من لندن إلى اللورد الفصل 369 — سينران - 1

اقرأ من لندن إلى اللورد الفصل 369 — سينران - 1 باللغة العربية على مانجا تايم.

~ تسيب ~ جلس تسيب إلى جوار تريفالو على العربة الأمامية، يرقب أسوار سينران الحجرية وهي تقترب من مقدمة القافلة. كان ذلك عصر اليوم الثالث منذ مغادرتهم تيرانات، وهم يبلغون في الموعد تماماً. في الخريف الماضي، وأثناء تلك الرحلات الطارئة المحمومة رفقة بيداسو، دفعوا الخيول بعنف حتى نجحوا في بلوغ سينران خلال يومين. لحسن الحظ، لم تكسر أيّ من خيولهم ساقه تلك المرة، أو محاور العربات، لكن ذلك لم يكن مضموناً البتة.

لذا فقد اتخذوا هذه المرة وتيرة أكثر اعتدالاً، تاركين العربات تصطك على الطريق بسرعتها المعتادة. ففي الشهور القادمة، تنتظرهم رحلات أطول كثيرة رفقة تريفالو، بعد كل شيء. تألفت القافلة من ست عربات، جميعها تملكها تريفالو. وضُمّ إلى التاجر وسوّاقه الستة ثمانية حراس —من ضمنهم تسيب— ليتحاشروا فوق العربات المحملة عن آخِرها، رفقة رجل من المخيم الذي وجب عليهم تحريره. بدا الأمر مزدحماً، لكن لوقت قصير فحسب.

متى جرى شراء القمح وتسليمه هذه المرة، وعاد تريفالو من رحلته إلى أولريجا بعد أسابيع قليلة، فسوف يسيرون بقافلة أضخم. حينها قد يبدو عدد الحراس الثمانية قليلاً للغاية. لكن تلك مشكلة لوقت لاحق. أثناء تأمله لأسوار سينران الحجرية المقتربة، ومضت في ذهنه خاطرة صغيرة. لا بد أن يوفيم يتمنى لو كان هنا. طالما تذمّر رغبةً في رؤية بلدة حقيقية أو مدينة، لكنه ظل يُبعث مراراً إلى التلال ليصطاد.

حتى في رحلات سينران ما قبل الشتاء، توجب عليه البقاء خارج أسوار البلدة لحماية العربات.

فكر تسيب باستمتاع: «إنه يتذمر مني الآن على الأرجح».

كانت الرحلة آمنة بمعظمها هذه المرة، بغض النظر عن هجوم خنزير بري في الطريق. اندفع زوج منها من بين الأحراش عند محطتهم الليلية الأولى، لكن الحراس كانوا على دراية بما يفعلونه هذه المرة. فرق شاسع بينها وبين المرة السابقة حين عجز معظم الحراس عن فعل شيء، وحين تجمد تسيب نفسه أمام الخنازير. مع ذلك، صار الحراس جميعاً مدربين جيداً بحلول الآن، وبعد تجربة قتال الأديزي، لم يعد الخنزير البسيط مرعباً بهذا القدر.

ارتدى سائقو العربات الستة سيوفاً قصيرة، برغم ما أبدته وجوههم المشدودة من قلة خبرة في استخدامها. لذا أمرهم تسيب بالبقاء في الخلف وحراسة تريفالو ورجل المخيم تحسباً لوجود خطر آخر هناك. وتقدم هو والحراس السبعة الآخرون، والرماح مشرعة. رغم ذلك، لم يكن قتل الخنازير أمراً هيناً. لو حظوا ببضعة أقواس نشّاب لساعد ذلك كثيراً في إيقاع الإصابات بالوحوش قبل اقترابها، لكنهم استطاعوا رغم ذلك قتل الخنزير الأول بلا مشقة تُذكر، إثر طعنة قوية من حراس اخترقت عنق الخنزير، قبل أن يُجهز عليه حارس آخر.

سقط الخنزير الثاني أسرع مع تركيز الثمانية جميعاً عليه. وما إن انتهى كل شيء، حتى نظفوا اللحم واستمتاعوا بوجبة دسمة بشويه فوق نار هادئة. وضع الطعام في القرية كان يتحسن، لكنهم ما زالوا عاجزين عن إهدار لحم خنزيرين كبيرين. تلقى الجميع نصيباً وافراً من اللحم ذلك المساء، برغم علم تسيب بأن الأمر ينطوي على مخاطرة. فأديزي جائع كان ليلتقط الرائحة. ورغم هذا، ومع وجود أربعة عشر مقاتلاً في صفوفهم —ثمانية حراس وستة من رجال العربات— فقد اعتقد قدرتهم على التعامل مع أديزي واحد.

لقد أطاحوا لتوّهم بخنزيرين كبيرين بسهولة، بعد كل شيء. لكنه أدرك متأخراً لعلها لم تكن سوى ثقة مفرطة تتحدث. فالأديزي الذي قاتلوه في القرية بدا طاعناً، وكان لديهم رماة ومناشيب وأسوار القرية إلى جانبهم. أدرك أنه لن يستطيع أبداً أن يغدو قائداً للحراس مثل فيروي أو القائد إن هو اقترف مثل هذه المخاطر غير الضرورية. لقد ائتمنه اللورد كيفاموس على قيادة القافلة بأمان في هذه الرحلة، ولن يخذلك، حتى لو ابتلي بعادة الثقة المفرطة.

مع ذلك، نجح الأمر هذه المرة، وإن علم أنه سيتعين عليه توخي الحذر الشديد مستقبلاً. لم يتسنَّ لهم سوى استهلاك جزء يسير من الخنزيرين، لكنهم امتلكوا رجالاً كُثراً ساهموا في تقطيع اللحم وتنظيفه، فقطّعوا البقية إلى شرائح رقيقة على مسافة بعيدة من المعسكر، ودخّنوها طوال الليل، وغادر كل رجل بحصص أيام قليلة، مما سيساعد في الحفاظ على حصصهم الأخرى للمستقبل. كما عثر على شيء آخر غريب.

فشابهة بالمرة السابقة، وقع هجوم الخنزير هذا أيضاً قرب نزل هيْلغا المغلق. ومع هجر النزل لنصف عام، لم يتوقف أيّ تجار هناك. وبانعدام البشر المقيمين هنا، عاد النزل ليندمج على الأرجح في الغابة، ويغدو منطقة نفوذ جديدة للخنازير. طلب إليه اللورد كيفاموس تفقد المنطقة، لذا اصطحب تسيب في ليلتهم الأولى بالمعسكر بضعة حراس ليتفقدوا حالتها. لقد عرف مسبقاً أنه لم يكن في حال جيدة حتى قبل الشتاء، لكنه رأى هذه المرة أن السقف قد انهار بالكامل تحت ثلوج الشتاء.

وحدها أجزاء من الجدران ظلت صامدة، بينما انفتح السقف على السماء. واستولت المتسلقات والأعشاب على كل شيء. حتى لافِتة النزل القديمة تشبكت فيها الكروم —برغم قدرته على قراءة الآن، بفضل دروس المعلم غورسازو. سيضطر لتقديم تقرير يفيد باستحالة عودة المكان ليصير نزلاً مجدداً. ليس دون إعادة إعمار كاملة. توقف العربة أعاد عقله إلى الحاضر. لقد بلغوا بوابات سينران. أوقف تريفالو عربتهم خلف طابور صغير من العربات وعربات التجار الأخرى المنتظرة للدخول.

* * *

كان الانتظار طويلاً، لكن دورهم حان أخيراً. رقَب تسيب التاجر وهو يناول رشوة لحراس البوابة، الذين تقبلوها جهاراً، بلا أي خجل. سخر في سرّه. القليل من القطع المعدنية، وكل شيء جائز الحدوث في بلدة كهذه! لا يزال الأمر يدفعه لتمني لو أن حراس الديار باتوا يتقاضون أجراً حقيقياً الآن، لكنه نحّى الفكرة جانباً. لم يشكّ قط في أن اللورد كيفاموس يبذل قصارى جهده من أجل القرية. إن لم تبدأ مدفوعات الأجور، فهذا يعني فحسب أن الشؤون المالية ما زالت ضيقة، ولعلهم لا يملكون قطعاً معدنية كافية للإهدار.

فعرض القمح بأسره الذي جاؤوا لشرائه سيشتريه الإقطاع آخِر المطاف. علم أن تجار القرية لا يزالون لا يشترون الكثير، ولا طاقة لهم بذلك، حتى تبدأ المدفوعات بالعملة. لكن لا بأس، فكل شيء آتٍ في أوانه. وحتى ذلك الحين، سيواصل أداء واجبه بأمانة. ما إن عبرت العربات الست من البوابة، حتى تحركوا بمحاذاة الشارع المرصوف نحو ساحة السوق. بدأت الجموع تثخن حولهم بالفعل —الباعة ينقلون بضائعهم إلى السوق، وحيوانات الجر تخور وتثغو، والعربات ترتجّ فوق الحجارة.

بعد غير كَثير، أوقف تريفالو العربة الأمامية وقفز نازلاً.

رماه تسيب بنظرة حائرة: «لماذا نتوقف هنا؟ السوق لا يزال في الأمام».

أشار تريفالو إلى مستودع ضخم خلف سياج قصير عن يسارهم: «تاجر الفحم الذي يملك هذا المكان معرفة قديمة. سأذهب وأقابله لعقد صفقة لأجل فاحنا، وسيتيح لنا أيضاً إبقاء عرباتنا هنا طوال الليل. سنمكث هنا الليلة».

رمى تسيب نظرة عبر السياج. كانت الأرضية في الداخل تراباً لا حجارة، وفي أحد الأركان طوت بئرٌ مكانها. وارتكنت بضع حزم مرتبة من القش بجوارها.

قال: «هذا يفي بالغرض. يمكننا سقي الخيول وإطعامها هناك، إن سمح بذلك. سننام تحت العربات كالمعتاد. تبدو الأرض طرية بما يكفي، بما أنها ليست مرصوفة بالحجارة أو ما شابه».

وعلى إثر ذلك، ترجل تسيب وأشار لبقية الحراس بفعل المثل.

حدق التاجر في المستودع لبرهة قبل أن يلتفت إليه مجدداً: «جيد. هذا عادة حيث يبقى سائقو عرباتي على أي حال. أعتاد حجز غرفة في نزل قريب، لكنني سأفوته هذه المرة وأمكث معكم جميعاً. لا جدوى من إضاعة الوقت —فالرحلة ستطول بالفعل أكثر من المعتاد، لذا يلزم أن أستيقظ مبكراً لعقد صفقات القمح. لذا فعلينا تفريغ الفحم قبل حلول الظلام، وبحلول عصر غد يتوجب علينا شراء ما يكفي من القمح للمغادرة. لن نقدر على السفر سوى لمسافة قصيرة غداً، لكن علينا بلوغ الغابة قبل حلول الليل. وفي اليوم التالي يمكنك أنت والحراس الذهاب مع ذلك الرجل إلى مخيمه لجلب أولئك العائلات. سيستغرق ذلك يوماً آخر. ثم نغادر أهبة تيرانات نهائياً».

مدّ تسيب ساقيه بعد الرحلة الطويلة، بينما واصل التاجر استعراض الجدول الزمني.

«ستهبط سرعتنا متى انضم إلينا هؤلاء القوم. عوضاً عن يومين إضافيين بمسير العربات، ستصير ثلاثة إلى أربعة أيام من السير. سيؤخر ذلك خطتي للعودة إلى هنا والبحث عن ربان سفينة راغب في إيجار قاربه...»

أبعد تريفالو الحديث برمشة من يده.

«على أي حال، الأولوية الأولى هي تفريغ هذا الفحم. بعد إتمام صفقة بشأنه، سأحاول لقاء بعض تجار الحبوب أيضاً وأرى إن استطعت عقد بضعة صفقات قبل الغسيل. لدينا الكثير من القمح لشرائه هذه المرة».

قال تسيب: «بالتأكيد. سأخبر الفتيان بمساعدة السوّاق. لكننا سنشعر بالجوع بعد ذلك».

ضحك تريفالو: «لا تقلق. ثمة حانة قريبة، تقدم طعاماً رخيصاً لكنه جيد. لا طاقة لي بأكثر من جرة جعة لكم جميعاً، نظراً لتعيننا الشروع في تحميل القمح رأساً من الصباح. سنترك بضعة رجال هنا لمراقبة العربات، ومنا من سيمضي لتناول الطعام. سنحضر ما يكفي من الطعام لمن يظلون هنا».

ابتسم تسيب ترقباً لتناول بعض الجعة بعد هذا الوقت الطويل.

«هذا مثالي تماماً. اذهب لتحدث تاجر الفحم الآن. سأوصل الخبر للفتيان لندخل العربات ونشرع في التفريغ».