إلى جانب الهدف الأساسي القاضي بتحسين دفاعات القرية، كان كيفاموس يضمر في المستقبل القريب أمراً آخر دفعَه إلى الأمر بأن يبحث هودان قريباً عن عشرة حراس إضافيين لتجنيدهم. لم يكن توظيف هذا العدد ممكناً في الماضي، لكن دوڤاس قدَّر قبل بضعة أيام أن عدد سكان القرية تجاوز الخمسمائة الآن، مقارنة بثلاثمائة فقط حين وصل كيفاموس الخريف الماضي. لذا صار بإمكانهم تعيين مزيد من الحراس دون الإضرار بإنتاج الفحم والمشاريع الأخرى بصورة بالغة.
غير أن دفع أجورهم جميعاً قصة أخرى تماماً، وسيتعين عليه معالجتها قريباً. نوى لاحقاً إجراء تعداد للقرية لإحصاء المهارات التي يمتلكها السكان بدقة ومعرفة تفاصيلهم الأساسية، بما في ذلك الأماكن التي هاجروا منها، لكن ذلك يتطلب طاقة بشرية هائلة، ولديهم الآن أولويات أهم بكثير. بلغ بوابات القصر بعد قليل، فصعد إلى صندوق العربة ليستقر جوار دوڤاس وهودان. جلس أربعة حراس آخرون في صندوق العربة، بينما جلس اثنان على مقعد السائق.
تسلح الجميع بالدروع والسيوف، ورُبطت رماحهم بجانب العربة بطريقة تسهل إخراجها عند الطوارئ. استعاروا أيضاً قوسين مركبين من أبراج المراقبة. كان المزيد أفضل، لكنهم ما زالوا يعانون من نقص فيها، ولم يشأ إضعاف دفاعات القرية أكثر أثناء غيابه بكل هذا العدد من الحراس.
قال أخيراً: "لننطلق".
أعاد هودان الأمر، فنفض السائق العنان لتندفع العربة إلى الأمام بهزة. انعطفوا يميناً فور تجاوز بوابات القصر، وما هي إلا لقطة حتى صاروا يمرون أمام كتل البيوت الطويلة. كانت المباني شبه خالية في ذلك الوقت، إذ خرج الرجال البالغون و أغلب النساء للعمل، بينما ذهب الأطفال أيضاً لجمع نشارة الخشب. لم يبقَ سوى الأطفال الصغار، والشيوخ الذين مكثوا هنا لرعايتهم، إلى جانب عدد قليل من الرجال والنساء الذين يطبخون للكتلة بأسرها.
رأى على الجانب الأيسر من الطريق مجموعة من الرجال يستعملون المجارف لحفر بئر جديدة، بينما كان عامل آخر يحمل الطين المستخرج في عربة يد ليستعمله في مكان آخر. بلغوا السور الشمالي بعد ذلك بوقت قصير واقتربوا من البوابة الشمالية الشرقية. استقام الحراس المناوبون حين رأوهم ودفعوا البوابات لتنفتح فوراً. تحركت العربة ببطء إلى الأمام، ورأى كيفاموس بارتياح أن الخندق الدفاعي الجديد قد اكتمل هنا بالفعل.
امتد بوضوح على جانبي البوابة وعبر السور الشمالي بأسره، عميقاً واسعاً ومبطناً بأوتاد حادة، ولم يترك سوى مساحة ضيقة من الطريق أمام البوابة. كانت طبقة الطين التي تغطي الجدران تسير بصورة جيدة أيضاً. بُلِّط برج المراقبة الأقرب بسماكة واضحة من الخارج، وارتدى نحو نصف السور الشمالي طبقة الطين نفسها. بعيداً عن كونها حلاً مثالياً، لكنها ستحد -حين تُنجز على جوانب القرية كافة- من احتمالات اشتعال النار في الجذوع إذا لجأت عصابة قطاع طرق أو المرتزقة إلى تلك الحيلة.
وعلى الطرف الشرقي من الأسوار، كان من السهل لمس رأس المساعد أيلين الأملع وهو يصرخ في وجه العمال، ملوحاً بذراعيه ليحثهم على العمل بجد أكبر في طلاء الجدران. واصلت العربة سيرها، وأحدثت عجلاتها صريراً على امتداد الطريق الضيق خارج البوابة وهم يمضون نحو السد.
سأل كيفاموس رئيس الخدم: "ما وضع الخنادق في الجهات الأخرى؟".
تحرك دوڤاس محاولاً إيجاد وضعية أريح على صندوق العربة المفروش بطبقة رقيقة من القماش الخشن: "التقدم جيد، رغم أننا خصصنا ثلث العمال لحفر آبار جديدة الآن. أنهى الحفارون الخندق أمام السورين الشمالي والغربي، وما يزيد على نصف الجهة الشرقية منجز. أظن أن الأمر سيتطلب عشرة أيام أخرى لإنجاز العمل بأكمله. غير أن طلاء الأسوار بالطين يسير ببطء. تجف التربة أسرع في الصباح مع ارتفاع حرارة الجو الآن، لذا يجب ترطيب الطين الذي يجلبه الحفارونببضعة دلّاوات من الماء من بئر المركز قبل استخدامه، وهو ما يبطئ العملية برمتها. يمكننا تخصيص مزيد من العمال هنا، لكن استخراج الفحم أهم بكثير الآن بعد أن صار التجار يترددون بانتظام أكبر".
أومأ كيفاموس برأسه ببطء. جاء تاجر آخر بالأمس واشترى ثلاث عربات محملة بالفحم منهم. إذا نجح تريڤالو في ترتيب مبيعات منتظمة في أولريجا خلال الأسابيع المقبلة، فسيتعين عليهم إنتاج كمية أكبر من الفحم. ساعد التدفق المستمر للاجئين والعبيد المحررين في ذلك، ولكن إلى حدٍّ معين فحسب. مُنحوا يوماً أو يومين للراحة والطعام قبل إرسالهم إلى المناجم، لكن الأعداد لم تكن كافية قط. احتاجوا إما إلى وصول المزيد من البشر للعمل عمالَ مناجم وإما أن يحسن طرائق استخراج الفحم.
دارت في خلده أفكار عدة، لكن مشاريع أخرى وجب إنجازها أولاً لأجل ذلك. بينما كانت العربة تئز متقدمة، رمق زوجاً من العمال يجران دلّاوات نحو كومة من الطين المحفور حديثاً، وغاصت حذاؤهما قليلاً في التربة الرطبة هناك. حُفِرت البئر الأولى بالقرب من المزارع، بينما حظيت الثانية بالأولوية في الجنوب الغربي، لكونها المكان الأبعد عن بئر القرية المركزية، مما يجعلها خطراً في حال نشوب حريق.
أُنجزت تلك البئر أيضاً بالأمس، وتحفر البئر الثالثة الآن أمام البيوت الطويلة، وهو ما رآه قبل مروره عبر البوابات. متى استعدت، سيحفرون بئرآ أخرى قرب البوابة الجنوبية الشرقية، والأخيرة في الشرق، حيث ستبنى ثكنة للحراس وميدان تدريب في المستقبل.
سأل: "هل نقل تانيوك جذوعاً جديدة إلى السد؟".
أومأ دوڤاس: "أخبرتُ إحدى فرَق نقل الجذوع بالبقاء قرب المزارع حيث لا يزال الغابة تُجتث. سيجلبون الجذوع الطازجة إلى داخل أسوار القرية من هناك. وستجر الفرقة الأخرى الجذوع الجافة نحو المنشرة بدءاً من اليوم. غادروا بالفعل في وقت مبكر من هذا الصباح ومعهم جذعان طويلان".
"جيد".
استمر الطريق شمالاً لفترة، قبل أن ينعطفوا شرقاً باتجاه التلال. تمايلت العربة واهتزت مع بدء ارتفاع الأرض، مما جعل كيفاموس يكبح ألمه بوعكة. سيشعر بتيبس لعدة ساعات بعد رحلة العربة هذه. رُدمت الحفر الجديدة، لكنه ظل بالكاد طريقاً. لم تكن رحلة مريحة دون حشو مناسب للجلوس على صندوق العربة. ما إن تُحفر الخنادق كلها حتى يضطر لتكليف الحفارون بقطع التلال وصنع طريق أفضل هنا. استغرقت الرحلة ما يزيد قليلاً على نصف ساعة لبلوغ مناجم الفحم، حيث جعل غبار الفحم مداخل الأنفاق وحتى التلال تبدو أداكن ممّا هي عليه.
ومضى ربعان آخران قبل أن يلمحوا المنعطف الأخير نحو السد. حين تجاوزوا المنعطف، وقف السد أمامهم على مسافة، متماسكاً عبر الجدول الضيق. تجمعت فرق صغيرة من العمال على ضفتي الجدول. على الضفة القريبة، كان تانيوك ومتدربوه يدفعون جذعاً في شق إطار المنشرة. وعلى الضفة البعيدة، كان رجال ونساء ينعمون جدران بنية طينية مرتفعة، وهي فرن التلدين الذي يحتاجه سيدورون لصنع الفولاذ. بدا البناء وكأنه قد أوشك على الانتمال.
متى جف تماماً بحلول اليوم التالي، سيخبزونه ليصبح صلبأ ويبدؤوا في بناء فرن ثانٍ لصنع فحم الكوك على مسافة ما. حين اقتربت عربتهم من المنشرة، أبطأ السائق حتى توقف. قفز الحراس إلى الأرض، وهم يمرنون أكتافهم ويلتفتون حولهم. خطا كيفاموس على الأرض المدكوكة، ولاحظ عربة نقل الجذوع بعجلاتها الضخمة يديرها طاقمها لتتجه من جديد نحو القرية سعياً وراء حمولة أخرى من الجذوع. مشى باتجاه المنشرة.
استقام تانيوك وانحنى له باحترام: "إنه جاهز، سيّدي. لقد اختبرناه بالفعل، لكننا انتظرناك لتدشينه رسمياً".
ترك كيفاموس نظراته تتجول على تركيب المنشرة. كان التصميم شديد البساطة عند النظر إليه ككل. ترابط ترسان خشبيان كبيران، محيطان بالحديد، دولاب الماء بمحور خشبي طويل مصنوع من جذع فيداروس طويل ومقشر على وجه الخصوص. لم يقدروا على تحمل تكلفة تروس حديدية كاملة بهذا الحجم بعد، فظل الهيكل خشبيّاً، بيد أن الحواف الحديدية ستمنع تآكلهما بسرعة مفرطة. امتد المحور الطويل من الدولاب صعوداً إلى الضفة، مستنداً إلى محامل بدائية، وهي سلسلة من الدعامات الخشبية على شكل حرف واي، وقد حُشيت كل منها بصفائح حديدية.
تحملت تلك الدعامات وزن المحور وتركت أعلاه مكشوفاً ليسهل تشحيمه. استقرت دعامة قريبة من دولاب الماء، وأخرى عند بداية ضفة الجدول، وثالثة أبعد إلى اليسار حيث تستوي الأرض. تفرش المحور أيضاً صفيحة حديدية رقيقة حيث يلتقي بالدعامات منعاً لتدهور الخشب بسرعة بالغة. تطلّب هذا الترتيب قدراً وافراً من الشحم، لكنه شيء يمكن للعمال تدبيره بيسر، كما وفر عليهم الكثير من الحديد اللازم لصنع محامل سليمة.
وعند الحاجة، أمكن استبدال المحور مستقبلاً دون عناء يذكر حين يبدأ بالضعف. وأفضل ما في الأمر أن خشب فيداروس لا يتعفن، حتى في ماء البحر. بالطبع لم يكن هذا خشباً مجففاً تماماً، لكنه ظل يجف لشهور عديدة. اختار تانيوك أيضاً أفضل الجذوع بين المخزونات في القرى لصنع هيكل المنشرة. ينبغي أن يصمد بسهولة لبضع سنوات على الأقل، وهذا يكفي للوقت الحالي. بالقرب من ضفة الجدول، تشابك ترس متين مثبت بالمحور مع ترس آخر مثبت بهيكل المنشرة.
أدار هذا الترس الثاني نصل المنشار الدائري. تطلب صنع ذلك النصل كمية كبيرة من الحديد، لكنه السبيل الوحيد لجعله متيناً بالقدر الكافي لقطع الجذوع الغليظة. بدا الترس المربوط بنصل المنشار أكبر من ذاك الموصول بالمحور، مما يعني أن النصل سيدور ببطء أكبر لكن بقوة أعظم، ومع عزم دوران يكفي تماماً لقضم أضخم الجذوع التي يمكنهم جرّها إلى هنا. ورغم تصنيع نصل المنشار الدائري من صفيحة حديدية متينة، فسيتعين استبداله وإصلاحه بانتظام.
في المستقبل، سيصنعون النصال من الفولاذ لتدوم لفترة أطول بكثير، لكن نصلين احتياطيين وُضعا في الجوار قريباً للآن، وجاهزان للتبديل حين يبهت النصل الأول أو يتصدع. سيعمل أحد متدربي سيدورون هنا بدوام كامل من الآن فصاعداً بصفتي حادَّ مناشير، يحافظ على الأسنان حادة ويغير النصال عند الحاجة، لئلا يهدر النجارون وقتاً ثميناً في القطع. وأخيراً، وُضعت عتلة متينة بجانب ترسي نصل المنشار.
متى سُحبت إلى الأسفل، ستزيح الترس الأوسط لتوقف النصل الدائري حتى لو واصل المحور دورانه. وبُنيت عتلة مشابهة لكن أكبر حجماً لترسي دولاب الماء ليتمكن العمال من فصل المحور عن دولاب الماء عند الفراغ من العمل قبل العودة إلى القرية كل مساء. أراد لاحقاً توفير إضاءة جيدة هنا وجعل المنشرة تعمل على مدار الساعة، لكن ذلك كان للمستقبل أيضاً. لم يبقَ سوى مشكلة نقل الجذوع الثقيلة، لذا وضع ذلك في الحسبان أيضاً ضمن هذا التصميم.
وتحت النصل، شكّلت صفوف من الأسطوانات الخشبية السميكة سرير الجذوع المراد جلبها للشق. ودفع زوج آخر من الترس على المحور تلك الأسطوانات. حين يُدحرج الجذع من عربة نقل الجذوع ليستقر على سرير الأسطوانات في الجانب الآخر من المحور الكبير، فإن الأسطوانات الددارة ستسحب الجذع إلى الأمام باتجاه نصل المنشار. حُمِلت الأسطوانات أيضاً في كتل أصغر حجماً على شكل حرف واي، تماماً كدعامات المحور الرئيسي.
لم تكن بالقطع مرنة كالمحامل المعدنية الحقيقية، لكنها شيء استطاعوا بناءه الآن، بالأدوات والمهارات المتاحة لديهم. ووجدت عتلة أخرى هنا لتعشيق أو فصل الأسطوانات عن المحور الطويل بتروسهما المخصصة لنقل الجذوع.
نظر كيفاموس إلى تانيوك بارتياح: "لنُجرِ تجربة".