زمّ تيسيب شفتيه.
وقال: "إنهم عبيد يا سيّدي. عبيد هاربون. فرّوا من المزارع الشتاء الماضي. كانت مجموعتهم تضم أكثر من خمسين فرداً لأنهم خططوا للفرار طوال أشهر وانضمّوا إلى عبيد من مزارع مجاورة أخرى أثناء الهرب. لم ينجُ بعض الأطفال وبعض العجائز من رحلة الهرب القاسية التي استغرقت أسابيع حتى وجدوا فسحة مناسبة وأقاموا معسكراً. ضاع المزيد منهم في الشتاء... لا أستطيع حتى تخيل كيف نجا بقية الشتاء القارص في تلك الأكواخ المخروطية المصنوعة من الأغصان والتي سمّوها بيوتاً. فقدوا أيضاً معظم المؤن التي سرقوها من أسيادهم أثناء المطاردة ولم يحصلوا بالكاد على شيء للأكل في الغابة".
أبقض كيفاموس قبضتيه متأثراً بما واجهوه من قسوة.
تابع تيسيب: "لهذا بلغ بهم اليأس مبلغاً دفع رجالهم لمهاجمتنا قبل بضعة أسابيع. لقد سمعوا شاعات قبل هروبهم عن أن تيرانات مكان يسهل نهبه. بقي بعض رجال من مجموعتهم أيضاً عندما فرّوا لإلهاء حراس أسياد العبيد الذين طاردوهم على أمل اللحاق ببقية رفاقهم لاحقاً. نجح واحد فقط في العودة. أما البقية..."
وتجهّم.
"فقد قُتلوا على الأرجح. أو ما هو أسوأ. وغالباً ما تكون عقوبة العبيد القبض عليهم هي الكثير من الجلد ثم بتر الأطراف ليكونوا عبرة للآخرين".
زمجر هودان: "تباً لهؤلاء الأوغاد. قطع أيدي العامة بعد تقييدهم. ليواجهوا شخصاً مثلي في قتال فردي إن تجرؤوا!"
أضاف تيسيب بصوت مسطح: "الأمر يزداد سوءاً. عرفت منهم أن حياة العبد العاجز قصيرة جداً وبائسة في المكان الذي أتوا منه. وإذ يدركون أنهم لن يعودوا نافعين للعمل اليدوي فإن أسيادهم يأخذونهم غالباً إلى كروكزيل ويزجون بالعبيد العاجزين أو المبتورين في قتال حتى الموت بعضهم ضد بعض. ويدّعي الأسياد أن من يموت نال ما يستحقه لفراره وأن من ينجو يكسب حق العيش لفترة أطول قليلة. حتى القتال التالي على أي حال".
بصق دوفاس: "اللعنة على أولئك الأوغاد!"
التفت إليه كيفاموس متفاجئاً. لقد رأى دوفاس منزعجاً من قبل ولكنها المرة الأولى التي يسمعه يشتم بصوت عالٍ. وحاول كبح غضبه وهما يواصلان السير جنوباً باتجاه القصر. لم يكن القرويون بحاجة لرؤيته ينفجر في العلن.
"أي شيء آخر يستحق الذكر؟"
أومأ تيسيب.
"هاجم قريتنا أكثر من عشرة من رجالهم في ذلك الوقت فقتلنا بعضهم وأسرنا البقية. وهذا يعني أنه لم يبقَ في المعسكر سوى عدد قليل من الشبان لحماية الجميع من اللصوص أو الوحوش. لم تجدهم أي جماعة لصوص لحسن الحظ ولكن هاجمهم خنزير بري قبل بضعة أيام. بالكاد نجا صراه مراهق. واضطر فيروي إلى استخدام الكثير من مسحوق اللوسوفيل الذي أحضره فقط لإبقائه حياً".
كرّر كيفاموس بتفاجؤ: "فيروي؟ كيف كان هناك؟"
استرخى تعبير وجه تيسيب قليلاً.
"آه، لحسن الحظ التقى بنا هو وهيولا عند نقطة الاستراحة الثانية في الطريق إلى سينران في اليوم الي يسبق ذهابي إلى المعسكر. لذا جاء معنا واستخدم الدواء المسحوق لمساعدة أي شخص مصاب أو مريض. وكان عليه مع ذلك توفير معظمه لأنه كان عليه مواصلة... مهمتك".
قال دوفاس بوجه مغموم: "كان يجب أن نعطيه المزيد من المسحوق. لقد طلبت مني ذلك ولكني كنت أفكّر في التكلفة وحدها!"
قال كيفاموس: "لا تقلق. سيعود في غضون أسبوع بمزيد من المعلومات حول ما نحتاج إلى فعله لجلب المزيد من العبيد إلى هنا. يمكننا إعطاؤه المزيد من الدواء في المرة القادمة. وهذا يذكرني يا دوفاس، أرسل شخصاً إلى الوافدين الجدد بمزيد من الدواء بمجرد أن نصل إلى القصر. قد يحتاج ذلك الصبي المصاب وآخرون غيره إلى المزيد منه".
بعد أن أومأ مدير المنازل نظر إلى هودان.
"أعتقد أنه كان خطأً أننا قتلنا الرجال الذين هاجمونا. لقد كانوا مجرد عبيد يائسين أرادوا فقط إطعام عائلاتهم..."
أطلق هودان نفَساً.
"أي خيار آخر كان لدينا في ذلك الوقت؟ في تلك الليلة ظنّ الجميع أن جماعة تورهان هي من تهاجمنا. لقد أسرنا البقية أحياءً؛ أولئك الذين استسلموا ولكن لم تكن هناك طريقة آمنة لحماية أي أشخاص هاجموا بواباتنا. نادراً ما تبقي سهام النماص شخصاً على قيد الحياة ما لم يكن عملاقاً مثلما كان نوكوزال".
قال كيفاموس بهدوء: "أعلم".
لم يستطع استدعاء مسدسات الصدمات الكهربائية إلى هذا العالم ليجعل الأمر أسهل.
"مع ذلك أعتقد أنه يجب أن نبذل جهداً أكبر لأخذ الناس أحياءً متى استطعنا حتى لو كانوا يهاجموننا ما لم يكن واضحاً أنها جماعة لصوص. وإلا فقد يكونون عبيداً مثل هؤلاء الناس دفعهم الجوع إلى ذلك. قتلهم ليس الحل الأفضل لأي أحد".
قال هودان: "حسناً أنا أوافقك الرأي ولكن مثل هذا الأمر لن يتكرر غالباً. تلك الشائعات القديمة حول كون تيرانات هدفاً سهلاً يمكن لتورهان ضربه دون عناء ستكون قد تلاشت بالفعل. وسرعان ما ستكون الشائعة الأخيرة هي أنك لا تلمس تيرانات إذا كنت تثمن حياتك وتريد الاستمرار في التنفس. وحتى لو جاء بعض العبيد اليائسين مرة أخرى لنهبنا فسيتوقفون غالباً عندما يرون أبراج المراقبة والجدران الخاصة بنا. إنه لا يشبه أبداً أسوار سينران الحجرية ولكنه بالتأكيد يكفي لجعل معظمهم يعيد التفكير".
قال كيفاموس: "لنأمل ذلك..."
التفت إلى تيسيب.
"أتعرف المزرعة التي هرب منها هؤلاء الناس؟"
قال تيسيب: "ليس مكاناً واحداً بل عمل معظمهم في مزارع مختلفة قرب كروكزيل. وجدوا ببطء عبيداً آخرين يشاطرونهم الرأي وخططوا للهروب معاً".
كرّر كيفاموس: "كروكزيل..."
وهو يفكر أين سمعها. بدا الاسم مألوفاً بطريقة أزعجته.
"أأخبر العبيد الكثير عنه؟"
قال تيسيب: "ليس تماماً ولكنهم غالباً ما أشاروا إليه باعتباره قرية العبيد نظراً لأن كل الناس تقريباّ الذين يعيشون في كروكزيل هم عبيد لأحد ما".
قطب كيفاموس حاجبيه وهو يحاول جاهداً تذكر أين رأى ذلك الاسم.
"أين سمعت ذلك الاسم؟"
قال دوفاس: "أعتقد أنك لابد رأيته على الخريطة التي أحضرها بيداسو. إنها تقع شمال غرب سينران. إنها البارونية التي يحكمها زوريكوس".
بصق كيفاموس: "بالتأكيد إنها قرية زوريكوس! كيف يعقل أن أي شيء فظيع أو غير إنساني يحدث في هذه المنطقة من ريسلينور مرتبط بذلك الوغد زوريكوس بطريقة أو بأخرى؟"
تحدث دوفاس بصوت خفيض: "إنه قوي جداً... إنه أغنى بكثير من الكونت وله مصالح تجارية في كل مكان في هذه المنطقة. وهذا يعني أن تجارة العبيد المستمرة هي أمر متوقع منه لا محالة".
قال كيفاموس بغضب: "ليس الأمر كأنه يتاجر بالعبيد فقط... إنه يبتر أطراف رجال ونساء أصحاء تماماً لمجرد أنهم أرادوا التحرر من طغيانه. أصحاب المزارع في أراضيه ينظمون قتالاً للكلاب -أعني للناس- فيما بينهم! لقد فقد هؤلاء الناس أي إنسانية بقيت فيهم إن كانت لديهم أصلاً..."
قال دوفاس: "ليس هذا بالأمر النادر يا سيّدي. تنظيم قتال بشري في الحلبات ليس شيئاً يُسمح به رسمياً قط ولكن مثل هذه الأمور تحدث كثيراً في العالم السفلي بعيداً عن أعين السلطات. ولكن إذا كانت السلطات هي من تنظمها..."
توقف كيفاموس عن السير وهما يقتربان من بوابات القصر: "أي خطأ ارتكبه هؤلاء الناس، هاه؟ لمجرد أنهم وُلِدوا في أراضي نبيل جشعه أسوأ من شيطان فإنهم ملعونون بأن يعيشوا حياة لا تستحق العيش. كيف يجد هؤلاء الناس الحافز أصلاً للاستيقاظ كل صباح لمجرد التطلع إلى يوم آخر من هذا الوجود الفظيع... لا أستطيع حتى تخيل..."
تمتم تيسيب: "إنهم لا يفعلون... ليس دائماً. وجدت أن بعض أفراد عائلات هؤلاء اللاجئين قد انتحروا خجلاً أو بعد فقدان كل أمل وعندها عزم البقّة على أنهم لا يستطيعون الاستمرار في العيش هناك. وقرروا أن الموت أثناء الهرب أفضل من عيش ذلك الوجود القاتم".
للحظة اعتقد كيفاموس أن هذه هي اللحظة المثالية لجمع كل حراسه وإحراق تلك القرية حتى الاساس. لقد كانت وصمة عار على الإنسانية. لكنه ببساطة لم يمتلك القوة لتجربة أمر كهذا ضد أقوى بارون في هذه المنطقة. ليس الآن على الأقل. لكن سيأتي يوم لحسابه... أغلق عينيه وأخذ بضعة أنفاس عميقة لتهدئة نفسه. ولما تأكد من أنه لن يبدأ بلعن كل من حوله نظر إلى دوفاس والآخرين.
"لا يمكن لهذا أن يستمر. لن أسمح بذلك. حتى الآن كنا نستدرج بسلبية العبيد الهارين بالفعل إلى تيرانات فقط للحصول على المزيد من العمال للقرية. ولكن في كل مرة أسمع فيها المزيد عن حياتهم أكتشف مدى فظاعة وضعهم. لا يمكننا السماح لهذا بالاستمرار... أعتقد أن الوقت قد حان لأخذ دور أكثر نشاطاً في هذا من الآن فصاعداً".
قطب هودان حاجبيه.
"ما الذي تعنيه أصلاً بذلك؟ بالكاد نملك القوة لمقاومة غارة من جماعة لصوص كبيرة. لا يمكننا تحرير عبيد من قرية بأكملها حتى لو أردنا ذلك".
نظر كيفاموس حوله ملاحظاً الكثير من الناس يروحون ويجيئون عبر بوابات القصر ويسيرون بالجوار.
"هذا ليس المكان المناسب لمثل هذا النقاش. لننتقل إلى قاعة القصر. يا تيسيب، هناك خطة منفصلة ولكنها ذات صلة أعمل أنا وهودان وفيروي عليها منذ بضعة أسابيع. تلك خطة عاجلة"
-وخفض صوته مضيفاً- "وهي تتعلق بتوران وعبيده. نحتاج إلى إنجازها قبل انتهاء رحلة تريفالو إلى أولريجا نظراً لأننا سنحظى بالعديد من الحراس المتاحين حتى ذلك الحين. وبعد ذلك سيتعين علينا الاستمرار في توفير مرافقين للقوافل له لذا لن يكون ذلك ممكناً. لكننا سنتحدث عنها أكثر غداً عندما تأخذ قسطاً من الراحة. تبدو الآن ميتاً من الإرهاق بعد السير لأيام. لذا اذهب وتناول شيئاً وخذ بعض الراحة. وينطبق الشيء نفسه على الحراس الآخرين الذين جاءوا معك. لقد أديتم جميعاً عملاً جيداً بالتخلي عن مقاعد العربة للعبيد الأكبر سناً".
ابتسم تيسيب وأومأ برأسه قبل أن يتثاءب بصوت عالٍ. ضحك كيفاموس بخفة.
"أما البقية فاتبعوني".