~ تيسيب ~
لا تزال حذاء تيسيب رطبة بندى الصباح على الشجيرات، بينما واصلت أرض الغابة محاولة سلب خطواته بالجذور والأوراق اللزجة. مضى يومان على مغادرة القرية، والرائحة واحدة في كل مكان، لحاء مبلل وأوراق مسحوقة وأغصان متعفنة، حتى بدأت ساقاه كأنهما تخصان شخصا آخر. لم يمنحهم فيروي فرصة للاستقرار في اليوم الأول. أبقاهم في حركة مستمرة مع وقفان قصيرة فحسب، تلك التي يبتلع فيها الرجل رشفة ماء ويمسح وجهه ثم يسمع كلمة تقدم.
راقب تيسيب الأكتاف وهي تترهل، وراقب الرجال وهم يغيرون وضعية الأحزمة على حقائبهم ويشدون قبضاتهم على الرماح كأن الخشب قادرا على دعمهم، ومع ذلك لم يقل أحد لا. عرف الجميع سبب مغادرتهم القرية، ولن يسمح أحد للإرعب بالتسلط في طريق الثأر واجتثاث خطر يهدد ديارهم. انقسم الحراس الثلاثون كما أمر فيروي منذ البداية، ثلاثة فرق تضم كل منها عشرة رجال. قاد فيروي المجموعة الأولى على اليسار، وقاد هودان المجموعة الثانية على اليمين، وتولى تيسيب المجموعة الثالثة التي سارعت في المنتصف بين البقية.
وحتى الآن ظل يختلس النظر إلى مجموعته دون قصد، متفحصا الوُجوه والأنفاس والعلامات الصامتة التي تدل على أن أحدهم على وشك التخلف مع محاولة إخفاء ذلك. كان اليوم الثاني أخف وطأة. ذكر فيروي أنهم قطعوا المسافة المستهدفة في اليوم الأول، لذا يمكنهم التخفيف قليلا من وتيرتهم الآن، ولو قليلا فحسب. وعندما اقتربوا من كيرنوس، اختلف طعم الهواء، وتدلّت رائحة الملوحة الحادة في الأجواء.
لكن لم يكن هناك متسع للاسترخاء، ولن يفعلوا. كان جوريك معهم أيضا. لم يكن حارسا، فالحراس جميعا في ذروة لياقتهم وبنيتهم المفتولة، لكنه استابَع مجاراة الحراس في سيرهم مع شكاوى طفيفة هنا وهناك من التعب. غير أنه عمل عاملا طوال الأشهر الماضية، فبدا لائقا بما يكفي وأدرك أهمية المهمة، فلم يبطئ من سيرهم. كان هو من يتعين عليه إدلالهم على الطريق شمالا، لكنه عجز عن العثور على معالم واضحة لتعيين الدرب.
أحاطت بهم الأشجار من كل جانب. وحيثما وجه تيسيب بصره، لم يجد سوى شجر فيداروس السامق المعتاد أو غيره مما لم يتعرف إليه، إلى جانب غابات كثيفة من الشجيرات والأجام. منحت الأمطار الأخيرة دفعة نمو للغابة، مما صعّب الرؤية لمسافة بعيدة حتى في ساعات النهار. بحلول الظهيرة، طافوا حول المنطقة العامة شمال كيرنوس بضع مرات بحثا عن الدرب المؤدي شمالا، وتساءل تيسيب عما إذا ضلوا طريقهم.
وهمّ باقتراح التوقف لإقامة معسكر مؤقت طوال الليل قبل أن يرفع جوريك يده ويأمرهم بالتوقف. حدق في الأشجار للحظة وأشار إلى شجرة ضخمة انشطرت نصفين وبدأت تتعفن. هذه هي. لا يمكنني نسيان تلك الرائحة القريبة من تلك الشجرة عندما أتيت هنا مع اللصوص لتخطيط الكمون. كانت هناك جثة نصف مأكلولة هناك في المرة الأخيرة، وقد أجبرني اللصوص على الذهاب والتحقق مما هناك، ولا يمكنني نسيان تلك الشجرة.
يفترض أن يكون الدرب المؤدي إلى المجمع قريبا من هنا. تفرق الحراس في المحيط، وما لبث أن أطلق أحدهم هتافا. تبع تيسيب فيروي والقائد ليرى ممرا ضيقا يشق الأدغال ويتجه شمالا. لم يكن طريقا معبدا، ولا حتى دربا حقيقيا، بل مجرد خط مطروق مر عليه كاف من الأقدام والحوافر حتى احتفظت الأرض بشكله. بدت التربة مضغوطة في مواضع، وانثنت النباتات على الحواف أو انكسرت على نحو لا تفعله الحيوانات عادة، بينما تفعله قطعا عربة منخستة تجوب الدرب.
رفع جوريك بصره إلى فيروي. هذا هو الدرب المؤدي إلى المجمع، وأنا متأكد من ذلك. لم يطأ فيروي الدرب. بل حدق إليه كأنه فخ منصوب جهارا نهارا. ثم أومأ برأسه إيماءة قصيرة. نتحرك شمالا. عاودوا المسير، ولكن ليس على الدرب. بل على بعد عشرات الأقدام جانبا، بشكل مواز للخخط البالي، مستخدمين الأشجار للاسترار كما اعتادوا. حافظت الفرق الثلاثة على مسافات فاصلة، بحيث تبدو كل صف متباعدة قليلا، ليعاني أي ناظر من بعيد صعوبة في عدّهم أو تبين شكلهم الكامل.
استمر تيسيب في تحريك عينيه. ظل الدرب في زاوية رؤيته حينا، ثم توارى خلف الشجيرات، ليظهر ثانية. عجز عن الجزم إن كان منعطفا أم أنهم هم من ينعطفون لتجنب بقع النمو الكثيف. بدأ الضوء يتغير مع تقدم النهار، وتدلت الشمس نحو الأفق حتى بدا كل ما تحت الظلة معتما وباردا. ومع اقتراب المساء، بدأ تيسيب يتساءل عما إذا كان جوريك مخطئا. ليس بشأن الدرب نفسه، بل بشأن مكانه المقصود. لقد ظلوا يقتفونه شمالا ساعات طوال، دون أي أثر للكشافة أو المجمع.
لا حركة، لا نداء، ولا علامة متروكة يلحظها سوى العيون المدربة. هل كانوا يتجهون حقا نحو البوصلة الصحيحة؟ أكان ممكنا أن يخطئ جوريك؟ لو حدث لكانوا أضاعوا يوما كاملا سدى. لكنه لم ينطق بذلك علانية. سيلمح فيروي النبرة في صوته لو فعل، وحسبه ذلك لينال نظرة استهجان. ابلع تيسيب ريقه وتابع المسير. ثم سمعها. صوتا حادا ومضبوطا قادما من أعالي الأشجار، مرة واحدة فقط، غير صاخب، وغير موجه للقطع مسافات طويلة.
لا طائر، ولا حيوان. بل إشارة. تجمد تيسيب مع بقية فرقته، واشتدت قبضته على سلاحه. التفت جوريك حوله. أهذه...؟ لم يتردد فيروي. أدار رأسه قليلا، وأصغى إلى النداء مرة أخرى، ثم أجاب بإشارتهم المضادة، بهدوء ودقة مماثلين. وبعد نبضة قلب، تحرك شيء فوقهم. اضطربت الأوراق. وانزلق شكل نازلا على جذع شجرة ضخمة بعناية متمرسة. هبط أحد الكشافة إلى الأرض بصوت يكاد يكون معدوما، مستقرا في وضعية القرفصاء.
واعتدل ببطء، وقد خيم الظل على جزء من وجهه تحت قلنسوة عباءته، قبل أن يزيحها. تجازوت نظرته فيروي لتجوب الفرق الثلاثة. ثم أطلق نفسا بدا نصفه ارتياحا ونصفه الآخر ذهولا. كنت في انتظاركم جميعا. تابعت عيناه الصفوف مجددا عدّاً. وصلتم متأخرين عما توقعت، لكن تبّاً، لقد أتيتم مستعدين! تقدم هودان. تقرير! لم يكن العثور على هذا الدرب سهلا. أضعت يوما كاملا في تتبع أي مسير بدا وكأنه يؤدي إلى هناك.
لكن ما إن عاينّا آثار عجلات العربات على الأرض والأغصان المكسورة على الجانبين، حتى عثرنا على المجمع بمجرد السير بموازاته. أمر سهل. أمال الكشّاف رأسه شمالا. لقد راقبنا المكان طوال الأسبوع الماضي، لكن من الجيد أنكم أتيتم الآن. كانت مؤننا قد بدأت بالنفاذ. رمق الكشاف القائد بنظرة، ثم أعادها إلى فيروي. لا يمكننا الخروج للصيد أو الجمع قرب المجمع. ليس دون المجازفة بالرؤية.
لذا فنحن نراقبه من جثم صالح بين الأشجار في فرق من رجلين، كل مناوبة اثنتا عشرة ساعة. ثم تحل محلنا الفرقة الأخرى لترتاح الأولى. لا تقلقوا، نحن نبدل المناوبات عند حلول الظلام فحسب، لذا لا يدرك أحد في المجمع وجودنا هنا. راقب تيسيب وجه فيروي. لم يبد الكثير، لكن حدقتيه حَدّتا عند سماع كلمة المجمع. على أي مسافة يبعد؟ سأل المرتزق السابق. على بعد يوم ونصف من السير عبر الغابة من هنا.
و... نعلم الآن على وجه اليقين أن هذا ليس المجمع الوحيد الذي يملكه طورهان. تحرك الحراس المستمعون من الجوار قليلا، منتقلن بأوزانهم من قدم إلى أخرى. رأى تيسيب الكثيرين منهم يختلسون النظر نحو الدرب ثانية، كمن يحاول الرؤية أبعد عبر الأشجار بما لا يستطاع. مجمع آخر؟ تمتم هودان. أمتأكد؟ استقر صوت الكشاف وهو يجيب. رأينا مجموعة من الرجال تتحرك شمالا من مجمع استخراج الصلصال على صهوات الخياد كل بضعة أيام.
إنهم لا يتجهون نحو سينران أو أولريغا عبر هذه الغابات، هذا مؤكد. سيستغرق الأمر وقتا طويلا ولن يستحق العناء. مما يعني أن هذا الدرب يتصل بمجمع آخر على الأقل يديره طورهان. جف حلق تيسيب. كم بلغ حجم عمليات هذا اللقيط يا ترى. ثمة احتمال كبير بأنه ابن بارون كيرنوس، ومن المرجح تلقيه دعما من أبيه اللورد فاروداس في كل شيء، وربما لبيع المخدرات للتجار الوافدين إلى سفن كيرنوس أيضا، لكن مجمعا آخر؟
أضمّ هو الآخر الكثير من العبيد العاملين هناك، بحراسة عشرات اللصوص؟ وماذا لو لم يكن ذلك المجمع الثاني هو الأخير أيضا؟ جاء صوت فيروي باردا. قد يكون المكان الذي يجمعون فيه ويسررون فيدريل. النبتة التي يصنع منها لا تنفرد بالنمو سوى في الغابات الكثيفة كهذه، وتجارة المخدرات تدر ما يكفي لتبرير إرسال الفرسان بين المجمعات عبر هذه الغابة ونقل المخدرات الجاهزة من هناك إلى سينران.
نظر تيسيب إليه. أفنغزو ذلك المجمع أيضا إذن؟ أتى بحركة خفيفة بيده، قاطعا حبل الفكر. سنقرر لاحقا عندما نعرف المزيد. أعاد بصره إلى الكشاف. أرايت طورهان هناك؟