كان صباح اليوم التالي. كفاموس جالس في قاعة الإقطاعية وترفالو يساوم دوفاس على الأسعار. هودان في الخارج. يتفقد خنادق الدفاع خارج الأسوار للتأكد من إتقان بنائها. تيسيب وحارس آخر واقفان قرب الزاوية في قاعة الإقطاعية. رفع تيفالو بصره بعد قليل.
"أظن أننا سنصل إلى اتفاق بهذا المعدل."
قال دوفاس ناظراً إلى كفاموس: "رائع. لقد حسمنا الأسعار يا سيّدي."
سأل كفاموس وقد بدأ القلق يدب في نفسه: "كم تبلغ؟"
ألقى دوفاس نظرة على الدفتر الصغير أمامه.
"كنا نمدّ له بمائة وثمانية وأربعين ذهباً قبل هذه الزيارة، وكل ما جلبَه اليوم يضيف مائة واثنين وثلاثين قطعة ذهبية أخرى، بمعدل خمسة أجزاء من الذهب وثمانية من الفضة لكل كيس قمح."
هتف كفاموس: "هذا يقترب من ستة أجزاء ذهبية للكيس الواحد! يصعب المرء أن يتخيل أن القمح كان يُباع بأقل من أربعة أجزاء ذهبية للكيس قبل عامين فقط. كم يبلغ مجموع أكياس القمح هذه؟"
أجاب دوفاس: "أحضر أحداً وخمسين كيس قمح، وتسعة أكياس خضروات، ويشمل ذلك الكثير من البطاطا لاستخدامها بذاراً. مع أنه لا يشتري أيّ فحم هذه المرة لسبب ما."
تنهد كفاموس: "ما زال الثمن باهظاً للغاية."
هز ترفالو كتفيه.
"لا يد لي في الأمر يا سيّدي. بعتُك القمح في المرة السابقة بخمسة أجزاء ذهبية وستة من الفضة للكيس، لكنني اشتريت هذه المرة كمية ضخمة على عجالة، ولم يكن أيّ تاجر مستعداً لبيعي بمثل هذه الكمية ما لم أدفع أكثر. اضطررت لاستغلال كل معارفي لأجل ذلك، لكنني نجحتُ على الأقل في ملء عرباتي كلها بالمؤن."
رد كفاموس: "أظن أنه لم يكن هناك سبيل آخر. إذن نحن مدينون لك بمجموع ستمائة وثمانين ذهباً، أليس كذلك؟"
أومأ ترفالو برأسه.
"هذا صحيح، وأعلم أنك لا تستطيع السداد ما لم تحصل على مال وفير بغتة. لكن لا بأس. أعلم أنك ستعوض ذلك وأكثر فور انطلاق طريق التجارة الجديد. مع أن هذا هو القرض الأخير الذي أمنحه لك، فقد نفد ما احتفظتُ به من مدخرات أيضاً. على أي حال، لا داعي لأن تقلق بشأن دفع أي فوائد على هذا المبلغ، تقديراً لعلاقتنا التجارية المستمرة."
ابتسم كفاموس ابتسامة خفيفة وقال: "شكراً لك على ذلك. إذن أنت مغادر إلى أولريجا غداً؟"
قال ترفالو: "الوقت لا يزال صباحاً، وإن عجِلتُ فسأبلغ محطتي الأولى عند نزل هيلجا قبل حلول الظلام، فالنهار يزداد طولاً الآن. لذا سأرحل خلال ساعة."
قطب كفاموس جبينه وقال: "ماذا تقصد خلال ساعة؟ مستحيل أن نفرغ عرباتك ونحمّلها بالفحم بهذه السرعة! انتظر، أنت لا تشتري فحمًا من الأساس هذه المرة. ثم إنك لو أخبرتنا بالأمر البارحة لجعلتُ الخدم ينهون المهمة طوال الليل، لكنه غير ممكن حقاً في الوقت الراهن. فضلاً عن أنني لا أظن أنك ستدرك نزل هيلجا حتى لو غادرت خلال ساعة."
ابتسم ترفالو باتساع.
"لا تقلق، أعلم أنه يستحيل بلوغ النزل القديم بقافلة بطيئة السير، لكنني أستطيع مطاردة الطريق على صهوة جواد بيسر. سأجتمع ببعض قبطان الشراع في سينران، وبعد أن أعقد اتفاقاً فسأستقل ذلك القارب من هناك إلى أولريجا. لذا لن أستطيع استخدام عرباتي حتى أعود بعد ثلاثة أو أربعة أسابيع إن جاز التعبير. وسيتعين عليّ كذلك أن أدفع لتاجر آخر ليحفظ عرباتي آمنة في مستودع بسينران إلى حين عودتي، وهو ما سيكلفني قطعا نقدية ثمينة. لذا قررتُ العودة صهوةً إلى سينران، يصحبني اثنان من السعاة حمايةً على خيولهما. لست بحاجة إلى أي من حراسك هذه المرة، إذ لا أود لفت الأنظار في أولريجا باصطحاب مجموعة كبيرة. إذن أنا أستودعك عرباتي كلها والسعاة الأربعة المتبقين ريثما أعود. أيمضى هذا معك يا صاح؟"
ألقى كفاموس نظرة سريعة على كبير الخدم. حتى لو كان الأمر مؤقتاً، فإن الحصول على ست عربات إضافية في القرية سيساعدهم كثيراً. أعاد نظره إلى التاجر الشاب.
"ليست مشكلة قط يا ترفالو!"
ابتسم التاجر: "مقابل إطعام سعاتي وإيوائهم، يمكنك استخدام العربات كيفما شئت. فقط احرص على ألا تنكسر أو ما شابه. رجالي أهل ثقة، وأنا أعرفهم منذ سنوات، فلا داعي للقلق بشأنهم في شيء."
هز كفاموس وجهه ممتسماً: "لا تقلق، سنتكفل بإيواء سعَاتِك وإطعامهم. لكن هل يكفي أسبوع ثلاثة؟ فحتى على ظهر حصان، سيستغرق وصولك إلى سينران نحو ثلاثة أيام، بما فيها اليوم. ويوم آخر أو يوماً لتجد قبطان شراع جيد وتستأجر سفينته، ثم رحلة ذهاب وعودة لأسابيع أربعة، فضلاً عن أيام أخرى في أولريجا لعقد صفقة لبيع الفحم وشراء القمح هناك. ثم ثلاثة أيام أخرى للعودة إلى هنا على حصان. همم... أظن أن خطة أسابيع أربعة ستبدي نفعاً أكبر. فقط احرص على إعلام تاجر أولريجا بأننا سنحتاج وقتاً لنشرع في إنتاج ما يكفي من الفحم. يعني ذلك أن مبيعاتنا ستكون أقل في الشهور الأولى، ثم ترتفع ببطء في الشهور القادمة."
رد ترفالو: "بالتأكيد. أعلم أنه يستحيل مضاعفة إنتاجكم من الفحم بين عشية وضحاها. فهل تريد مني استئجار عربات إضافية حين أعود من سينران؟ لدي ست عربات خاصة بي، لكننا خططنا لنقل عشر حمولات من عربات الفحم إلى أولريجا، ومعها ثلاث أخرى إلى سينران، كل أسبوع."
فكر كفاموس في الأمر لبرهة.
"أظن أن عرباتك الست ستكفي في البداية. لذا عوضاً عن استئجار تلك العربات كلها فوراً، يمكنك ببساطة استئجار عربة إضافية متى احتياجنا إليها، مع ازدياد إنتاجنا من الفحم. ستسافر إلى سينران أسبوعياً على أي حال."
قال ترفالو وهو يهم بالوقوف: "يبدو ذلك منطقياً. حسناً، سأذهب لتناول طعام ما في حانة القرية، ثم نتحرك. لابد أن أقول، بعد إزالة تلك الأكواخ والأكواخ المحروقة أخيراً، تبدو القرية خاوية للغاية، لكنها ما زالت أفضل حالاً. ورأيت الخنادق وبعض أعمال البناء في الشمال حين قدمت البارحة."
أوضح كفاموس: "أوه، تلك هي كتلة البيت الطويل الثالثة التي نبنيها. ستكون من طابقين هذه المرة. وينبغي أن تكتمل بحلول عودتك، ليتسنى لك رؤيتها آنذاك."
ابتسم ترفالو.
"أكاد أهلك شوقاً لرؤيتها."
ثم حنى رأسه بخفة وغادر. نظر كفاموس إلى دوفاس بابتسامة عريضة.
"ست عربات إضافية، هاه؟"
ابتسم دوفاس بدوره: "سأشركها في العمل فور الانتهاء من إفراغ الأكياس. سيسمح لنا هذا بنقل المزيد من الفحم من المناجم، والمزيد من مواد البناء عائدة من المنشرة. وبمساعدة هذه العربات، أظن أن بناء الكتلة الجديدة سيتسارع أيّاماً."
قال كفاموس: "ممتاز! لقد أعلنا بالفعل عن ثلاث وجبات يومياً بدءاً من اليوم. لذا احرص على توزيع كمية الحبوب المطلوبة على كتل البيت الطويل."
أجاب كبير الخدم: "لقد رتبت الأمر بالفعل. سأخبر السيدة نريدا أنه بإمكانها الاستعانة بمزيد من الخادمات وحتى بعض عمال القرية، إن لزم الأمر، لزرع البطاطا الجديدة التي جلبناها اليوم في حقول الخضروات جنوب القرية. أمتأكد أنك لا تريد استخدام المحصول الأول فوراً؟"
أومأ كفاموس برأسه.
"سيستغرق نضوجها ثلاثة إلى أربعة أشهر، لكنني أظن أننا لن نعاني من نقص حقيقي في الغذاء في ذلك الوقت، افتراضاً أن الأمور ستسير على ما يرام مع طريق التجارة الأولريجي. وبهذه الطريقة سنحصد أيضاً محصول بطاطا جديداً يفوق بخمسة أضعاف على الأقل البطاطا التي نزرعها. لذا سنعيد زراعتها بعد ذلك في حقول جديدة متسعة خارج أسوار القرية، إذ ستكون مساحات أكبر من الغابات قد أزيلت حينئذ. وينبغي أن يستوي حصص القمح بينما ينضج محصول البطاطا الثاني، فلن نعاني من أي نقص في الطعام طوال تلك المدة أيضاً. وسينضج محصول البطاطا الثاني مع انقضاء الشتاء، ليمنحنا خمسة أضعاف أخرى على الأقل مما زرعناه، وربما أكثر من ذلك بكثير. هذا تماماً حين سنحتاج إلى كل سعرة حرارية يمكننا الحصول عليها. وحينها سيكون عدد سكاننا أكثر ارتفاعاً، لذا سيساعدنا ذلك المحصول كثيراً. سنحتفظ بأجود بطاطا شتوية لتكون بذاراً لجولة البذر التالية، فالشتاء القارس البارد سيقتل أي آفات. ثم نعيد زراعتها مطلع الربيع مع محصول القمح للموسم القادم."
تمتم دوفاس: "همم... إذن سيكونان محصولين متتالين وسريعين لهذا العام، ثم محصولين سليمين للبطاطا الصيفية والشتوية بدءاً من العام المقبل، ليتخلل ذلك شهران بور بينهما. أظن أن هذا سيجدي نفعاً أفضل."
أومأ كفاموس برأسه: "سنناوب الحقول بدءاً من العام المقبل كذلك، فنزرع البطاطا في منطقة جديدة، ثم نبذر القمح حيث سنزرع البطاطا في الشتاء، ونزرع فاصوليا ليوا حيث زرعنا القمح الآن، ونترك ربعاً آخر من الحقول خاوياً. على أي حال، بينوتو مزارع خبير. سيتكفل بالتفاصيل. لكننا يجب أن نتمكن بدءاً من العام المقبل من الانتقال إلى دورة زراعية رباعية الحقول. ستكون شديدة الأهمية للقرية على المدى البعيد."
وقف دوفاس قائلاً: "حسناً، يجدر بي الذهاب والتكفل بإرسال العربات حيث تُحتاج."
قال كفاموس: "امض في طريقك. لقد طلبتُ من هودان وتيسيب وكيريل المجيء إلى هنا نحو الظهر لنتمكن من الحديث عن غارة الانتقام تلك. كن في الموعد."