هزّ كيفاموس رأسه.
"ما بلغ تورهان ما بلغ غباءً. أمثاله لا يضعون البيض كله في سلة واحدة. الأرجح أنه وزّع مدخراته. خبّأ بعض الذهب في كلٍّ من دارهما—هذا إن لم تكن له دور أخرى—وبعضاً لدى مرابي في كيرنوس. هكذا إن عثر أحدهم على مخبأ وسرقه لا يُمسي مُعدماً. واثق أنا من أننا سنجد قدراً من الذهب على الأقل في تلك الدار حيث احتُجِز جوريك. لا نقدر على مهاجمة دار أخرى في الوقت عينه، وذهبه لدى المرابين خارج أيدينا، أما تلك الدار الأولى؟ أجل، سنقلبها رأساً على عقب لنجد كل نحاسية خبّأها فيها".
تمتم دوفاس: "أرجو أن تكون على حق...".
"لا تقلق. ثمة خطر في كل ما نفعل أو ندع، لكننا خططنا طويلاً لهذا. أعلم أن الأمور ستسير على ما يرام. لا بد من هذا...".
نظَرَ إليه دوفاس لبرهة قبل أن يومئ.
"أدعو لأجل هذا".
وقف.
"عليّ تفقد أمور أخرى في القصر، لذا أستأذن الآن".
نهض هودان عن كرسيه هو الآخر.
"سأمضي أبحث عن مزيد من المجنّدين. يلزمُني بلوغ هدف المئة حارس في غضون أيام لنبدأ تدريب الجميع".
قال كيفاموس: "امضِ إذن. وعليّ أنا العمل على مخطط هندسيّ".
ما إن غادر وكيل الأعمال والقائد حتى فتح النافذة، مُتأملاً ضوء الشمس الساطع لظهيرة أواخر الربيع. إن سارت الأمور على ما يرام فستمنح هذه الغارة المعاكسة القرية دفعة هائلة، بأشكال شتى. لم يبقَ الآن سوى الاستعداد لها جيداً.
* * *
~ هيولا ~ ~ مكان ما إلى شمال سينران ~
قرفص الحارس الأقرع قرب جثة رفيقه، ثم هزّ رأسه ببطء.
"مات ميتة لا رجعة فيها يا رئيس...".
أومأ الفارس العجوز للرجل وهو يواصل التمشي يمنة ويسرة عابساً. حدّقت إليه الحراس الأربعة—أنذال كلهم!—بينما وقفوا بالقرب، وبدا كل منهم مستعداً لفصل رأسها عن كتفيها. كانت هناك مجموعة من العبيد الخائفين تنكمش في الجانب الأيمن عند المزرعة حيث أُسِرت هيولا، بينما حاولت الأمهات إخفاء أطفالهن خلفهن، راجيات أن يغفل الحراس عنهم جميعاً. صاحب المزرعة، وهو فارس متقاعد أيضاً، كان يمسك النبال الذي أخذه منها وهو يمشي، مقلباً إياه من كل الجهات.
إذ حلّ الليل قبل ساعات، منح ضوء الهلال، إلى جانب الضوء المتطايح من مجمرة تشتعل في مكان ما، مظهراً مرعباً للفارس كلما التفت إليها. لم يكن يتجاوز الخمسين عاماً، لكن الندوب على يديه وجهه حكت قصة حياة قضاها والسيف في كدحه. اللعنة عليه! رُبطت يداه هيولا خلفها، بينما أخذ الأنذال أسلحتها كلها تقريباً، بما فيها النبال—النبال ذاته الذي أمسك به الفارس. الخنجر الصغير الذي أخفته في حذائها لا يزال معها، لكن لم تكن لها سبل ميسرة لبلوغه ويداه مقيدتان.
تبّاً! تبّاً لكل شيء! تبّاً لطباعها! ناول الفارس العجوز النبال—نبالها—لحارس آخر، وتوقف أخيراً أمامها.
"يا هاه... ماذا لدينا هنا؟".
لعنت عجزها عن كبح جماح طباعها. هذا ما أوقعها في المأزق. لقد بدأ كل شيء سيّداً للغاية أيضاً...
* * *
بعد أن غادرت هي وفيروي تيسيب ليقودا العبيد من المعسكر إلى القرية، واصل اثنوهما ركوب الخيل نحو الشمال. التفا حول سينران وقررا التوجه غرباً. كان الاتجاه شرقاً خطيراً للغاية — لا سيما إن اقتربا من تلال تولاسي — وأما الشمال فسيأتي وقته لاحقاً. كانا قد قتلا ذئبين في الطريق وأعدا الفرو للبيعة واحتفظا باللحم المدخن لاستخدامه لاحقاً. أصبحت أول مزرعة تصادفانهما أول محطة داخلية لهما في الرحلة بعد قضاء ليالٍ طوال في العراء منذ مغادرتهما تيرانات.
كان صاحب المزرعة سعيداً للغاية بشراء الفرو بسعر أقل من المتوسط الذي عرضاه لكي ينالا رضاه، وسمح لهما بحرارة بالبقاء في الحظيرة مع بقية العبيد. بالنظر إلى وجوه أولئك البشر المتعبة واليائسة، تذكرت الوقت الذي كانت فيه أمةً هي الأخرى، وجعلها ذلك فخورة بالمدى الذي قطعته. تعهدت ببذل قصارى جهدها لمساعدتهم — حتى لو تم ذلك بشكل غير مباشر فقط عبر إخبارهم عن تيرانات. كانت فقط تتمنى أن يجدوا الشجاعة والفرصة للهروب في المستقبل والقدوم إلى قريتها.
كانت الحياة رائعة هناك. ولم تكن تفكر في كالوبو في تلك اللحظة على الإطلاق. أبداً. حسناً... ربما قليلاً... بعد أن تناولا طعاماً مع بقية العبيد بعد غروب الشمس، أُغلقت الحظيرة من الخارج بمزلاج — على الأرجح لمنع العبيد من محاولة الهرب في الليل. لقد أرعبها ذلك لبرهة لكنه تبين في النهاية أنه فرصة جيدة. سأل فيروي عن قصص العبيد الذين يعيشون هناك، وبمجرد أن تأكد من عدم وجود جواسيس للحراس المحليين مختبئين بينهم، أطربهم بحكايات عن مكان يمكن للعبيد الهروب إليه والعيش فيه كأحرار وحرائر.
مكان يُعامل فيه العامة بشكل أفضل من أي مكان آخر في المملكة. مكان يضمن فيه السير أن يحصل الجميع على الطعام المأوى مهما كان الأمر. استمع الأطفال بعيون واسعة بينما لم يصدقهما معظم العبيد الأكبر سناً حقاً، لكن ذلك زرع بالتأكيد بعض بذور الشك في عقولهم. وحدها الأيام ستكشف ما إذا كانوا سيقررون الفرار إلى تيرانات في المستقبل. بعد أن جعلهم يحرصون على عدم التحدث عن الأمر لأحد، أعطى فيروي أيضاً بعضاً من مسحوق لوسوفيل لكل مريض أو مصاب، قائلاً إنه مجرد مثال صغير على مدى رأفة سيد تيرانات.
ذُهل الرجل الذي ضمّد جرحاً حديثاً في كتفه لرؤية التأثيرات السريعة، وصار بقية العبيد يسألونه مراراً وتكراراً عما إذا كان لا يشعر بأي ألم حقاً. ابتسم الرجل واضطر لتأكيد ذلك مرات عديدة قبل أن يصدقه الآخرون. في صباح اليوم التالي، غادرت هي وفيروي المزرعة — وكان العبيد يبتسمون لهما هذه المرة — وبلغا مزرعة أخرى بحلول الغسول. تكررت القصة ذاتها لأيام قليلة تالية — السفر طوال النهار ثم رواية القصص ومعالجة العبيد بمسحوق لوسوفيل ليلاً في أي مزرعة كانا ينزلان بها.
كادت عائلة من العبيد تعيش في مزرعة نائية تفقد الأمل في طفلها المريض، لكن فيروي ناولهم بضع جرعات من المسحوق مؤكداً لهما أن الطفل ستكون لديه فرصة أفضل بكثير الآن. حتى إن الجندي المرتزق السابق سلم بضع عملات نحاسية وبعضاً من لحمهم المدخن لأولئك العبيد الذين بدا وكأنهم على وشك الهلاك جوعاً. لم تكن تدري من أين حصل على تلك العملات، لكن ذلك العمل الخيري جعل العديد من أولئك العبيد يبدون وكأنهم مستعدون لتكريس أرواحهم له.
أخبرهم فيروي فقط بالصمود حتى يحصلوا على فرصة للهرب ثم التوجه جنوباً. لن تكون الرحلة سهلة، لكن إن تمكنا من بلوغها، ستتغير حياتهم بطريقة جذرية لا يمكنهم تخيلها. لم تكن تشك في أن بعض العبيد سيشرعون بالفعل في الوصول إلى تيرانات بحلول الوقت الذي يعودان فيه هما أنفسهما. قال فيروي إنه لم يكن من الجيد التباطؤ طويلاً في أي مكان، نظراً لأن اختفاء العبيد قد يُربط بهما وسيجعل المهمة أكثر صعوبة عليهما في المستقبل، لذا فبعد أسبوع، بدءا بالتحرك نحو شمال غرب سينران.
كانا قد قضيا اليومين الأخيرين في نشر الشاعات في بعض المزارع هناك، عندما قرر فيروي هذا الصباح الاتجاه شرقاً نحو نهر لوكير. لم يرغب في المخاطرة بالاقتراب أكثر من اللازم من كروكزيل في الوقت الحالي. كان ذلك اللقيط زوريكوس يدير عملية ضخمة للعبيد، وتقول الشاعات إن جميع الناس تقريباً في قريته والمزارع المحيطة بها هم عبيد، مما يعني أن السير يمكنه بسهولة سماع أمر شخص ينشر شاعات عن تيرانات إذا اقتربا كثيراً.
استمرا في التحرك شرقاً خلال النهار، وقبيل الغسول وجدا هذه المزرعة بعد رحلة طويلة. تقع هذه البقعة بين بعض الغابات في الغرب ومزارع كبرى في الشرق، وكانت أكثر عزلة بكثير من غيرها. لقد أثارت في نفسها شعوراً سيئاً حتى قبل أن تبلغا المزرعة. لم يكن لديهما أي شيء للمقايضة هذه المرة — فهما لم يعثرا على أي طرائد برية في الطريق طوال اليومين الماضيين لكونهما بعيدين جداً عن غابات الجنوب — لكن لسان فيروي المعسول نجح مع ذلك في منحهما ليلة للمبيت في الإسطبلات من الفارس المتقاعد الذي تملك المزرعة.
رأت هيولا العديد من العبيد هنا — تماماً مثل معظم المزارع الأخرى — لكن لسبب ما كان جلّ المحتجزين هنا من النساء كإماء. كان هناك بعض الرجال بالطبع، ولكن بدلاً من النسبة المعتادة المتساوية بين الجنسين، كان هناك أكثر من دزينة من الإماء هنا — بعضهن يعشن مع أطفالهن — مقارنة بثلاثة رجال فقط. بدا ذلك مريباً بعض الشيء لها، لكنها لم تعره تفكيراً يذكر في ذلك الوقت. كانت الإسطبلات التي خُصصت لهما تقع بجوار الحظيرة التي يعيش فيها العبيد مباشرة.
تتمثل خطة فيروي في انتظار استغراق الحراس في النوم قبل أن يدخلا الحظيرة من نافذة مفككة على الجانب الخارجي لاحظها، ثم الاندماج مع العبيد وإخبارهم عن تيرانات. لم يكونا قادرين على فعل ذلك بحضور أي حراس محليين، لكن لسبب ما ظل الرجلان اللذان جاءا لأداء النوبة عند غروب الشمس يحومان بالقرب من الحظيرة. بعد تناول الطعام مع جميع الحراس بضع ساعات بعد الغسول، تقاعد الفارس العجوز إلى مبنى خشبي على مسافة ما.
برؤية النظرات الخائفة التي ألقاها العبيد على الفارس، أرادت هيولا الذهاب والتحدث إليهم فوراً، لكن الجندي المرتزق السابق أخبرها أن الوقت لم يكن مناسباً. لقد أكد لها أنهما سيجريان حديثاً مع العبيد بالتأكيد قبل مغادرتهما، لكن هيولا لم ترغب في الانتظار. ومع ذلك، ومع بقاء الحارسنين يحومان بالقرب من الحظيرة حتى بعد تناول الطعام، لم تحصل أبداً على فرصة للتحدث مع العبيد.
بعد فترة من مراقبتهما، طلب منها فيروي الخلود للنوم، وأذعنت هيولا في النهاية، مستلقية على كومة من القش في الإسطبل وأغمضت عينيها. لكن النوم أبى أن يأتي. كان عقلها يتأرجح في مكان ما بين عالم الأحلام والعالم الحقيقي لبرهة، عندما سمعت أصوات جدال واحتجاج. استيقظت فوراً ولاحظت أن فيروي لم يكن له وجود في أي مكان. تخمينًا منها أنه ذهب لقضاء حاجته أو ما شابه، نهضت وقررت أنه من الأفضل لها تقصي ما يجري.
خرجت من الإسطبل باتجاه الحظيرة التي جاء منها الصوت، وما شهدته هناك بعث القشعريرة في أوصالها.