من لندن إلى اللورد الفصل 395 — مأزق - ٣

اقرأ من لندن إلى اللورد الفصل 395 — مأزق - ٣ باللغة العربية على مانجا تايم.

مضت نحو ساعة كاملة على انتظارهم، دون أي تغيير في الموقف. أبدى الفارس اهتماماً بالقوس النبّالة، وتمتم ببعض الكلمات عن اختلاف نظام التلقيم عما اعتاده، لكنه تبيّنه بسهولة وجرّبه بضع مرات على شجرة، متعجباً من سهولة إعادة التلقيم. كان الجميع، ما عدا الحارس المقتول والأصلع، يرتدون قمصانًا وسراويل، إذ لم يملك أحد منهم وقتاً لارتداء دروعه الجلدية في عجالة مطاردتها، بينما ارتدى الفارس رداءً أفضل جودة بكثير، دون درعه الصفيحيّ.

لم تكن هيولا متأكدة إن كان سيتمكن من ارتدائه أصلاً. لم تُربط ساقا هيولا، غالباً لأن الفارس كان واثقاً من عدم وجود مكان تهرب إليه، لا سيما مع التواء كاحلها، لكن يديها ظلتا مربوطتين بإحكام خلف ظهرها بحبل. جلس العبيد أيضاً بالقرب، بعد أن أمرهم الفارس، سيّدهم، بالبقاء، كي يرى الجميع عبرة ما يحدث لمن يقتل رجاله. لم يعد فيروي أيضاً، مما جعلها تتساءل إن كان قد قرر التخلي عنها.

لا، لن يفعل ذلك! أ حقاً...؟ لم يعد الحارس الثلاثة المُرسلون للبحث عن المرتزقة السابق أيضاً. بدأ الفارس العجوز يفقد صبرو، والتفت مراراً وتكراراً، منتظراً عودة حرّاسه. في النهاية، بدا وكأنه اكتفى. —أنت!— أشار نحو أحد الحارسين الباقيين. —اذهب وابحث عن أولئك الحمقى. كان مفروضاً أن يعودوا الآن إن عجزوا عن ايجاد الرجل الآخر. —حاضر، يا سيّدي— أومأ الحارس، وركض هو الآخر، ليبقى الفارس وحارس واحد فقط.

تساءلت هيولا للحظة إن كان بإمكانها مواجهتهما، قبل أن تطلق زفرة. حتى لو لم تكن يداها مربوطتين، ولو احتفظت بقوسها النبّالة، فلربما عجزت عن التغلب على الحارس وحدها. ولم يكن وحيداً أيضاً. ولّت أيام شباب الفارس منذ زمن بعيد، لكن جسمه، رغم بلوغه نحو الخمسين، بدا لائقاً بما يكفي، أقل أو أكثر، برغم بروز كرش صغير. لكن إن صدقت مزاعمه بالخدمة في حصن أراغوسا سابقاً، فربما استطاع شقها نصفين بسيفه الضخم بأقل جهد.

عرفت ذلك لأن شخصاً مثل قائد الحراس هودان لم يقدر على نيل رتبة فارس والخدمة في أراغوسا. لذا، فإن من خدم هناك لابد أنه كان بارعاً لدرجة مخيفة. حاول الفارس مراراً السؤال عن القوس النبّالة، لكنها لم تفصح له بشيء. لتمتنْ بفرح قبل أن تخون اللورد كيفاموس! وقررت الجلوس أيضاً بعد إدراكها أن الوقوف احتجاجاً لن يفعل شيئاً سوى إرهاقها. غير أن غاية أخرى أرادتها من الجلوس الآن.

حين جلست أخيراً هذه المرة، حرصت على مواجهة الجميع، مما يعني أن يديها كانتا خلفها وقريبتين من قدميها، وبالتحديد حذائيها، حيث اختبأ خنجرها الصغير المسنن. بعد صراع أولي للهرب في البداية، هدأت بعد أن صفعتها الفارس مجدداً، دافعة إياه للاعتقاد بأنها لن تحاول الهرب. وذاك يعني أن الفارس كان ينظر حوله منتظراً عودة الحراس الآخرين، بينما وقف الحارس الأخير بكسل يتثاءب. كانت تلك كل الفرصة التي تحتاجها.

سحبت الخنجر الرفيع برفق، وبدأت تقطع الحبل الرابط ليدَيها. وقبل طكول وقت طويل، لم يبقَ سوى خيوط قليلة فتوقفت عن القطع —كان بوسعها قطعها بسهولة بقوتها متى شاءت، لكن بنظرة سريعة ظلّت الحبال تبدو مربوطة. والان عليها فقط انتظار فرصة سانحة. التفتت إلى الآسرين الباقيين. قد تعجز عن قتل الرجلين معاً، لكنها علمت قدرتها على الفرار منهما، إذ وجب عليها التحرر قبل عودة الحراس الآخرين.

لم يكن الهرب سهلاً بكاحلها الملتوي، سيّما دون معرفة التضاريس المحلية، لكن لم يوجد خيار آخر. وجب عليها الإفلات قبل غروب القمر. رفعت بصرها، فرت القمر يقترب ببطء من سقف الحظيرة أمامها، والتي وقعت في الجانب الآخر من الفارس والحارس. لم يفصلها سوى ساعتين قبل أن يحل الظلام تماماً قرب منتصف الليل. الأفضل عدم الانتظار. كانت على وشك قطع الخيوط الأخيرة للحبل، حين لمحته، ظلاً في ضوء القمر، خلف الحظيرة مباشرة.

تجمدت، ظانة أن أحد الحارس قد عاد، لكن الشخص تحرك... بشكل مختلف. ضيّقت عينيها. أكان ذلك...؟ يا إلهول! إنه فيروي. استحال أن يكون سواه هائماً هناك في ذلك الوقت. لكن أين الحراس المحليون؟ استغرق عقلها لحظة لاستيعاب الأمر وكادت تمنع نفسها بصعوبة عن الضحك بصوت عالٍ. عرفت تماماً مكان أولئك الأذناب. مواجهة فيروي في الليل؟ حتى الملكة عجزت عن إنقاذهم لو أرادت. وهي لم ترد. وذاك يعني أن فيروي لابد أنه تعامل مع الحراس الثلاثة الأول على الأقل، ممن ذهبوا للبحث عنه، واحتمال الرابع الذي ذهب لإيجاد رفاقه.

يعني ذلك صصير الأمر اثنين ضد اثنين. رمقت الفارس بنظرة خلسة، وقد أدار ظهره لفيروي، فوجدت أنه لم يلاحظ المرتزق السابق. ونظر الحارس أيضاً إلى العبيد، بينما وقف فيروي على يساره. أدركت أن تلك فرصتها. قطعت الخيوط الأخيرة للحبل وحررت يديها، دون أية حركة أخرى. أمسكت الخنجر بيدها، منتظرة تحرك المرتزق السابق أولاً. لم تنتظر طويلاً. بدأ قلبها يخفق أسرع حين لاحظت فيروي يزحف مقترباً أكثر فأكثر من الحارس المراقب للعبيد.

قبل طويل وقت، وقف فيروي خلف اللعين مباشرة، غير المعلم بمدى قِصَر ما تبقى من حياته. لابد أن العبيد قد لاحظوا المرتزق السابق الآن، لكنهم، لحسن الحظ، أدركوا ما يجرى فبقوا صامتين. وقف فيروي ببطء بكامل طوله، وثبت يداً على فم الحارس، وشقّ رنحته. وكما توقعت، عجز الحارس عن إصدار أي صوت وهو يهوي إلى الأرض، لكن طفلاً راقبهم كاد يطلق صرخة قبل أن تغطي أنثى من العبيد فمه. اللعنة!

بدأ الفارس بالاستدارة مندهشاً، ودرت هيولا امتلاكها لحظات لتشتيت انتباهه. قفزت واقفة، دون ترك الحبل يسقط من يديها. —أتعلم، أيها العجوز؟ تباً لك!— ابتسمت بسخرية. —انتظر، أعتقد أنني قلتها بشكل خاطئ. أراهن أنك تعجز عن انتصابها الآن، أليس كذلك؟— التفت إليها الفارس مقطبًا وهو يقف. —أيتها اللعينة! ماذا قلت للتو؟— مشى نحوها بعبوس، وما زال سيفه في غمده، وصفعها مجدداً. بقوة. فقدت هيولا خنجرها من قوة الضربة وهي تسقط للأرض مجدداً.

اللعنة! تمكنت بطريقة ما من إبقاء يديها المحررتين خلفها، مع الحبل، حين انحنى الفارس منخفضاً، فوقها مباشرة. —سأريك تماماً ما أستطيع...— تركت هيولا الحبل ينزلق وأحضرت يديها إلى الأمام، وما زالت إحداهما تحمل الحبل، مفزعة الرجل الأكبر لبرهة. كانت تلك مدة كافية لتلقي الحبل حول عنق اللعين وتمسكه بيدها الأخرى. وفوراً، جذبته نحوها ونطحته برأسها على أنفه. بقوة. وثب الفارس إلى الوراء متألماً، قابضاً على أنفه النازف، بينما تخبطت هيولا لتنهض.

سحب الرجل الأكبر سيفه أخيراً. —أيها اللعين...— بالكاد فتح فمه حين اندفع جسمه إلى الأمام بقوة شيء أصابه قرب كتفيه. استدار الفارس فوراً ليرى من ضربه. رأت هيولا فيروي يرمي قوسه النبّالة جانباً وهو يركض نحوهما شاهراً سيفه. وإد