرد: "بيد أن وجود هذا الكتاب يعدّ سرا بالغا ولا يعلم بأمره سوى دوفاس سوانا. ولعلّ عقوداً ستنقضي قبل أن نتمكن من إفشاء أمره للناس أو طرح هذا الكتاب في العالم، حتى وإن كان الأجدر بالعالم لو فُعل ذلك الآن، لكنّ سلامة تيرانات تعلو كل اعتبار. والمغزى هنا أنكِ صرتِ مأذونةً الآن بمطالعة ذلك الكتاب — الذي ليس سوى رزمة من الأوراق تتنامى رويداً رويداً — وسيساعدك على اكتساب مزيد من الفهم لمبادئ علمية أساسية حتى دون أن أتولى تعليمك بنفسك."
"هذا..."
بدت سيرين مغتاظةً لحظةً قبل أن تطلق زفرة: "كنتُ أهمّ بأن أكيل لكم الملامات لكيف تخفيان أمراً كهذا عني، وهو ما كان ليعينني كثيراً في معالجة لوسوفيل أو ربما ابتكار أشياء أخرى، لكن... أدرك مدى حساسية أمر كهذا. يسعدني فحسب أنكما قررتما ائتئماني عليه."
ابتسم كيفاموس: "لقد استحققتِ تلك الثقة وزيادة بابتكارك دواء أسيلوس. ستمضي أعوام لا محالة قبل أن يقترب ذلك الكتاب من الاكتمال، لكن باتت لديك وسيلة للرجوع إلى المعلومات الآن، وإن لم تكن في متناول هاتف ذكي متصل بالشبكة."
ضحكت سيرين: "صدقتَ. أهون عليّ أنني لن أقاسي الملل قريباً..."
ثم رنت إلى كيفاموس بوجه مقطب: "حقاً، وبما أنني علمتُ أن لديّ في عقلك حصيلة معارف تضاهي مكتبة ملِك، فقد عزفتُ عن الرغبة في الذهاب إلى ذلك المعسكر... أعني أعلم كم هو جليل أن نواصل إنتاج ذلك الدواء، لكن مع ذلك..."
ابتسم كيفاموس: "سيمضي بضعة أسابيع حتى يجهز المكان لتنتقلي إليه أنت وسائر العمال، لذا لدينا متسع من الوقت حتى ذلك الحين لتستزيدي من علم الأرض. وحتى حينئذ، أعلم أن إقامتك بصفتك مجرد مشرفة هناك هدر لموهبتك، وأنت قادرة على ما هو أبعد بكثير. لقد أخذتِ في تدريب الوصيفات والخادمات على ذلك، أليس كذلك؟"
أومأت سيرين: "أخبرتك من قبلُ أن هناك خادمة تستطيع إتيان جلّ خطوات معالجة الأوراق بالبراعة ذاتها تقريباً. بالطبع كان ذلك هنا في القصر، وسيغدو الأمر أشقّ بكثير هناك، لكنها وغيرها من العمال ممن ساعدوني في تلك العملية قد تعلّموا الكثير بالفعل. لقد حرصتُ ألا يفقه شخص بمفرده كامل العملية في الوقت الراهن، لكن لابد أن يتغير ذلك مستقبلاً."
وافق كيفاموس: "أعلم. إن كنتِ تثقين بتلك الخادمة، فيمكنك إحاطتها بالمزيد من تفاصيل العملية مستقبلاً. وعلى أي حال، هذا تماماً ما ينبغي لك فعله لتخفيف العبء عن كاهلك. يعني هذا حتماً أنه سيتعين عليك المكوث في المعسكر هُنيهةً ريثما تنتظم الأمور وتجري بسلاسة، ولكن متى تيقنتِ من أن شخصاً موثوقاً يمكنه تولي الإشراف نيابةً عنك، وضمن إنتاج الدواء بكل الاحتياطات الواجبة، فلن تضطري للبقاء هناك بعد الآن وستستطيعين العودة إلى تيرانات."
أردفت سيرين: "سيتعين عليّ زيارة المكان دورياً للتأكد من سير كل شيء على ما يرام، لكن أظنك مصيباً. متى أدرك العمال العملية، فلن أضطر للوقوف فوق رؤوسهم بلا انقطاع."
أومأ كيفاموس: "حسن. أظن أن الأمر سيتطلب بضعة أشهر لتستقر الأوضاع تماماً هناك، وبعدها يمكنك العودة. وليس الأمر لأجل مصلحتك وحدك. أعني أنني أرغب حقاً بمن أتبادل معه الحديث عن الأرض، ولا يقتصر الأمر على الحنين. بل أحتاج إلى من أتبادل وإياه الأفكار، وأنت أرجح عقلاً بكثير مما يحقق ذلك، حتى وإن تركزت اهتماماتك في علم النبات."
ابتسمت سيرين: "وما دمتُ علمتُ أن هناك جبلاً شاهقاً من المعارف التي تستطيع مشاركتي إياها، فلست واثقة أنني سأقصر نفسي على علم النبات، رغم أنه ما يستهويني أكثر الآن."
ثم ابتسمت باتساع: "حسناً، لقد سألتني إن كنتُ متفرّغة الساعات القليلة المقبلة، مما يعني أنك متفرغ أيضاً، أليس كذلك؟ حدّثني إزيد إذن! أضرم شوقاً لأعرف أكبر قدر ممكن عن الحياة على الأرض."
ابتسم كيفاموس: "إذن، فلنبدأ!"