من لندن إلى اللورد الفصل 439 — مكسب للطرفين

اقرأ من لندن إلى اللورد الفصل 439 — مكسب للطرفين باللغة العربية على مانجا تايم.

في اليوم التالي، بعد الغداء، كان كيفاموس يعكف على رسم مخطط هندسي. الجو حار والسماء صافية إلا من بعض الغيوم القطنية. الصيف في بدايته لكنه بدأ يشعر بصدق كلمات دوفاس حين أخبره أن صيف هذا المكان حار رطب خانق. ذروة الصيف بعد أكثر من شهر لكن المساء بات يختنق بالفعل. في الصباح، وحين كان يتجول في القصر، رأى الابتسامات على وجوه الحراس والخدم والوصيفات، وكلهم يشكرونه أو ينحنون له امتنانًا وارتياحًا.

الأخبار لابد أنها انتشرت في القرية ليلة أمس عن بدء دفع الأجور بالعملات المعدنية. لقد سمع الحراس والخدم يتحدثون عن ارتياد الحانة بعد نوبات عملهم، بينما كانت الوصيفات يناقشن أمر بعض الحُلي التي يبيعها تاجر بَلدَة وصترن قادراتٍ أخيرًا على شرائها، فضلاً عن اقتناء ملابس أفضل من أي تاجر زائر. كان لوسيم وكلاريسا يركضان مبتسمين وهما يعلنان أنهما سيتمكنان أخيرًا من شراء كعكات طازجة من خباز القرية، حتى أخبرهما أحدهما بأنهما لن يتقاضيا أجرًا.

فهما أصغر من أن يعملا في نهاية المطاف. لكن السيدة هيلغا أخبرتهما أنها ستمنحهما مصروفًا من مالها الخاص ليتمكنا من شراء أشياء جيدة رفقة أصدقائهما من القرية مثل ميسي وإلزي، ابنتي كيغير تاجر الحبوب. كانت سيرين قد وعدت كلاريسا أيضًا بأن تمنحها بعض القطع النقدية الإضافية لا أخاها، مما جعل لوسيم ينفخ خديه غضبًا. ضحك كيفاموس بارتياح حين سمع بالأمر من والدتهما. كان مفترضًا أن يكون هذا كله أمرًا طبيعيًّا، لكن طوال الأشهر الستة الماضية لم يلمس أي من القرويين قطعة معدنية واحدة منذ اليوم الذي انتزع فيه رجال تورهان أموالهم، وها قد أضحت اللحظة حقيقة أخيرًا.

المفارقة أن العملات التي نُهبت من تورهان نفسه هي التي سمحت للقصر باستأنف الدفع بالعملات المعدنية. أراهن أن اللقيط لم يتوقع ذلك حين هاجم القرية في الخريف! لم يكن القرويون يعلمون الكثير عن غارة الانتقام الأخيرة التي شنها الحراس سوى شائعات متفرقة، تتراوح بين ذهاب الحراس لقتل باكور عارم في الجبال أو إرسال الرجال إلى الساحل لقتل بعض القراصنة، لكن من يعيشون داخل القصر كانوا على دراية تامة بالغارة ونجاحها.

كان هودان قد أعلن للحراس الجدد بالأمس عن نصرهم التام بينما كان الخدم والوصيفات يستمعون من قريب. تلك الأخبار، مضافَةً إلى حقيقة تقاضيهم أجورهم بالعملات المعدنية بعد أيام قليلة، جعلت الجميع في حالة من السكر الفرح وغيرت الأجواء إلى طابع احتفالي. لقد جعل ذلك كيفاموس يقسم على العمل بجد أكبر للحفاظ على سلامة هؤلاء الناس وسعادتهم. تراجع خطوة عن الطاولة وتأمل مدى تقدم الرسم.

همم... لائق، لكنه ما زال يحتاج لبعض التحسينات. انفتح الباب الداخلي لقاعة القصر، فظن أن دوفاس قد حضر أخيرًا بالحسابات، لكنها كانت سيرين.

"مهلاً. كيف سير العمل في الدواء؟"

هزت سيرين كتفيها وهي تجلس على كرسي قريب.

"آخر دفعة من أوراق لوسوفيل تسلمناها عُولجت بالفعل. عليّ الآن الانتظار لأسبوع حتى يجف المسحوق لأتمكن من كبسه في أقراص. عدا ذلك، لا شيء أفعله".

ضحكت.

"أنا ضجرة نوعًا ما هذه الأيام".

خفت كيفاموس بضحكة وهو يجلس بدوره، مقررًا أخذ استراحة وتأجيل عمله لوقت لاحق.

"اعتبريه استراحة أيام مستحقة بشدة. لقد كنتِ تعملين بلا توقف منذ أن بدأ الصيادون جلب الأوراق في أوائل الربيع. ما إن تجهز المعسكر حتى تتجهي إلى هناك للإشراف على إنتاج الدواء، ولن تحظي بأي راحة تُذكر حينها. لذا استغلي هذا الوقت الحر للاستمتاع بأيامك مع عائلتك".

ابتسمت سيرين.

"أنا..."

"هذا جيد. ستشرعين في تقاضي أجركِ خلال أيام، لذا سيساعدكِ ذلك أيضًا".

قطبت سيرين جبينها.

"لا أحتاجه، لقد أخبرتكِ بذلك بالفعل. لن أدرري حتى ما أفعله بكل هذا المال... أنا بخير تمامًا ما دام فوق رأسي سقف وأحصل على طعام".

"هذا لا يعوضكِ بحال عن طبيعة العمل الذي تقومين به مع أوراق لوسوفيل. أنتِ تستحقين ذلك المال—وربما أكثر من أي شخص آخر في القرية. هذا الدواء جزء أساسي من سبب قدرتنا على الدفع للقرويين أخيرًا".

"لكنني لم أعمل قط من أجل المال في حياتي! كنت اصغر من أن أساعد حين كانت عائلتي تعيش في سينران، وفي ذلك النزل على الطريق الشمالي، كنت أساعد أمي حيثما أستطيع في الطهي أو الحفاظ على نظافة المكان. لكنني لم أتقاضَ أجرًا قط... بعد مجيئي إلى هنا، صرت أفعل ما بوسعكي لأنني أريد ذلك. أعلم أن عملي يمنع الناس من الألم بل وينقذ أرواحًا، وهذا يكفيني تعويضًا".

زفر كيفاموس. كان يتفهم وجهة نظرها، لكن التفكير بهذه الطريقة لم يبدو له صائبًا.

أوضح قائلًا: "لكن هناك أمورًا لا يمكنك فعلها بلا مال... ما إن تبدئي بتقاضي أجركِ خلال أيام، يمكنك ارتياد ساحة السوق بانتظام لشراء طعام جيد أو ملابس لنفسك. سيبدأ التجار الزائرون بجلب المزيد من البضائع للبيع فور سماعهم بقدرة القرويين على شرائها الآن. بل يمكنك شراء هدايا للوسيم وكلاريسا أو والدتك".

"أعلم، وقد وعدتهم بذلك بالفعل، لكن القصر يحرص على حصول كل العاملين على ملابس لائقة، وربما نحصل هنا على طعام أفضل مما كنا نأكله في سينران. لما لا تستخدم هذا المال في أمور أخرى؟ لا ألم بكل التفاصيل لكنني متأكدة من ضيق ذات يد القصر حتى الآن. سيجعلني ذلك أشعر بتحسن بدلاً من حشر القطع النقدية تحت ألواح الأرضية. ربما كان ذلك فكرة صيبة لو كنت أعمل لدى شخص آخر ويمكن طردي في أي يوم، لكنني هنا في تيرانات أعلم أنني وعائلتي سنحظى بالرعاية، ولست مضطرة لإخفاء المال لأجل ذلك".

"هذا..."

أخذ كيفاموس نفسًا عميقًا. كيف لا يدفع لمن قدم الكثير للقرية؟

حاول مجددًا: "إذا ادخرتِ هذا المال، يمكنك استخدامه لزيارة سينران أو حتى أولريغا في المستقبل. عادة فتاة صغيرة مثلك لن ترغب في حصر نفسها في حياة قرية صغيرة كـ تيرانات".

كان يعلم أنه لا يريد لشخص مثل سيرين أن تفكر حتى في الرحيل عن تيرانات، لكنه لم يرغب في أن يبدو الأمر مفتعلًا. ضحكت سيرين.

"هذا مضحك. حتى لو امتلكتُ كل مال العالم، فلن أغادر تيرانات الآن. عائلتي هنا، وهذا منزلي الآن. لقد عشت في سينران في الماضي، وقد تكون بلدة أكبر بكثير، لكن هذه القرية أفضل بكثير حقًّا. لم يسبق للوسيم أن كان سعيدًا هكذا، وأمّي أيضًا مسترخية وراضية هنا".

شخرت خفيفًا.

"قد يكون للوقت الذي تقضيه في الحديث مع المعلم غورزازو يد في ذلك، لكن على أي حال، عائلتي سعيدة هنا، وأنا كذلك. ليست لدي أي رغبة في الرحيل. ولهذا قلت إنني لا أحتاج المال. أنا بخير تمامًا دونه".

ابتسم كيفاموس شاعرًا بالارتياح لكونها لا ترغب في مغادرة تيرانات.

"حسنًا، يمكننا إيجاد حل ما لهذا المال".

فكر في فكرة أخرى.

"ربما يمكنك استخدامه للاستثمار في القرية".

"استثمار؟"

بدت سيرين مرتبكة.

"ماذا تعني؟"

"هذا أمر بعيد في المستقبل"، أوضح قائلاً، "لكنني أريد افتتاح مصرف هنا. إنه مكان يمكن للناس فيه حفظ مدخراتهم وجني بعض الفوائد عليها. باختصار، كأن تضعي مئة قطعة فضية في المصرف لعام واحد، ثم في نهاية العام يمنحك المصرف بضعة قطع فضية إضافية نظير هذا الاستثمار".

"أه، لم أكن أعلم أن هذا ممكن. إذن فهو شبيه بالمرابي؟ لكن كيف سيجني المصرف تلك القطع أصلًا؟"

"لأن المصرف سيستثمرها أو يقرضها لمن يحتاجها. أنا أتكفل حاليًّا بدفع رواتب حرفيي القرية من خاصتي وأشتري المواد الخام بنفسي، لكنهم في المستقبل سيعملون باستقلالية. لنقل إن حرفيًّا في القرية يرى أنه لو اشترى بعض الأدوات الجيدة واستعان ببعض الصبية، فسيستطيع صنع المزيد وجني المزيد من المال. لكن ذلك يتطلب قطعًا معدنية لا يملكها. لذا يمكنه القدوم إلى المصرف وطلب قرض. سيقول المصرف سنمنحك مئة قطعة فضية لعام، ونريد بالمقابل، لنقل، مئة وعشر قطع نهاية العام. إن ظن الحرفي قدرته على تحقيق ربح يفوق عشر قطع فضية، فسيووافق. وفي نهاية العام سيجني المصرف ربحًا قدره عشر قطع فضية، ومنها سيمنح، لنقل، أربع قطع فضية لمستث مثلك. باختصار، الجميع يربح هنا. المستثمر يربح أربع قطع مقابل استثمار مئة فضة، والمصرف يحصد ست قطع كربح، بينما يجني الحرفي كل ما نجح في تحقيقه فوق القطع العشر التي دفعها للمصرف كفائدة".

حدق كيفاموس في سيرين، متسائلًا عن حجم استيعابها، لكنها أومأت بثقة بعد لحظة.

"هذا منطقي للغاية! هذا ما تدعونه ربحًا للجميع، أليس كذلك؟"

ابتسم كيفاموس بعرض فمه. ما كان له أن يتفاجأ من استيعابها الفوري لكل شيء. كانت ذكية.

"هو ربح للجميع حقًّا. لا تسير الأمور هكذا دومًا، وأحياناً سيضطر الحرفي أو حتى المصرف لتكبد خسارة، لكن على المدى البعيد هذا أمر جيد للجميع. بالطبع، لسنا في وضع يتيح لنا فتح مصرف هنا الآن، لكنها إحدى الأمور التي أرغب في فعلها مستقبلًا. وهنا يأتي دور من هم مثلك ممن لا حاجة ملحة لديهم للمال لوضع مدخراتهم وجني فوائد عليها، ومساعدة القرية في الوقت ذاته".