نهض الرجال بحذر. تفادوا قرقعة الأبازيم واحتكاك المعدن. وسّعوا الفسح دون مفارقة ستر الأشجار. بدأ هدّان بحركات بطيئة. أذرع وأكتاف وأرجل. إطالات بسيطة تُلزم المفاصل المتصلبة للحظات لفكها. ثم أمرهم بالعدو في أماكنهم. خطوات خفيفة وكعوب تكاد لمس الأرض. تابعه تسيب. حافظ على انتظام أنفاسه وحركات ضيقة. أضاف هدّان تمارين قصيرة بعد ذلك. القرفصاء بضبط. دفعات سريعة لرفع الركب. مجموعة ضربات وهمية بأيدٍ فارغة.
ضُمت المرفقين لتفادي إصابة الجاور. أدّوا كل شيء بلا كلام. خفضوا الضجيج حتى اقتصر على وقع الأقدام الرخو في الطين وحفيف الثياب. شعر تسيب بالتغيير يسري فيه بعد دقائق. عاود الدم الجريان. تسلل البرد خارج يديه. تحول التوتر إلى طاقة قابلة للاستخدام. رصد ذلك في البقية أيضاً. ظهور أشد استقامة. عيون أوقع. ملامح ثابتة بدل التململ. أشار هدّان بالتوقف. عاود الرجال الهبوط حيث جلسوا. زال تململ الجميع.
بدوا مستعدين. تناولوا وجبة باردة أخرى بعد ذلك. مضغوا ببطء هذه المرة وبلعوا بحذر. دارت سقايات الماء مجدداً. مسح بضع رجال أيديهم بسراويلهم وفحصوا السيور مرة أخرَى. ثم جلسوا وانتظروا. عادت تسيب إلى الجذر الناتئ الذي اختاره الليلة الفائتة. لا زال رطباً وغير مستوٍ. لكنه صلب ورفعه قليلاً عن الطين. أسند يديه على ركبتيه وراقب الأشجار. أجرى نوروب جولة أخرى بعد وقت قصير. توقف قرب الحارس المصاب والتوى كعبه.
جلس على عقبيه بقربه. سحب الحذاء كفاية لفحص التورم. توجس وجه الحارس حين ضغط نوروب بخفة حول المفصل. هز نوروب رأسه.
"لن تقاتل هكذا".
استقام جلوس الحارس فوراً.
"أستطيع الوقوف. أستطيع تلويح سيف".
قال نوروب: "تستطيع العرج. هذا ما تستطيع فعله. ستقتل نفسك وحسب إن ذهبت مع البقية".
نظر الحارس إلى القائد وحاول الاحتجاج. لكن هدّان قطع عليه بأمر قاطع.
"أنت باقٍ هنا".
فتح الحارس فمه كمن سيعترض.
واصل القائد: "نحتاج لمن يراقب المؤونة على أي حال. أنت ستفعل ذلك. سيبقى جوريك معك هنا".
أصدر جوريك صوتاً لم يكن تذمراً تماماً ولم يمثل موافقة أيضاً. رمق الغابة بطرف عينه كأنه يبتغي مكاناً آخر. بدا الحارس المصاب كمن ابتلع علقماً. حدق في الأرض لبرهة. ثم أومأ مرة.
"حسناً".
لم يبد سعيداً. لكنه لم يجادل أكثر.
* * *
مَالَ النَّهَارُ نَحْوَ المَسَاءِ. تَسَلَّلَ الضَّوْءُ بَيْنَ الأَشْجَارِ بَيْنَمَا بَقِيَ الضَّبَابُ الخَفِيفُ مُخَيِّمًا. جَعَلَتِ السُّحُبُ المُتَطَبِّقَةُ مِنْ الصَّعْبِ مَعْرِفَةَ الكَمِّ المُتَبَقِّي مِنَ الوَقْتِ قَبْلَ حُلُولِ الظَّلَامِ الحَقِيقِيِّ. بَدَتِ الغَابَةُ أَكْثَرَ هُدُوءًا، أَوْ لَعَلَّ أُذُنَيْ تِيسِيبَ كَانَتَا تَبْحَثَانِ فَقَطْ عَنْ أَيِّ صَوْتٍ يَأْتِي مِنَ المِجْمَعِ.
ثُمَّ عَادَ فِيرُوي أَخِيرًا. تَحَرَّكَ دَاخِلَ الأُجْمَةِ بِذَلِكَ الإِيقَاعِ المَضْبُوطِ نَفْسِهِ الَّذِي يُلَازِمُهُ دَائِمًا، كَأَنَّهُ لَا يُرِيدُ لِوُصُولِهِ أَنْ يُفْزِعَ أَحَدًا فَيُحْدِثَ ضَجِيجًا. نَهَضَ هُودَانُ فَوْرَ رُؤْيَتِهِ. وَقَفَ تِيسِيبُ بَعْدَ لَحْظَةٍ، تَبِعَهُ مُعْظَمُ الحُرَّاسِ. جَمَعَهُمْ فِيرُوي قَرِيبًا مِنْهُ، عَلَى مَسَافَةٍ مُتَرَاصَّةٍ تَكْفِي لِئَلَّا يَضْطَرَّ لِلْكَلَامِ بِصَوْتٍ أَعْلَى مِنَ الهَمْسِ.
قَالَ: "مُرَاقِبُنَا مَا زَالَ يَرْصُدُ المِجْمَعَ. لَا تَغْيِيرَاتٍ فِي جَدْوَلِ أَمْسِ".
أَمَالَ رَأْسَهُ مُتَفَحِّصًا الوُجُوهَ وَاحِدًا تِلْوَ الآخَرِ لِيَتَأَكَّدَ مِنْ أَنَّ الرِّجَالَ يُنْصِفُونَ السَّمْعَ.
تَابَعَ قَائِلاً: "لَمْ تَأْتِ أَيُّ عَرَبَةٍ مِنَ الجَنُوبِ اليَوْمَ، لَكِنَّ ثَلَاثَةَ رِجَالٍ دَخَلُوا عَبْرَ البَوَّابَةِ الشَّمَالِيَّةِ مُبَكِّرًا".
ضَاقَتْ عَيْنَا هُودَانِ.
قَالَ: "إِذاً فَهُنَاكَ أَحَدٌ وَعِشْرُونَ قَاطِعَ طَرِيقٍ مَوْجُودُونَ دَاخِلَ المِجْمَعِ أَوْ بِالقُرْبِ مِنْهُ".
أَلْقَى نَظْرَةً عَلَى الرِّجَالِ المُتَحَلِّقِينَ حَوْلَهُ، مُضِيفًا: "مِنْ جَانِبِنَا، لَدَيْنَا وَاحِدٌ وَثَلَاثُونَ سَيَّافًا الآنَ. دُونَ احْتِسَابِ المُسْمِلَيْنِ، وَالمُصَابِ، وَيُورِيك. يُمْكِنُنَا فِعْلُهَا دُونَ أَيِّ خَسَارَةٍ فِي صُفُوفِنَا إِنْ كُنَّا حَذِرِينَ".
لَمْ يَنْطِقْ بِهَا كَوَعْدٍ، بَلْ كَمِعْيَارٍ يُسْعَى إِلَيْهِ. شَعَرَ تِيسِيبُ بِبَعْضِ الرِّجَالِ يَتَحَرَّكُونَ تَمْلُّصًا عِنْدَ سَمَاعِ الأَرْقَامِ، لَكِنَّهُ رَأَى الثِّقَةَ عَلَى كُلِّ وَجْهٍ. ثُمَّ بَدَأَ فِيرُوي فِي بَيَانِ مَالِمِ المَكَانِ.
قَالَ: "يَقَعُ المِجْمَعُ عَلَى بُعْدِ أَرْبَعِ مِئَةِ خُطْوَةٍ تَقْرِيبًا إِلَى شَمَالِنَا الشَّرْقِيِّ. وَمَنْجَمُ الطِّينِ عَلَى بُعْدِ سَبْعِ مِئَةِ خُطْوَةٍ تَقْرِيبًا إِلَى الشَّمَالِ، وَعَلَى بُعْدِ ثَلَاثِ مِئَةِ خُطْوَةٍ تَقْرِيبًا شَمَالَ الشَّمَالِ الغَرْبِيِّ لِلْمِجْمَعِ".
تَخَيَّلَهَا تِيسِيبُ بَيْنَمَا كَانَ فِيرُوي يَتَكَلَّمُ، مُحَاوِلًا تَرْسِيخَ الأَشْكَالِ فِي رَأْسِهِ. هُمْ هُنَا فِي الأُجْمَةِ. المَسَارُ يَتَّجِهُ جَنُوبًا نَحْوَ كَيْرْنُوسَ فِي الشَّرْقِ. المِجْمَعُ فِي الشَّمَالِ الشَّرْقِيِّ. حُفْرَةُ الطِّينِ أَبْعَدُ فِي الشَّمَالِ.
تَابَعَ فِيرُوي: "الوَقْتُ بَعْدَ العَصْرِ. خِلَالَ سَاعَتَيْنِ تَقْرِيبًا، سَيَبْدَأُ العَبِيدُ فِي العَوْدَةِ بِمَا اسْتَخْرَجُوهُ اليَوْمَ عَلَى العَرَبَاتِ وَالمَقْطُورَاتِ".
قَامَ بِحَرَكَةٍ خَفِيفَةٍ بِيَدِهِ مُشِيرًا إِلَى اتِّجَاهٍ مَا: "هُنَاكَ كَوْمَةٌ عَالِيَةٌ مِنَ الطِّينِ مُتَجَمِّعَةٌ خَارِجَ الجِدَارِ الغَرْبِيِّ لِلْمِجْمَعِ. كَمِّيَّةٌ كَبِيرَةٌ مِنْهُ، وَإِنْ وَقَفَ رَجُلٌ فَوْقَهَا فَسَيَرَى مَا بِالدَّاخِلِ بِسُهُولَةٍ. هُنَاكَ كُوَمٌ أُخْرَى أَصْغَرُ حَجْمًا أَيْضاً. الأَغْلَبُ أَنَّ تَوْرَهَانَ يَنْقُلُ كَمِّيَّاتٍ صَغِيرَةً فَقَطْ لِيُحَافِظَ عَلَى ارْتِفَاعِ الأَسْعَارِ فِي كَيْرْنُوسَ".
أَلْقَى هُودَانُ نَظْرَةً خَاطِفَةً نَحْوَ نُورُوبُو، الرَّجُلِ الَّذِي كَانَ رَامِيَ سِهَامٍ قَبْلَ أَنْ يَبْدَأَ العَمَلَ كَمُسْمِلٍ.
قَالَ هُودَانُ بِصَوْتٍ خَافِتٍ: "تِلْكَ الكَوْمَةُ... أَلَيْسَتْ مَكَاناً مُنَاسِباً لِـ..."
أَوْمَأَ فِيرُوي بِرَأْسِهِ مَرَّةً وَاحِدَةً: "تِلْكَ هي الخُطَّةُ. لَقَدْ تَأَكَّدْتُ مِنْ أَنَّ الكَوْمَةَ غَيْرُ مَرْئِيَّةٍ بِسُهُولَةٍ مِنْ مَنْجَمِ الطِّينِ بِسَبَبِ بُقْعَةٍ مِنَ الأَشْجَارِ فِي الوَسَطِ. لِذَلِكَ فَرِجَالُ المَنْجَمِ لَيْسَ لَدَيْهِمْ خَطُّ رُؤْيَةٍ وَاضِحٌ عَلَيْهَا".
تَوَدَّدَ حَارِسٌ عِنْدَ الخَلْفِ بِهَمْسٍ وَصَلَ صَدَؤُهُ: "مَتَى نَهْجُمُ؟"
قَالَ فِيرُوي: "خِلَالَ السَّاعَةِ".
تَبَادَلَ بَعْضُ الرِّجَالِ نَظَرَاتٍ سَرِيعَةً.
"هَذَا قَبْلَ الغُرُوبِ..."
لَمْ يَتَوَقَّفْ فِيرُوي طَوِيلًا: "إِنِ انْتَظَرْنَا حَتَّى الغُرُوبِ، فَسَيَكُونُ قُطَّاعُ الطَّرِيقِ فِي حَالَةِ تَيَقُّظٍ. حِينَئِذٍ يَتَأَكَّدُونَ مِنْ عَودَةِ جَمِيعِ العَبِيدِ، ثُمَّ يَطُوفُونَ حَوْلَ المِجْمَعِ بِضْعَ مَرَّاتٍ. لَيْسَ هَذَا وَقْتاً مُنَاسِباً لِلْهُجُومِ".
سَأَلَ تِيسِيبُ: "أَفَلَا يَجِبُ أَنْ نُهَاجِمَ وَقْتاً أَتْيَرَ فِي الظَّلَامِ عِنْدَمَا يَسْتَرْخُونَ؟"
حَافَظَ المَرْزِقُ السَّابِقُ عَلَى اسْتِوَاءِ صَوْتِهِ: "إِنِ انْتَظَرْنَا سَاعَةً أُخْرَى بَعْدَ ذَلِكَ، فَلَنْ يَكُونَ هُنَاكَ ضَوْءٌ كَافٍ. لَيْسَ مِثْلَ هَذِهِ السُّحُبِ الكَثِيفَةِ. دَاخِلَ الأَسْوَارِ، سَيَكُونُ هُنَاكَ مَا يَقْرُبُ مِنْ ثَمَانِينَ شَخْصاً حِينَها، بِمَا فِي ذَلِكَ العَبِيدُ وَقُطَّاعُ الطَّرِيقِ. قُطَّاعُ الطَّرِيقِ مَلَابِسُهُمْ أَفْضَلُ، وَبُنْيَتُهُمْ أَحْسَنُ، وَهُمْ مُسَلَّحُونَ. نَسْتَطِيعُ التَّعَرُّفَ عَلَى عَدُوِّنَا فِي ضَوْءِ النَّهَارِ، وَلَكِنْ بَعْدَ حُلُولِ الظَّلَامِ؟ لَنْ نَعْرِفَ مَنْ نَقْتُلُ. لَا نَسْتَطِيعُ المُخَاطَرَةَ بِذَلِكَ".
شَدَّتْ أَصَابِعُ تِيسِيبَ عَلَى عَصَا رُمْحِهِ. لَمْ يُرِدْ أَنْ يَتَخَيَّلَ ذَلِكَ؛ الطَّعْنَ فِي ضَوْءٍ ضَعِيفٍ، وَسَمَاعَ صَرْخَةِ أَحَدِهِمْ، دُونَ مَعْرِفَةِ مَا إِذَا كَانَ ذَلِكَ صَدِيقاً أَوْ عَدُوّاً إِلَّا بَعْدَ فَوَاتِ الأَوَانِ.
تَابَعَ فِيرُوي: "قُطَّاعُ الطَّرِيقِ مُسْتَرْخُونَ الآنَ. هُمْ يَنْتَظِرُونَ المَسَاءَ لِكَيْ يَعُودَ العَبِيدُ وَيَطْبُخُوا".
أَلْقَى نَظْرَةً خَاطِفَةً نَحْوَ اتِّجَاهِ المِجْمَعِ لِلَحْظَةٍ، ثُمَّ عَادَ: "رَأَى المُرَاقِبُونَ جِيفَةَ أَيِّلٍ أُدْخِلَتْ بَعْدَ العَصْرِ. أَنَا مُتَأَكِّدٌ أَنَّ قُطَّاعَ الطَّرِيقِ تَسِيلُ لُعَابُهُمْ لِمُجَرَّدِ التَّفْكِيرِ فِي تَنَاوُلِ اللَّحْمِ اللَّيْلَةَ. لَيْسَ أَحَدٌ مِنْهُمْ يَتَوَقَّعُ غَارَةً الآنَ".
تَضَايَقَ فَمُ هُودَانِ فِي حَرَكَةٍ قَرِيبَةٍ مِنَ الاسْتِحْسَانِ.
"إِذاً فَهَذَا هُوَ الوَقْتُ الأَمْثَلُ لِلْهُجُومِ. سَنَبْدَأُ فَوْرَ أَنْ يَأْخُذَ الجَمِيعُ مَوَاقِعَهُمْ".
نَظَرَ إِلَى المَرْزِقِ السَّابِقِ: "قُطَّاعُ الطَّرِيقِ فِي مَكَانَيْنِ الآنَ. بِمَ نَبْدَأُ أَوَّلاً؟"
لَمْ يَتَرَدَّدْ فِيرُوي: "نَبْدَأُ بِالمِجْمَعِ أَوَّلاً. هُنَاكَ نَحْوُ دُسَيْنَةٍ مِنْ قُطَّاعِ الطَّرِيقِ هُنَاكَ، وَهُمْ أَقَلُّ مِنْ نِبَالِنَا. البَوَّابَةُ الجَنُوبِيَّةُ مَفْتُوحَةٌ أَيْضاً فِي هَذَا الوَقْتِ. سَنُطَهِّرُ المِجْمَعَ بِسُرْعَةٍ، ثُمَّ نَنْتَقِلُ إِلَى مَنْجَمِ الطِّينِ. مَا لَمْ يَكُونُوا يَمْلِكُونَ أَبْوَاقاً جَاهِزَةً لِلنَّفْخِ، فَلَنْ يَدْرِيَ قُطَّاعُ الطَّرِيقِ فِي المَنْجَمِ بِمَا يَحْدُثُ حَتَّى نَكُونَ فَوْقَهُمْ. لِذَلِكَ سَنَتَأَكَّدُ مِنْ إِصَابَةِ أَيِّ شَخْصٍ يَبْدُو أَنَّهُ يَقْدِرُ عَلَى النَّفْخِ فِي بُوقٍ بِسَهْمِ نَبْلٍ أَوَّلاً".
اسْتَمَعَ تِيسِيبُ، ثُمَّ تَكَلَّمَ قَبْلَ أَنْ يَمْنَعَ نَفْسَهُ عَنِ الحَدِيثِ.
"أَلَمْ يَكُنْ مِنْ الأَفْضَلِ الضَّرْبُ عَلَى المَنْجَمِ أَوَّلاً؟"
سَأَلَ: "إِنْ تَمَّ تَنْبِيهُهُمْ، فَيُمْكِنُهُمْ إِيذَاءُ العَبِيدِ أَوْ الهَرَبُ. إِنْ هَرَبَ بَعْضُهُمْ، فَيُمْكِنُهُمْ نَقْلُ الأَخْبَارِ إِلَى تَوْرَهَانَ أَوْ إِلَى المِجْمَعِ الآخَرِ لِطَلَبِ المُسَاعَدَةِ".
نَخَرَ القَائِدُ بِأَنْفِهِ: "لَنْ تَأْتِيَ أَيُّ مُسَاعَدَةٍ فِي الوَقْتِ المُنَاسِبِ لِإِنْقَاذِ هَذَا المِجْمَعِ".
"هَذَا صَحِيحٌ".
نَظَرَ فِيرُوي إِلَى تِيسِيبَ لِلَحْظَةٍ، ثُمَّ أَوْمَأَ مَرَّةً وَاحِدَةً.
"أُوَافِقُ عَلَى أَنَّهَا مُخَاطَرَةٌ بَعْدُ، وَلَكِنَّهَا مُخَاطَرَةٌ يَتَجَطَّبُ عَلَيْنَا قَبُولُهَا".
حَافَظَ عَلَى اسْتِوَاءِ صَوْتِهِ، بِالطَّرِيقَةِ نَفْسِهَا عِنْدَمَا يُرِيدُ مِنْ الجَمِيعِ أَنْ يُفَكِّرُوا بَدَلًا مِنَ التَّفَاعُلِ: "قَدْ يَهْرُبُ بَعْضُ قُطَّاعِ الطَّرِيقِ مَهْمَا فَعَلْنَا. لَيْسَ هَدَفُنَا هُنَا هُوَ التَّأَكُّدَ مِنْ مَوْتِ كُلِّ قَاطِعِ طَرِيقٍ – فَهُنَاكَ دَائِماً المَزِيدُ مِنَ الأَوْغَادِ لِمَلْءِ أَمَاكِنِهِمْ فِي هَذِهِ المِنْطَقَةِ – وَلَا نَسْتَطِيعُ إِخْفَاءَ الهُجُومِ طَوِيلًا. سَيَزُورُنَا أَحَدٌ مِنَ المِجْمَعِ الآخَرِ فِي الشَّمَالِ خِلَالَ يَوْمٍ أَوْ يَوْمَيْنِ عَلَى أَيِّ حَالٍ، وَسَيَرَوْنَ مَا حَدَثَ وَيُبْلِغُونَ تَوْرَهَانَ. هَدَفُنَا هُوَ تَحْرِيرُ أَكْبَرِ عَدَدٍ مُمْكِنٍ مِنَ العَبِيدِ، وَأَخْذُ أَيِّ غَنِيمَةٍ نَسْتَطِيعُ حَمْلَهَا، وَالعَوْدَةُ إِلَى البَيْتِ. كَانَ سَيَكُونُ مِنْ الأَفْضَلِ لَوْ كَانَ تَوْرَهَانُ هُنَا لِكَيْ نَقْضِيَ عَلَيْهِ مَرَّةً وَإِلَى الأَبَدِ، لَكِنَّ المُرَاقِبِينَ كَانُوا يَرْصُدُونَ هَذَا المَكَانَ مُنْذُ أُسْبُوعٍ بِالْفِعْلِ. لَا نَسْتَطِيعُ الاسْتِمْرَارَ فِي الَانْتِظَارِ لِوُصُولِهِ، وَهُوَ المُحْتَمَلُ قُدُومُهُ بِمَزِيدٍ مِنْ قُطَّاعِ الطَّرِيقِ".
أَلْقَى نَظْرَةً عَلَى صَفِّ الرِّجَالِ، مُتَأَكِّداً مِنْ أَنَّهُمْ يَتَّبِعُونَ.
"إِذًا فَنَحْنُ نَقْتُلُ أَكْبَرَ عَدَدٍ نَسْتَطِيعُهُ مِنْ قُطَّاعِ الطَّرِيقِ، لَكِنَّ هَذِهِ مِنْطَقَتُهُمْ. هُمْ يَعْرِفُونَ هَذِهِ الغَابَاتِ أَفْضَلَ مِمَّا نَعْرِفُهَا نَحْنُ. لَنْ نُطَارِدَ أَيَّ شَخْصٍ يَنْفَصِلُ هَارِباً".
أَوْمَأَ تِيسِيبُ. لَمْ تُعْجِبْهُ فِكْرَةُ تَرْكِ الأَنْذَالِ يَهْرُبُونَ، لَكِنَّهُ فَهِمَ المَقْصِدَ. لَمْ يَكُونُوا هُنَا لِلبَقَاءِ وَصَيْدِ قُطَّاعِ الطَّرِيقِ لِأَيَّامٍ. كَانُوا هُنَا لِلضَّرْبِ بِقُوَّةٍ، وَالمُغَادَرَةِ بِسُرْعَةٍ قَبْلَ أَنْ يُدْرِكَ أَحَدٌ مَا حَدَثَ.
رَفَعَ فِيرُوي يَدَهُ: "أُولَئِكَ الَّذِينَ يَمْلِكُونَ نِبَالًا، حَمِّلُوهَا".