بعد أيام معدودة، زار كيفاموس جنوب القرية بعد الظهر، وبرفقته آخرون. كان هودان يمشي على أحد الجانبين، ودوفاس على الجانب الآخر، بينما اتخذ عدد من الحراس تشكيل المربع المعتاد حولهم. لم يلبث أن بلغ البوابة الجنوبية الشرقية، حيث أدّى الحراس المناوبون تحية عسكرية حادة وفتحوا البوابة فوراً. كان الحارس فاقد الذراع جالسًا في مناوبته هنا أيضاً، مع أنه عادة ما يُعينه حراس القصر وحدهم.
كان نيسر، الرجل الذي احترق نصف جسده في غارة تورهان، قد تعافى بحلول ذلك الوقت ــ أو على الأقل بالقدر الذي سيسمح له بالتعافي ــ وصار يعمل الآن مدربًا للمجندين الجدد. بدا مظهره المشوّه بندوب كثيفة كأنه مدرب قادم من الجحيم، وهذا بالضبط ما أراده هودان للمجندين ليبقوا متحفزين. نظر إلى برج المراقبة المجاور للبوابة تمامًا. كانت حارسة واحدة على رأس العمل في منصة البرج، ويرافقها رجل طاعن في السن.
كانت المرأة ترمق المسافة البعيدة حيث تقع المزارع بعين حادة، بينما كان الرجل يتأمل مجموعتهم بفضول. اكتسى نصف البرج بالطين بالفعل، واستخدم عاملان دلوًا خشبيًا وهما يقفان على سلم لإكمال طليه. حين صار خارج القرية، شعر بالرضا حين رأى أن مساحة ضيقة فقط من الطريق قد بقيت هناك ــ بنفس عرض البوابة ــ بينما استقر الخندق على الجانبين. وُضعت فروع شجر حادة وأوتاد في الخندق بفواصل منتظمة وعشوائية إلى حد ما، ليغدو شبيهاً بخندق حصار حقيقي.
ومتى ملأت الأمطار جزءاً منه، فلن يدرك أي أعداء قادمين وجود تلك الأوتاد القاتلة للمتسللين المغروسة في الماء، والمخصصة للقضاء على أي عدو يجرؤ على مهاجمة تيرانات. ولمحه المقاول الأصلع يدين فهرول نحوه.
قال: "يا سيدي! لقد وصلت بالفعل!"
سأل كيفاموس: "هل ينتهي كل شيء بحلول المساء؟"
أجاب المقاول بإيماءة واثقة: "سينتهي الخندق، نعم. ولهذا أرسلت ذلك العدّاء ليدعوك لتفقده."
وأشار إلى الخندق في اليمين حيث كان بضعة عمال يشتغلون على مسافة ليست بعيدة.
"تلك هي القطعة الأخيرة. انتهى حفرهم بالفعل، وهم يضعون اللمسات الأخيرة على الأوتاد. يجب أن يكتمل الأمر قبل غروب الشمس."
وأشار إلى الأسوار الخشبية.
"لقد أكملنا طلاء أسوار الغرب والشمال والشرق بالطين."
وأشار يدين إلى مكان أبعد، يكاد يلامس الزاوية الجنوبية الغربية للسوار.
"هذا السوار الجنوبي ما زال قيد العمل، كما ترى. أعتقد أنه سيتطلب ثلاثة أو أربعة أيام لإنجاز هذا وبرجي المراقبة الأخيرين المتبقيين. كان سينتهي قبل أيام قليلة، لكن القائد سحب الحراس غير المناوبين الذين كانوا يساعدوننا في غرس الأوتاد الحادة، لذا يتوجب على عمالي إنجاز كل شيء بأنفسهم الآن."
ردّ كيفاموس: "ثمة أسباب وجيهة لذلك، لكني واثق من أن عمالك قادرون على إنجاز الأمر على خير وجه."
وألقى نظرة سريعة على فريق العمال الذين يطينون السوار، بينما أحضر أحدهم الماء في دلو من البئر الجديدة التي حُفرت قرب المزارع. وحين ينتهي كل شيء، ستصبح الأسوار الخشبية والأبراج مقاومة للحريق على الأقل، إن لم تكن مانعة له. كما أُنجزت الآبار الأخرى، وصار في القرية خمس آبار الآن إضافة إلى البئر الأخيرة قرب المزارع، فضلاً عن الدلاء الخشبية الجديدة. سيساعد ذلك كثيراً في التعامل مع أي حريق ينجح في اندلاع أثناء هجوم للعدو.
أثنى على المقاول قائلاً: "يبدو كل شيء جيداً. هل تحدثت مع الصيادين الذين ذهبوا لاستطلاع طريق أفضل نحو السد؟"
أومأ يدين برأسه.
"فعلت يا سيدي. أخبروني أن الطريق المؤدي إلى مناجم الفحم هو الأقصر على الإطلاق، لكنهم ذكروا أن ثمة تلّة صغيرة بين المناجم والسد تبدو قابلة للقطع. قالوا إن شققنا طريقاً عبرها، سيصير الطريق القادم من المناجم أكثر استقامة وأقصر قليلاً. غير أني لم ألق نظرة عليه بنفسي."
اقترح كيفاموس: "عليك الذهاب مع أولئك الصيادين متى امتلكت ساعة فراغ. لن نُسيّر أي مجموعات صيد أخرى في الوقت الحالي، لذا سيبقون هنا لمساعدتك حتى نرسلهم غرباً."
سأل يدين بفضول: "عليّ البقاء هنا اليوم أيضاً للتأكد من غرس الأوتاد بالشكل السليم، لكني سأذهب صباح غد. أيتجه الصيادون غرباً إلى الغابة للصيد هذه المرة فقط؟"
رمش كيفاموس ناظراً إلى هودان لبرهة. لن تكون فكرة سحيحة السماح بانتشار أي شائعات في القرية حول الأمر، خشية أن يسمعها تاجر زائر فيثرثر بها في سينران أو أولريغا. وجب أن يظل كل ما يتعلق بغارتهم المضادة على تورهان سراً مطبقاً عن غير المشاركين فيه. تلك هي الطريقة الوحيدة لبقائهم بمنأى عن أي لوم إن قُتل تورهان ــ ابن البارون ــ حتى لو لم يكن سوى ابن غير شرعي.
تمتم قائلاً: "شيء من هذا القبيل... على أي حال، خذ كل هؤلاء حافري الطين إلى التلال اعتباراً من الغد لشرعوا في توسيع الطريق وتسويته كما تحدثنا سابقاً. ستكون القناة جزءاً من ذلك حسب الخطة، لكن هذا سيتم بعد أن تقطع طريقاً منححدراً للطريق. ستظل مقاول تلك المجموعة."
هتف يدين وهو يضرب صدره: "اتركه لي يا سيدي. سأنجزه. لا يمكنني منحك جدولاً زمنياً لموعد انتهائه حتى نشرع فيه ونرى ما لدينا لنعمل به، لكني سأعلمك فور توفره. مع أن الأمر سيساعد كثيراً لو وُجد بضعة حراس للدفاع عن العمال حين نعمل في التلال. لقد عملوا جميعاً هنا لحفر خندق لنحو شهر، والأمر آمن بالقدر المستطاع هنا، تحت إشراف أبراج المراقبة مباشرة، لكن حين نعمل في التلال سيقلق الجميع بشأن احتمال تربص أدزي في الجوار. سيخفض ذلك الروح المعنوية ويبطئ العمل."
هزّ هودان رأسه.
"لا يمكن ذلك يا يدين. ليس في الوقت الحالي. الحراس مشتتون في أماكن أخرى في الوقت الحالي. سأرسل بضعة رجال حين تتوفر لدي قوة فائضة، لكن عليك التدبير بمفردك حتى ذلك الحين. لا يزال بإمكانك المغادرة مع عمال الفحم الآخرين في الصباح والعودة معهم في المساء. لن يمس أدزي مجموعة كبيرة كهذه على أي حال."
هزّ يدين كتفيه.
"خططت لفعل ذلك بالفعل. لكني أخشى الوقت الباقي."
أضاف هودان: "لا تقلق، لم يبلّغ الصيادون عن رصد أي أدزي قرب القرية طوال الأسابيع القليلة الماضية. الأرجح أن قطيعهم ينتقل إلى مكان آخر هذه الأيام. إن كان شيئاً أصغر كخنزير بري أو ذئب، فينبغي أن تكون قادراً على التعامل معه بعددكم. معظم العمال في مجموعتك قارعو حجر كلسي سابقون. لن يتجمدوا إن واجهوا خطراً."
تمتم يدين: "لا أظن أن الأمر سينجح... إنهم ليسوا حارساً مدربين..."
تأمل كيفاموس الأمر. حتى تُستكمل غارة تورهان المضادة بنجاح ويعود الحراس خلال خمسة عشر إلى عشرين يوماً، سيكون نقص الحراس حاداً لدرجة تعجزهم حتى عن دفاع القرية. استحال إرسال أي منهم لمرافقة أي مجموعة عمالية محددة ببساطة. لكن خطر تعرض العمال لهجوم من الوحوش ظل قائماً خلال ذلك الوقت.
اقترح قائلاً: "أقول لك ماذا، سأمنح مجموعتك بعض الأسلحة لتدافعوا عن أنفسكم."
ونظر إلى هودان.
"ألدينا رماح إضافية؟"
أومأ القائد برأسه: "بالتأكيد. نعاني نقصاً طفيفاً في السيوف جيدة النوعية، لكن لدينا ما يكفي من الرماح. يزودنا سيدورون برمح جديد كل يوم تقريباً. كما أننا لن نأخذ الكثير من الرماح من أجل... ذلك الشيء، لأنها لن تجدي نفعاً في المساحات الضيقة. أظن أن بإمكاننا الاستغناء عن بعضها."
عاد كيفاموس بنظره إلى المقاول.
"جيد. سنمنحك بضعة رماح لتدافع عن نفسك. بل سأخصص نشاباً أيضاً لاستخدام مجموعتك."
نظر إليه دوفاس بحدة.
"أواثق أنت من ذلك يا سيدي؟ لم نسمح لأحد حتى الآن باستخدامها سوى الحراس. الأمر محفوف بالمخاطر..."
أومأ كيفاموس برأسه.
"لا سبيل آخر. تتمتع مجموعة عمال الفحم بأمان الأعداد على الطريق، وبوسعهم ببساطة إغلاق مداخل المناجم إن رأى أحدهم أدزي أو باكور في الجوار. لكن أولئك العاملين في المنشار وأفران التلبيد ما زالوا في خطر، تماماً مثل رجال يدين بينما يشيدون طريقاً. منح كل مجموعة نشاباً هو أقل ما يجب فعله لحمايتها."
علق يدين قائلاً: "حسنًا، لم أستعمل أشياء النشاب هذه من قبل، لكن إن كنت ترى أنه سيساعد، فأنا أقبل."
"جيد إذن، سيسلمك هودان بعض الرماح ونشاباً مع عدد كافٍ من السهام. تعال إلى القصر متى فرغت في المساء، وسيعلمك أحد الحراس طريقة استخدامه. ستكون مسؤوليتك الحفاظ على سلامة النشاب. وهو ليس شيئاً يستعرضه المرء أمام العمال الآخرين. ستحتفظ به وحدك، ولن تستخدمه إلا إن ظهر وحش أو قاطع طريق أمامك."
هزّ يدين رأسه موافقاً: "أوافق على تلك الشروط. لكني لا استطيع فعل ذلك بنفسي. سأكون مشغولاً للغاية بالإشراف على العمال. إن حوّلت نظري عنهم للحظة واحدة فقط، شرعوا في التراخي. لا أستطيع دفعهم لمواصلة العمل بجد إن كنت أترصد خطراً طوال اليوم. لكني سأعين أحد العمال للمراقبة، وسيؤدي تلك المهمة."
تمتم كيفاموس: "همم... أعلم دوفاس بمن ستسلم النشاب إليه، ليتسنى له ترخيصه. بل اصحبه إلى القصر كي يدربه الحراس على استخدامه. سيتوجب على ذلك العامل أيضاً إعادة النشاب إلى القصر كل مساء عند عودة المجموعة، وبمكانه أخذه مرة أخرى صباح اليوم التالي قبل المغادرة."
أومأ يدين: "هذا جيد. مع أني لا أظن أن رجالي يعرفون حتى كيف يستخدمون الرماح..."
"تعرف ماذا، أضرِم العمال جميعاً إلى القصر في المساء. سنرّق رمحاً لكل منهم، وسنختار من يستخدِمُه بناءً على القادرين على اتباع التعليمات على نحو سليم. لا جدوى من إئتمان شخص برمح إن عجز حتى عن غرسه في الأرض بالشكل المطلوب وقت الحاجة."
ونظر إلى القائد.
"هودان. وكل الأمر لتيسيب أو كيريل. سيكون نيسر أفظع بكثير من أن يتحمله المدنيون."
نفخ دوفاس مستنكراً: "سيفر العمال وحسب حين يشرع بالصراخ في وجوههم. إنه مرعب كأدزي حتى بالنسبة لحراسنا."
ضحك هودان بخفة: "حقاً. لا تقلق، سأعتني بالأمر."
"جيد."
عاد كيفاموس بنظره إلى المقاول.
"حسنًا، واصل عملك إذن. عمل ممتاز مع الخنادق."
ابتسم يدين باعتزاز.
"شكراً لك يا سيدي."
ثم انحنى انحناءة خفيفة، وهرول عائداً إلى عماله.