ذكر بيداسو أن في المدينة الداخلية قصوراً حجرية فخمة تقع قرب قصر أولريغا حيث يعيش الدوق وعائلته، وبدأ يصدق ذلك أخيراً. كانت هذه مدينة ثرية. عجز عن تصور مدى ثراء من يُدعى لزيارة قصر كهذا، ناهيك عن امتلاكه. على الأرجح، لا يملك مكاناً كذاك سوى النبلاء وبعض التجار الأثرياء للغاية. بما أنها مدينة ضخمة وعاصمة الدوقية، فلا بد من وجود العشرات بعد العشرات من عائلات النبلاء في أولريغا، وجميعهم يخدمون في بلاط الدوق بصفة ما.
لا بد أنهم هم من يعيشون في تلك القصور الفارهة. ومع ذلك، لم يُبَنَ قصر البارون في تيرانات من الحجر، فكم سيكون ثراء أولئك القوم إذا عاشوا في مكان أفضل من البارون؟ ثم مرة أخرى، عاش اللورد كيفاموس في هذه المدينة ذاتها، بوصفه الابن الأصغر للدوق. لقد عاش في قصر أولريغا حقاً، لا في القصور المحيطة به ولا في البيوت الخشبية قرب البوابات. في القصر نفسه. هز رأسه، فقد أصابه الدوار لمجرد التفكير في هؤلاء الأثرياء.
الأفضل له أن يركز على مهمته الخاصة. مال بيداسو نحوه.
"أعرف تاجراً لديه مستودع في حي الميناء. سنركن العربات هناك أولاً. هذا هو الرجل الذي سأتاجر معه بالبضائع... الأخرى. أما الفحم فنبيعه في مكان آخر".
ألقى كالوبو نظرة عليه.
"كيف سنعثر على شخص مستعد لشراء عرباتيين كاملتين من الفحم؟"
انفجر بيداسو ضاحكاً بصوت عالٍ، مما استقطب بعض نظرات المارة.
"عرباتتان أقل من لا شيء هنا. أي حداد حقير يعيش في زقاق جانبي سيشتريه في لمح البصر. لسنا مضطرين حتى للخروج إلى الضواحي الشمالية لنعثر على المصاهر الكبرى التي تشتري كميات هائلة من الفحم وخام الحديد كل يوم".
شعر كالوبو بالحرارة تسري إلى وجهه، ثم ضحك هو الآخر، ساخراً من نفسه بعض الشيء. بالطبع. في مدينة كبيرة كهذه، لا شيء شحيح بالطريقة التي يكون بها في قرية صغيرة. استمرا في التقدم عبر الشوارع، متداخلين مع حركة العربات الأخرى والمارة. سمع كالوبو تصاعد جلبة من طريق جانبي — صياحاً ومساومة وخشخشة معدن على خشب. أدار رأسه قليلاً.
قال: "ما هذا؟"
قال بيداسو دون أن يبطئ: "أه، إحدى ساحات السوق الأرخص. رغم أن هناك العشرات منها. ليست لدينا أعمال هناك اليوم، وعلينا غدا زيارة الخنجر المعوج — وهي حانة قرب قصر الدوق — لمهمة صغيرة، لكن ربما نزیل سوقاً لاحقاً بحثاً عن أي صفقات جيدة".
أومأ كالوبو برأسه، واحتفظ بالمعلومات لوقت لاحق. عشرات الأسواق تعني مئات المتاجر. وعشرات الجواهرجيين أيضاً، ربما. بل وربما بعض من يبيعون الأشياء بثمن بخس. لم يكن متأكداً مما سيكلفه ذلك، لكنه عرف شيئاً واحداً: إن أراد شراء خاتم، فهذه فرصته. كانت هيولا تلمح منذ أشهر الآن. ليس مباشرة، بل بما يكفي ليسمعه بوضوح تام. لكنه لم يرغب قط في التقدم للخطبة دون خاتم في يده، ولم يرد مجرد السير إلى سيدورون، الحداد المحلي، وطلب حلقة حديدية بسيطة كأنه يرضى بأسهل خيار.
لقد كانت سندَه، صخرته، خلال الأيام التي قضياها عبيداً لنوكوزال. وباتت أكثر من ذلك بكثير الآن. لذا أراد أن يفعل شيئاً مميزاً لأجلها. لم تكن لديه نقود لأي شيء فاخر، لكن ربما — ربما يمكنه العثور على شيء بسيط وبمظهر جيد في الوقت ذاته. ومميز. لا بد أن أولريغا تملك بعض الخيارات الجيدة. سيضطر لاقتراض بعض الفضة من بيداسو لأجل ذلك، لكنه عرف أنه يستطيع إعادته قريباً. سيشرع اللورد كيفاموس أخيراً في دفع أجور الحراس نقداً، وربما يبدأ ذلك بحلول وقت عودته.
ألقى بيداسو نظرة عليه مجدداً، وكانت نظرة حادة هذه المرة.
"الآن وقد صرنا داخل المدينة، كن متيقظاً. اللحظة التي تنظر فيها إلى جهة، يسرق شخص ما أغراضك من الجهة الأخرى، ولن تدرك ذلك حتى فوات الأوان".
شد كالوبو قبضته على الحاجز الجانبي للعربات وأومأ. عادت عيناه إلى الأمام، تمسحان الشارع أمامه، ثم الحواف والأزقة الجانبية، ثم العربة الثانية التي تليهما قدر استطاع دون أن يبدو ذلك واضحاً. كانت بضاعتهما الثمينة لا تزال آمنة. ولن يدع أي شيء — لا لصاً ولا إلهاءً ولا المدينة نفسها — يغير ذلك. سيحرص على هذا.
* * *
~ كيفاموس ~ كان كيفاموس يجوب بخطواته محيط بوابات القصر منتظراً دوفاس. كان كبير الخدم منهمكاً في إنجاز بعض المهام الأخيرة قبل أن يتسنى لهما الرحيل لافتتاح مجمع دار الطين الثالث، بينما وقف كيريل وبضع حراس بالقرب مستعدين لمرافقته. غادر الحراس صباح أمس في مهمة الإغارة المضادة، وكان المفترض أن يبلغوا كيرنوس بحلول الظهيرة. إن سارت الأمور على ما يرام، فسيصلون إلى منجم الطين التابع لتورهان مع حلول الظلام.
لم يسعه سوى الأمل في أن يمضي الهجوم وفق الخطط المرسومة. على الطرف الآخر، ومع غياب هودان وتيسيب وفيروي وعدد كبير من الحراس عن القرية، بدا القصر خالياً بعض الشيء في هذه اللحظات. طوال الأسبوع المنصرم قُبيل رحيلهم، ساد صخب عارم إثر تدريب الحراس ليل نهار على تنفيذ تلك الهجمات. غمر الحماس الجميع في القصر ترقباً للإغارة الوشيحة، غير أن رحيل الحراس ألقى وحشة خفيفة في المكان.
لكنه أمر مؤقت على أي حال. حل المساء الآن، وإن احتفظت الشمس بساعة أخرى قبل غروبها حسب تقديره، لا سيما مع استمرار الغيوم رغم توقف المطر مؤقتاً. كان طقس أوائل الصيف يزداد دفئاً يوماً بعد يوم، وتوقع أن تتجاوز الحرارة هنا خلال شهر ما اعتاده في صيف لندن بسهولة. وحين يبلغ ذروة الصيف في تيرانات، تووقع أن تتعدى حرارة لندن بنحو عشر درجات مئوية على الأقل، وفق ما استشفه من حديث الآخرين عن الصيف.
ومع أن ذلك سيظل محتملاً إلى أن تهمي الأمطار بعد شهر من ذروة الصيف. فإن الشهرين التاليين لذلك — من أواخر الصيف إلى أوائل الخريف — سيحملان رطوبة خانقة تحيل أي مجهود عضلي إلى شقاء، كجري الصباح المعتاد وتدريب الحراس. لو كان ابتكار نظام تبريد هنا أمراً ممكناً... لتمكن من صنع الثلج لتوفير الماء البارد للجميع، وربما المثلجات أيضاً من حليب الأبقار الجديدة التي بدأ تجار سينران بإحضارها مؤخراً.
استحال تحقيق ذلك هذا الصيف، بيد أنه ربما يفلح خلال عام آخر في إرساء نظام تبريد ملائم في تيرانات، حتى وإن بدا بدائياً مقارنة بما عهدته الأرض. رغم أن... ثمة أموراً أبسط ربما يمكن إنجازها بمستوى تقنيتهم الحالي. امم... وجب عليه إعمال العقل فيها أكثر. التفت حوله فرأى دوفاس ما زال يتحدث مع السيدة نيريدا قرب قاعة الخدم، فعاود السير قرب البوابات. طالما تملكه الأجر حين يقف بلا حراك.
على الأقل صار تجار الشمال يفدون بانتظام الآن — بمعدل يقارب العام الفائت تقريباً — وبات القصر يبيع نحو أربعة أخماس كمية الفحم التي باعها قبيل الخريف الماضي. لذا بلغ دخلهما الرسمي الشهري نحو ثلاثمائة وخمسين قطعة ذهبية، وهو ما قدم عوناً كبيراً لشراء متطلبات القرية كافة. وما دفعه بيداسو ثمناً لألواح أوسيلوس والورق فكان فوق ذلك؛ فضلاً عن خلوها من أي ضرائب نظراً لانفصال تيرانات الرسمي عنها.
مع ذلك، ذهب معظم ما جَنَوْه من مال لتغطية الأسعار الفلكية للقمح في سينران، حيث تجاوز سعر الكيس الواحد ست قطعات ذهبية هذه الأيام. وبهذه الوتيرة، توقع إقدام الكونت قريباً على حظر بيع القمح خارج بلدته سينران. وليته طريق تجارة تروالو الجديد نحو أولريغا يعمل بكفاءة حينها. ومع بقاء تكلفة تأمين كميات كافية من القمح باهظة لعدد سكان القرية المتنامي — الذي تخطى خمسمائة وخمسين شخصاً مؤخراً مع تدفق اللاجئين بانتظام — فلن يجوع أحد الآن على الأقل.
بيد أن مشكلة أجور العمال والحراس بالعملات المعدنية ظلت قائمة، غير أنها ستغدو مقدورة قريباً. حين يعود بيداسو هذه المرة، سيقتنى كالعادة دفعة أخرى من ألواح أوسيلوس إلى جانب الورق الأفضل الذي يخزنونه، مما سيمنحهم حصيلة وفيرة من الذهب. وفي غضون أسابيع، سيتيح لتروالو بيع فائض من الفحم في أولريغا على الأقل، مما يدعم إيراداتهم أكثر. وإلى جانب الثلاثمائة قطعة ذهبية التي حررها فيروي من الفارس مهرب المخدرات، وما سيجده الحراس في مجمع تورهان، لن يتسنى له شراء ما يكفي القرية من القمح بانتظام فحسب، بل سيبعث فيه ثقة بتحقيق إيرادات كافية ومستقرة تمكنه من البدء بمنح الجميع أجورهم نقداً فور عودة الحراس.
تيقن من نفاد صبر الجميع لهذا اليوم، ولن يتأخر طويلاً.