أطلق تريفالو ضحكة قصيرة شابها التعب.
قال: "يكفيك سرعة خاطري بأن جئت بهذا القدر يا سيادة اللورد. علمت برغبتك في ملء العجلات كلها بالطعام، وسعيت لذلك بطبيعة الحال. غير أن شراء الحبوب بالجملة بات عسيراً في سينران هذه الأيام. حتى أظفر بهذه العجلات الأربع من القمح، اضطررت لاستنفاذ معارفي كلها، وطرق أبواب كل تجار الجملة في البلدة تقريباً، ومع ذلك عجزت عن ملء البقية. وفوق هذا كله، دفعت أثماناً باهظة للحصول على هذا القمح، ولهذا أقصى ما أستطيعه هو خمسة من الذهب وستة من الفضة لكيس القمح الواحد".
هتف كبير الخدم: "هذا جنون! لابد أن تمنحنا حسماً على ذلك!".
هز التاجر الشاب رأسه متمنعاً: "ليس بيدي مع الأسعار التي اشتريت بها. بالكاد أحقق أي ربح من هذه الصفقة على أي حال. وأحذرك مقدماً — فرغم أن الأسعار بلغت حداً لم تبلغه قط، يتوقع الجميع في سينران مزيداً من الارتفاع في أسعار الطعام قبل الحصاد القادم، لذا لا يرغب أي تاجر في بيع كميات كبيرة الآن".
عقد دوڤاس حاجبيه: "لماذا؟ لقد وُجد دائماً ما يكفي من الحبوب في سينران".
هز تريفالو كتفيه: "كان الأمر كذلك في السابق، أما الآن فلا، لا سيما مع مواسم الحصاد الرديئة في الأعوام الأخيرة. وعلاوة على ذلك، أليس مجيء أربع عجلات أكثر من كفايتكم بالنظر إلى ما جلبته في المرة السابقة؟ من المستغرب حقاً أن تشتري ضيعتكم كل شيء بأنفسكم بدلاً من الاكتفاء بتاجري القرية. يساورني الفضول حيال حاجتكم المفاجئة لكل هذه الكميات من القمح... لقد كنت المورد الرئيسي للحبوب في هذه القرية طوال سنوات، وأعلم أن تيرانات لم تكن تشتري أكثر من أربع أو خمس عجلات في الشهر قط. كنت أجلب أربعاً بنفسي عادة، ويتولى غيرهم جلب البقية. وإذا حسبنا عجلات القمح الثلاث التي أتيت بها سابقاً وهذه الأربع الآن، فهذا يتجاوز بكثير ما اعتديتم شراءه. ألا يفترض أن يكفيكم هذا طوال الشهر؟"
حافظ كيفاموس على جمود ملامحه، بينما كان عقله يطوف بعيداً. ورغم الحاجة الكبيرة للحبوب من أجل البذار، عجز عن إخبار تريفالو بالسبب الحقيقي — تزايد عدد السكان بفعل اللاجئين والعبيد السابقين ممن وفدوا في خفاء طوال الشتاء والربيع، وما زالوا يتوافدون كل أسبوع تقريباً — بعضهم برفقة عائلاتهم، وبعضهم فرّ وحيداً تاركاً خلفه أسياده. مع اقتراب عدد سكان القرية من خمسمائة نسمة إلا قليلاً، فقد زاد بواقع الثلث عما كان عليه قبيل الشتاء.
ومع ذلك، لم يكن يعرف تريفالو بالقدر نفسه من معرفته بيداسو، وأي حديث عن استقبال تيرانات للاجئين والعبيد المحررين قد يبلغ الآذن الخطأ في سينران إن انخرط التاجر الشاب في الثرثرة بشأنه. قد يجر ذلك عليهم شتى المشاكل، وهو لا يرغب في المجازفة.
قال كيفاموس بهدوء: "لأسبابي الخاصة، وأنت حر في البيع لتجار القرية كالمعتاد. لست أجبرك على البيع لنا وحدنا. لكنهم لا يملكون المال هذه الأيام، ولن أترك أهلي يعانون الجوع في انتظار أن يشتروا هم. لذا أنا أستخدم ذهبي الخاص لهذا الغرض".
صمت هنيهة، مفكراً في عذر مُرتجل يقنع التاجر بالكميات الأكبر: "الحقيقة أن عدد السكان هنا حُسب بأقل من حقيقته في الماضي. بالكاد تناول الناس وجبتين في اليوم، وعانى بعضهم الجوع كل شتاء لعدم توفر ما يكفي من الحبوب لإطعام الجميع. لعلّك سمعت بمثل هذا من قبل".
أومأ تريفالو ببطء: "سمعت بوقوع أمور مشابهة في كل قرية تقريباً خلال أشهر الشتاء".
قال كيفاموس: "حسناً، لا أريد لتلك الحال أن تتكرر أبداً. في أغلب الأيام، يتناول الناس ثلاث وجبات في تيرانات. أجرينا إحصاء دقيقاً مؤخراً، وبناءً عليه، سنحتاج إلى ست عجلات من القمح على الأقل كل الشهر عوضاً عن الأربع التي اعتمدناها سابقاً. وربما سبع. لقد جلبت مقداراً طيباً بالفعل، لكن إن استطعت إحضار المزيد فسأشتريه. وينبغي أن تعلم أن هذا ليس أمراً لمرة واحدة فحسب. ستجد هنا تجارة دائمة كل شهر".
فرك تريفالو مؤخرة عنقه: "لم أكن أعلم بذلك. لا أتصور كيف ستتحمل تكلفة كل هذا القمح شهرياً مع هذه الأسعار. لكن التجارة معاملات، وكل تجارة إضافية مرحب بها دائماً".
زفر مطولاً: "مع ذلك، لا أظن إمكانيتي لشراء هذا القدر من القمح لأجلك ممكنة حتى في سينران".
قطب كبير الخدم حاجبيه: "عَمَّ تتحدث؟"
هز التاجر كتفيه: "دعني أوضح السبب. حسب ما أعلم، تحتاج بلدة سينران إلى نحو خمس وثلاثين عجلة من الحبوب شهرياً لإطعام أهلها فقط. لذا يعمد تجار البلدة خلال موسم الحصاد إلى الشراء من المزارع المجاورة وتخزين ما يكفي في مستودعاتهم لبيع نحو خمسين عجلة شهرياً على مدار العام. يمنح هذا فائضاً بنحو خمس عشرة عجلة شهرياً لتجار مثلي كي يحملوها إلى الأماكن الأصغر — تيرانات، أو كيرنوس، أو غيرها من قرى التعدين التي لا تنتج ما يكفيها من الغذاء. سارت الأمور على ما يرام في الأعوام العادية".
هز تريفالو كتفيه: "لكنك تعلم أن موسمي الحصاد الأخيرين كانا سيئين للغاية. فقطع من القرى حول سينران — تلك التي اعتادت بيع فائض حبوبها — لم تنتج ما يكفي لإطعام نفسها في المرة الفائتة. لذا يحتفظ باروناتهم بحبوبهم لأنفسهم، وبدلاً من البيع لسينران، صاروا يشترون منها هذا العام. تلك هي المشكلة. الأماكن التي اعتادت رفد فائض البلدة باتت تأخذ منه. باختصار، تحولت القرى الموردة إلى مشترٍ صافٍ عوضاً عن كونها بائعاً صافياً، إن فهمت قصدي".
أومأ كيفاموس بوجه متجهم: "نجل. أفهم ما تقصده تماماً".
أسند التاجر مرفقيه على ركبتيه، وتحولت نبرته إلى مزيد من الجدية: "حسب تقديري - ويجب أن أقول إنني لا أملك بالطبع أرقاماً رسمية في هذا الشأن، بل ما سمعته في الأسواق وحدها - استطاع تجار سينران شراء كمية إجمالية أقل بكثير من الحبوب خلال حصاد العام الماضي. ولهذا السبب، طوال هذا العام - حتى موعد الحصاد القادم في أواخر الخريف - لن يتمكنوا من بيع سوى نحو أربعين عجلة شهرياً عوضاً عن الخمسين المعتادة. بل إنهم يعجزون عن الوصول إلى مزيد من الحبوب للبيع لأن معظم بارونات قرى الزراعة المجاورة توقفوا عن البيع كلياً وصاروا يحتفظون بحبوبهم لأجل أهلهم".
أصخ كيفاموس السمع بصمت بينما شرع دوڤاس في تدوين الأرقام في سجله.
تابع تريفالو: "أخبرتك قبل قليل أن سينران تحتاج إلى نحو خمس وثلاثين عجلة من القمح شهرياً لإطعام البلدة وحدها. وربما أقل بقليل هذه الأيام — فبعض الفقراء يتناولون وجبتين عوضاً عن ثلاث، أو ربما وجبة واحدة فحسب بسبب ارتفاع الأسعار. ومع ذلك، لا يترك هذا سوى حفنة من العجلات المتبقية. ومن بين عجلات الفائض الخمس المتاحة، جلبت هذا المرة أربعاً بالفعل، نظراً لاستعدادك لدفع أسعار أعلى، بينما يُباع الباقي لبارونات آخرين أكثر ثراءً وقادرين على دفع مبالغ أكبر. هكذا تلاشى الفائض بأسره تقريباً".
استند كيفاموس إلى مقعده، وتاهت نظراته للحظة. استطاع سلفاً تبين سلسلة العواقب المتشكلة — ارتفاع الأسعار، وتضيق نطاق التجارة، وأفواه جائعة. هبط الصمت على الغرفة، ولم يخرقه سوى صوت الريح وهي تعصف بالمصاريع.
تنهد التاجر ناشراً يديه: "تستطيع تبين المشكلة الآن. يدرك تجار سينران تمام الإدراك مدى تفاقم الأمر. إن حاولت شراء أكثر من عجلاتي الأربع المعتادة في المرة القادمة، فسيعمدون إلى رفع السعر أكثر — وربما يتجاوز ستة أقطعة ذهبية للعجلة الواحدة. ولن تزداد الأمور إلا سوءاً مع مرور الشهور. ولن أتفاجأ إن فرض الكونت قريباً قيوداً على بيع الحبوب للتجار القادمين من خارج سينران. وحتى في تلك الحالة، ما زال وقت الحصاد بعيداً بنحو ستة أشهُر، لذا أظن أن أمرك سيكون ميسوراً في الشهور القادمة ما دمت مستعداً لدفع الأسعار المرتفعة. لكن مع تراجع مخزون القمح في البلدة أكثر - إذ سيحاول التجار بالطبع بيعه في السوق السوداء لمن يدفع أعلى - فمن المحتمل أن يحظر الكونت بيع أي قمح خارج البلدة كلياً. ففي نهاية المطاف، لا يرغب أي حاكم في وقوع أعمال شغب بسبب الغذاء في بلدته".
عقد كيفاموس حاجبيه، مرتجفاً من يوم قد يتوقف فيه مصدر حبوبهم الوحيد عن البيع لهم. أضفى هذا الخاطر مسحة من الكآبة على أجواء القاعة.
"ما تقترحه إذن؟ لا بد أنك لاحظت أننا شرعنا في الزراعة هنا، لكننا ما زلنا بحاجة لشراء الحبوب لإطعام القرويين حتى موعد الحصاد. وحتى بعد ذلك، سنواصل على الأرجح شراء القمح من الخارج لتعويض أي عجز. لا أستطيع السماح بعودة الناس للجوع، ليس بعد كل ما بذلناه من جهد. مجرد التفكير في عجزنا عن شراء أي قمح بعد بضعة أشهر هو..."
توقف عن الكلام مطلقاً العنان لهز رأسه.
"أمر لا أستطيع تقبله".
صمت تريفالو لهيهة، ناقراً بأصابعه بخفة على ركبتيه كمن يقلب الأمر في ذهبه.
قال أخيراً: "أتعود؟ لقد قضيت حياتي كلها أتاجر بالحبوب، ولي بعض الصلات في أولريغا. إن استطعت منحني ضماناً خطياً بأنك سشتري كل ما أجلب، فيمكنني السفر إلى هناك لأجلك والترتيب لجلب القمح من المدينة. أقتصر عادة على التجارة بين سينران والقرى المجاورة، لكنني سأقوم بالرحلة إن جعلت الأمر مجدياً بالنسبة لي. بالطبع، سيبقى القمح باهظ الثمن كما هو، لكنك ستظفر بكل الحبوب التي تريدها على الأقل".
رفع دوڤاس بصره عن السجل: "أولريغا مدينة كبيرة، ويعلم الجميع ذلك. لكن موسم الحصاد كان سيئاً في كل مكان. أمتيقن أنت من توفر ما يكفي لبيعه لنا؟"