من لندن إلى اللورد الفصل 389 — المخربون

اقرأ من لندن إلى اللورد الفصل 389 — المخربون باللغة العربية على مانجا تايم.

قف كيفاموس على سطح القصر في الجهة الغربية يتأمّل ما يدور بالأسفل وإلى جواره دوفاس. كان ينتظر قدوم القائد ليبدآ التخطيط للانتقام. انتصف النهار وعلت شمس أواخر الربيع كبد السماء. اشتدت حرارة الجو يوماً بعد يوم وما هي إلا أوقات قصيرة ويصير الهواء رطباً ثقيلاً. بيد أن الوضع ظلّ محتملاً في الوقت الراهن. إلى يمينه كانت عربات تريفالو تُفرغ الواحدة تلو الأخرى بينما ينقل الخدم أكياس الحبوب والخضروات والبطاطس بمقارّ اليد إلى المخازن.

غادر التاجر صهوة جواده بالفعل واصطحب معه سائقي عربتين. وعلى اليسار جهة الجنوب انشغلت السيدة نيريدا بإحصاء الأكياس مدوّنة الأعداد في قصاصة ورقية صغيرة ورقة حقيقية. وما إن يستبينا تقديراً لعدد الأكياس اللازمة لتوفير ثلاث وجبات يومية لجميع المقيمين في مساكن الطويلة حتى يتولى بضع من الخدم نقل تلك الأكياس إلى المباني مستخدمين المقارّ. أرسل أيضاً السيدة هلغا لتتحاور مع الدفعة الأحدث من اللاجئين الواصلين بالأمس بغية الوقوف على احتياجاتهم من الدواء أو سبل المعونة الأخرى.

تجاوز عدد الواصلي ندفعة واحدة عشرين فرداً وهو أمر جلل غير أن رجال تلك الجماعة المقيمين هنا بالفعل هبّوا للمساعدة في دمج اللاجئين بحياتهم الجديدة. ومع انعدام الشواغر في المساكن أقيمت لهم خيام مؤقتة استندت إلى أععاب خشبية مستقيمة نسبياً تشكل دعامات مخروطية وغطاها قماش عتيق. لن يجدي النفع حال هطول المطر غير أن صفحة السماء بدت صافية تماماً في هذه الأيام. إن الحق يُقال لم تكن الحال بأفضل بكثير من ظروف معيشتهم في معسكر الغابة غير أن هذا الوضع سيظلّ مؤقتاً لا محالة.

يأتي هذا لأن بصره امتد فرأى تشييد المبنى السكني الطويل الثالث يجرى على قدم وساق هنا. دأب متدربو تانيوك وغيرهم من النجارين بجد واجتهاد وارتفعت أغلب الدعامات الطويلة للطابق الأرضي بالفعل لتتجاوز قامات الرجال الواقفين هناك بكثير. يعكفون في الوقت الراهن على تثبيت العوارض لإقامة السقف الذي سيشهد بناء طابق آخر فوقه. أفاد دوفاس كذلك بأن المنشرة الثالثة ستكتمل بحلول المساء على يد تانيوك وهو ما يعني بدء وصول الألواح المقطوعة حديثاً غداً من موقع السد على عربات تريفالو.

عقب ذلك يشرع النجار الأقرع في العمل على المطرقة الآلية بالطرف النائي للجدول. لاحظ ناظر القصر نظراته.

"ستعيننا العربات التي تركها تريفالو هنا كثيراً على إنجاز ذلك البناء قريباً".

قال كيفاموس: "نأمل ذلك حقاً... نحن بحاجة ماسة لمزيد من المساكن هنا الآن بعد أن شرع فيروي في بث الشائعات حتى في الشمال. لن يفتأ تدفق اللاجئين يتصاعد في الشهور المقبلة. على كل حال أتوصلتَ بأية مستجدات من دارورا اليوم؟"

أومأ دوفاس برأسه.

"سيوفر قوساً نشاباً آخر بحلول المساء. لكن ما سيعنيك أكثر هو جاهزية أول عرّادة غداً على الأرجح. إنه في المراحل النهائية لتجميعها لذا أظن أن بمقدورنا تجربتها بعد ظهر الغد".

ابتسم كيفاموس قائلًا: "أخيراً! ما إن ينتهي هذا حتى ندعه يصنع الأجزاء الخشبية لمزيد من العرّادات مع أننا سنضطر لإبلاغ سيدورون بإرجاء صنع الأجزاء المعدنية. وبما أن أفران التفحيم قرب الجدول تنفث دخانها في السماء بالفعل فسنحصل على الدفعة الأولى من الفولاذ خلال ما يزيد قليلاً على أسبوعين. وعليه أرى أن الأنسب صنع أجزاء العرّادة القادمة من الفولاذ. يساورني الشك حقاً في قدرة الأولى حتى على العمل بقطع حديدية".

هزّ دوفاس كتفيه قائلًا: "سنكتشف الأمر في غضون يومين على أي حال لنتمكن من تعديلها إن لزم الأمر. سيتيح هذا أيضاً لبعض الوقت الفراغ لسيدورون ليتدارك الطلبات المعتادة من المعاول والمرفاع وما شابه. ومع تزايد أعداد عمال المناجم مع كل دفعة جديدة من اللاجئين فإننا بحاجة ماسة لتلك الأدوات. لقد كرّس هو ومتدربوه طاقاتهم لصنع الأفران والقضبان الحديدية الخاصة بها مما جعلهم يتأخرون فيما يلزمهم تشكيله من أغراض أخرى. بدأ مخزون دارورا من القطع الحديدية لقواس النشاب ينفد كذلك لذا يمكننا استغلال الأسبوعين القادمين لتخزين تلك الأشياء بينما يعمل سيدورون بالفولاذ الذي سنحصل عليه تالياً".

أومأ كيفاموس.

"ما وضع المشروعات الأخرى؟"

استهل دوفاس حديثه بالقول: "سينتهي حفر الخندق في الجهة الأخيرة الجنوبية في غضون يومين أو ثلاثة أخرى. مع ذلك سيستغرق طلاء الجدران عشرة أيام على الأقل".

"أرسل مجموعة واحدة من الصيادين لاستطلاع درب جيد من هنا نحو مناجم الفحم ثم إلى السد ليتمكن الحفارون من شق طريق واسع هناك فور الفراغ من الخندق. لدينا طريق صالح بالفعل غير أنهم قد يكتشفون درباً أفضل ولا سيما عند اختراق منحدر التلال".

أردف دوفاس: "عاد فوج صيد صباح اليوم لذا سأبلغهم بالأمر ليباشروا الاستطلاع غداً. يكفيهم يوم أو يومان لهذا الغرض. وحينها يكون الحفارون متفرغين للعمل على الطريق. وعلاوة على ذلك ذكر بينوتو أن المساحة التي أخليناها بين الحقول الزراعية والغابة غير كافية. وهو يطلب مساحة فارغة إضافية هناك لتكون خطاً عازلاً للنيران. التمس أيضاً تسوير الحقول إن أمكن. ستمثل المحاصيل في غضون شهور مرعىً سهلاً لأي حيوانات لا سيما ليلاً حين يعجز طاقم مراقبة عن تغطية مساحة شاسعة كهذه".

انفتح باب السطح وأقبل هودان يليه كيريل وتيسيب. رفع كيفاموس إصبعاً مطالباً إياهم بالانتظار ريثما يتدبر ما تفوّه به دوفاس.

"ليس مجدياً إقامة أي سياج قبل الانتهاء من المبنيين السكنيين الثالث والرابع ومعسكر التلال المخصص لصنع الدواء. سيستغرق إنجاز ذلك برمته نحوشهر غير أننا سنستطيع بعدها الاستفادة من المناشار لقطع شيء يشبه سياجاً خشبياً مسنناً. كان الأجدر بنا استخدام الأسلاك الشائكة لهذا الغرض بيد أننا لا نستطيع توفير كل هذه الكمية من الحديد. ستكفي الأسياج الخشبية وحدها. مع أن ذلك لن يمنع المخربين..."

سأل دوفاس: "ماذا تقصد؟"

رمق كيفاموس الأفق البعيد.

"إن رأى زوريكوس أو أي شخص آخر كالتاجر الذي يجني أرباحاً طائلة من ارتفاع أسعار القمح حقولنا مكشوفة ودون حماية ومع علمهم بضعف قريتنا الدائم فيمكنهم إضرام النيران في المحاصيل لاسيما مع بلوغها مرحلة النضج وارتفاع حرارة الجو وجفافه. يستطيع شخص واحد تدمير كل محاصيلنا قبل أن نتمكن من فعل أي شيء. وسيكون الأمر كارثياً بالنسبة لنا".

تساءل هودان: "أأعين حراساً هناك عند نضج المحاصيل؟ مع أنني لا أعتقد امتلاكنا العدد الكافي من الرجال لتحقيق ذلك".

أجاب كيفاموس: "أدرك هذا... ولن يكون بناء أبراج المراقبة فكرة سديدة أيضاً إذ نعجز عن تشييد ما يكفي منها لتغطية المساحة الهائلة للمزارع وما زال بإمكان أحدهم بلوغ الحقول مستتراً بظلام الليل".

توقف قليلاً محاولاً تخمين ما قد يقترحه فيروي في هذا الموقف لتهبط الفكرة في ذهنه فوراً.

"تعلمون ماذا؟ أظنني أعلم ما يجب فعله. سنحتاج لتسيير دوريات حول حدود الحقول بحراسنا".

وأوضح قائلًا: "حين يتوفر لدينا عدد أكبر من الحراس سنشكل أفواج صيد إضافية ونخصص بضعة منها للدفاع عن الحقول فحسب. سيمكثون في الغابة المتاخمة للحقول طوال الوقت تقريباً ويتنقلون من مكان لآخر. وفي أوقات فراغهم يمكنهم القضاء على أي حيوانات تقصد التهام محاصيلنا سواء أكان ذلك نهاراً أم ليلاً وحال رؤيتهم لشخص غريب سيمكنهم القبض عليه بسهولة".

حكّ هودان ذقنه.

"تبدو الخطة جيدة بيد أن تلك الحقول مترامية الأخداس وتغطي مساحة تضاهي القرية أضعافاً مضاعفة وهي في توسع مستمر كل أسبوع. سيتطلب الأمر ثلاث أو أربع مجموعات على الأقل... اممم... لا في الحقيقة لا يلزمنا تكوين مجموعات من أربعة أفراد هنا. يمكننا وضعهم في أزواج بحيث يغطي كل زوج قطاعاً معيناً من حدود الحقول. بهذه الطريقة نضمن تغطيتها بيسر أكبر".

عقب كيفاموس: "تلك فكرة صديدة".

نظر إليه تيسيب.

"ما رأيك بالاستعانة بحارسات في أفواج الدوريات تلك؟ الغابة المجاورة للحقول أكثر أمناً من الأماكن التي يرتادها الصيادون عادة. لذا يستطيع فوج من امرأتين التعامل بسهولة مع أي حيوانات هائمة هناك خصوصاً إن تسلحن بقوس نشاب. وإن صادفن غرباء فيمكنهن إطلاق نفير البوق لطلب النجدة من الأفواج الأخرى. بل ويمكننا إرسال المدد من القرية إذ تلاصقنا المزارع مباشرة. بالطبع ينبغي وجود سيافين في الدوريات أيضاً إلا أن النساء قادرات على تحمل وزر النصيب الأكبر هنا".

ابتسم كيفاموس للحارس قوية البنية شاعرًا بالسرور لاقتراحه الأمر بنفسه مما يعني بدء نظرة الحراس للنساء كقرينات متكافئات.

"جيد. إنها لفكرة أفضل بكثير. أريد الشروع في تنفيذ هذا فوراً ولو على نطاق أصغر. هودان كم حارساً لدينا الآن؟"