قال دوفاس: "لم يعد أي من القرويين بعد، لكنهم لن يتأخروا كثيراً".
أومأ كيفاموس.
"إذن، أرسل خادماً ليحضره بضعة شيوخ من القرية، وابعث بهم إلى البوابات الثلاث جميعاً ليتعرفوا إلى كل شخص ويؤكدوا هويته قبل أن يدخل. ليس مرجحاً جداً أن يتنكر قطاع الطرق في زي أحدهم، لكنني لا أود مجازفة كهذه على أي حال".
أثنى وكيل الأعمال وهو ينهض عن كرسيه: "إنها لفكرة سديدة حقاً! سأبعث بأحد حالاً فسيشرع القرويون في العودة قريباً".
"انتظاراً، أين غورسازو؟ إن لم يكن القرويون قد عادوا بعد لحصص المساء، فلمَ لمْ أره منذ الصباح؟"
ضحك دوفاس بخفة.
"إنه يعلم الأطفال في مباني المهاجع. عادة ما يكونون في الخارج لجمع نشارة الخشب خلال النهار، لكن مع منع الأطفال من مغادرة الأسوار، باتوا تململون، لذا اقترح السيدة هيغا أن يستغل غورسازو الفرصة ليعلمهم شيئاً، مما سيشغلهم أيضاً".
أومأ كيفاموس.
"كانت تلك فكرة لطيفة، لكنني لا أظن أن الصغار أو الأطفال يرغبون في الدراسة في مثل هذا الوقت. قد يكونون صغاراً، لكنهم لا يزالون يعون مخاطر غارة يشنها قطاع طرق. لا أعتقد أن بإمكانهم التركيز جيداً على الدراسة الآن".
أوضح وكيل الأعمال: "أه، لن يعلمهم الحروف الهوائية ولا كيفية كتابة الكلمات. قال غورسازو إنه سيجرب بعض الأنشطة الممتعة مع الصغار ليقدم درساً عملياً أكثر اليوم بينما يجعلهم يتعلمون قليلاً أيضاً. كانت إحدى أفكاره جعل بعضهم يمارس لعبة المطاردة، بينما يحصي الباقون عدد مرات مطاردة كل طفل. سيبقيهم ذلك منشغلين ويمنعهم من التفكير في الغارة، فضلاً عن اكتساب بعض التمرين على العد. وقد ذكر بضعة ألعاب تعليمية أخرى من هذا القبيل أيضاً. لا تقلق، فهو دراية بما يفعله".
ابتسم كيفاموس. لم يُعيَّن غورسازو معلماً لابن دوق عبثاً.
"امضِ قدماً إذن".
ما إن غادر دوفاس القاعة، حتى رمق كيفاموس الباقين بنظرة.
"فيروي، لقد نلت قسطاً من الراحة بالفعل ولست مضطراً للخروج إلى التلال للاستطلاع هذه الليلة، لذا تحدث إلى حراس أبراج المراقبة جميعاً حين يعودون من نوبتهم واجمع كل معلومة رصدوها عن قطاع الطرق خلال النهار. متى التقيت بكل منهم، فعد إلى هنا لنناقش خياراتنا المتاحة".
ثم نظر إلى قائد الحراس تالياً.
"كانت فكرة طيبة تقديم وجبة إضافية للحراس كافة حتى في فترة ما بعد الظهر، فهم من سيحتاجون إلى تلك الطاقة لقتال قطاع الطرق. مهمتك الآن هي التأكد من أن الحراس كلهم ممتلئون طعاماً ومستريحون، وأن كل واحد منهم مستعد للتصدي لغارة الليلة. إن كان فيروي محقاً، فقد تقع في حدود منتصف الليل، أو بعد ذلك بقليل. في الواقع، إن كان أي حراس قد كلف بنوبة مزدوجة، فأمره بالاستراحة لبضع ساعات، وابعت بمتطوع آخر لتأدية نوبته. لا يهم الآن أن يؤدي الجميع النوبة بتسلسل صحيح. علينا إدارتها بحيث لا يشعر أي حارس بإرهاق مفرط حين يهجم قطاع الطرق".
أومأ هودان.
"لا تقلق بشأن ذلك، يا سيدي. لقد أدرت هذا خلال الغرات السابقة حين لم يكن لدينا رجال كفاية. على الرغم من أن عشرة حراس في مهمة صينية الآن، فلا يزال لدينا عدد كاف من الرجال لأناوب نوبت المراقبة على نحو سليم، مع أن الحراس الأقدمين يساعدون أيضاً في تنظيم الأمور. يشرف كيريل وتيسيب على نوبات السيافين كافة، بينما تفعل هيولا الشيء ذاته لراميات النشاب. يحرص يوفيم على جاهزية الرماة متى احتاجوهم - بما في ذلك الخدم القلائل الذين تمرنوا على الأقواس - بينما يتحدث كالوبو وليفالو، اللذان عاشا عن كثب مع قطاع الطرق ورجال زوريكوس - الذين بالكاد أفضل من قطاع الطرق - لمعرفة إن كان بإمكانهما استنباط استراتيجية قطاع الطرق. وبالتأكيد، أنا ألتقي بهم جميعاً كل ساعة، على رأس الساعة، لنرى إن كانت هناك أي مشكلات".
أومأ كيفاموس.
"امضِ إذن. سنلتقي وقت العشاء حين تتوفر لدينا معلومات أوفى".
* * *
انهى كيفاموس للتو تناول حساء مصنع من فطر ريزاكو وبعض الخضروات الطازجة المقطعة المزروعة في بقع الخضروات بالمنزل، مقروناً بخبز مخبوز حديثاً. وما إن أفرغت السيدة هيغا وسيرين الطاولة - باستثناء وعاء مغطى وبعض الخبز المتروك لفروي - واقتيد الأطفال إلى غرفهم للنام، حتى انتقل كيفاموس والآخرون إلى الكراسي القريبة من الموقد، مع أنه ظل مطفأ طوال الأيام القليلة الماضية. بيد أن مجامر قليلة كانت لا تزال تشتعل بالقرب لتوفير إضاءة كافية في الداخل.
كان دوفاس جالساً إلى جواره عن اليمين، بينما اتخذ غورسازو مقعداً أمام وكيل الأعمال. وكان هودان جالساً عن اليسار، في حين تُرك المقعد التالي فارغاً للمرتزق السابق الذي لم يعد بعد. كان هناك رسم يدوي لتيرانات مفروشاً على الطاولة الصغيرة أمامهما رسمه كيفاموس بنفسه بناءً على ملاحظاته حول القرية. لم يكن سوى رسم بدائي رُسم على إحدى أوراق العمل الجديدة والمحسنة المصنعة هنا، لكنه سيظل يساعد في تقرير كيفية التعامل مع الهجوم، متى بدأ.
عندئذ انفتح الباب الخارجي ودخل فيروي. وبإشارة من دوفاس، التقط وعاء الحساء والخبز الخاص به، وحملهما إلى الطاولة الصغيرة أمام المقعد الوثير حيث اتخذ مقعداً وشرع في التهام خبزه بلا مهلة.
سأل كيفاموس: "ماذا عثرت عليه؟"
أحدق المرتزق السابق وفمه لا يزال ممتلئاً: "امنحني دحظة أولاً! لم أتناول شيئاً منذ الصباح!"
ضحك كيفاموس بخفة ومنحه بضع دقائق للأكل، وهو كل ما احتاجه المرتزق السابق لتفريغ وعائه. وما إن تجرع جرعة كبيرة من الماء مباشرة من الإناء الخشبي، حتى مسح فيروي فمه بظهر كمه.
"لم تكن الأنباء ملحة، وإلا لكنت تحدثت قبل ذلك. لم يبدو أن قطاع الطرق ينوون الهجوم فوراً، لكن ثمة مجموعة كبيرة منهم محتشدة في الخارج بالتأكيد، هذا مؤكد".
تنهد كيفاموس بعمق.
"إذن فالأمر يحدث حقاً..."
سأل دوفاس: "ماذا يفعلون؟"
"حسناً، كانت راميات النشاب ترصد حركة في الغابة طوال اليوم، لكن قطاع الطرق كانوا يتجولون بين الأشجار وحسب في ذلك الوقت، لذا صعب إحصاؤهم بدقة".
واصل فيروي كلامه: "حين عاد القرويون أجمعون إلى الداخل، كان قطاع الطرق قد شرعوا في التجمع في جماعات، وقبل نحو ساعة نظموا أنفسهم في ثلاث مجموعات مختلفة. تجلس كل مجموعة على مسافة ما من إحدى بواباتنا".
قطب كيفاموس حاجبيه.
"يجلسون هناك وحسب في الوقت الحالي؟ ما حجم هذه المجموعات؟"
أجاب فيروي وهو يكشر: "حوالي عشرة رجال في كل منها... إن لم يكن أكثر".
حدق الجميع في فيروي بعدم تصديق.
هتف غورسازو: "هذا ثلاثون رجلاً على الأقل!"
أومأ المرتزق السابق بوجه عبوس.
"أعلم... يصعب الحصول على عد دقيق من هنا، لاسيما وأن الظلام قد حل بالفعل وهي ليلة بلا قمر. لكن بحسب ما رآه حراس برج المراقبة في آخر ضوء، كان هناك نحو عشرة رجال أمام كل بوابة. إنهم يبقون على مسافة بعيدة بما يكفي عن مدى النشاب - ربما شيء حذرهم منه نوكوزال. بل إن النساء حاولات إطلاق بضع سهام حين اقترب قطاع الطرق أكثر في وقت سابق، وأصيب أحدهم إصابة طفيفة في ذراعه. لكن بعد ذلك، تعلموا الدرس وصاروا يبقون خارج المدى تماماً الآن".
انحنى كيفاموس إلى الأمام. لقد أخلوا مساحة نحو خمسمائة متر من الأرض أمام أسوار القرية حتى الغابة المحيطة بالإقطاعية. بيد أن قوس يوفيم الحربية - التي كانت تقنياً قوساً طويلة - كان لها مدى أقصى يتراوح بين مائتين وخمسين وثلاثمائة متر، بل وأكثر إن أُطلق من علو برج مراقبة. وكان ذلك بسهولة أكثر من ضعف المدى الفعال للنشاب.
"ألم يحاول يوفيم إطلاق النار أيضاً؟ قوسه الحربية لها مدى أفضل بكثير من النشاب".
هز فيروي رأسه.
"بالتأكيد فعل. لكن الأوغاد يبقون في الخارج حتى بعيداً عن متناوله. حاول بضع مرات من برج مراقبة، لكنه قال إنه من الصعب إصابة أي شيء بدقة على تلك المسافة - حتى في ضوء النهار الساطع. على أي حال، لا بد أن قطاع الطرق أحضروا رامياً معهم أيضاً، ولا بد أنه أخبرهم بالمدى الذي يمكن للرامي الإطلاق منه من جهتنا. لذا فهم يبقون خارج ذلك المدى مباشرة".
تمتم كيفاموس: "لعنة!"
قبض هودان على يديه.
"لم يتبق لدينا في القرية سوى عشرين سيافاً بالكاد في الوقت الراهن. بقدر ما أود ذلك، لا يمكننا ببساطة الخروج ومواجهة ثلاثين قطاع طرق مسلح وجهاً لوجه!"
تنهد كيفاموس.
"أعلم... لهذا علينا البحث عن فرصة مناسبة، أو انتظار اقترابهم".
قطب غورسازو حاجبيه وهو يدلك فكه.
"كيف لطورهان أن يتوفر لديه هذا العدد من الرجال على أي حال؟ لم يكن ليترك مجمعه وكل أولئك العبيد بلا حراسة تماماً".
تأوه فيروي بصوت خشن: "بالتأكيد لا. بعد كميننا، لم نكن نتوقع بقاء أكثر من عشرين من قطاع طريقه أحياء. لكن ليس الأمر كأن جوريك قد أحصى بدقة حين كان في مجمع ذلك الوغد. ربما كان بعض قطاع الطرق في الخارج يصطادون أو يرافقون عربات الطين الخاصة بهم حين كان هناك. وربما جند طورهان رجالاً آخرين منذ ذلك الحين - وربما أجبر بعض العبيد على الخدمة أيضاً. بحسب ما رآه جوريك، فهو من النوع الذي يرهبهم حتى يطيعوه. على أي حال، العبيد يعلمون أن له صلات بالبارون فاروداس - مما يعني انعدام أي فرصة للرحمة إن هربوا. ظني أنه قد جر تقريداً كل قوته إلى هنا، ولم يبق سوى نفر يسير لحفظ العبيد في طاعتهم".
أخرج كيفاموس نفساً: "هذا خارج نطاق سيطرتنا على أي حال، لكن فلنتأكد من يقظة كل حارس. إن نووا الضربة في الليل، فسنتأهب لهم".
نهض هودان دون كلمة أخرى، وتبعه فيروي عن كثب وهما يغادران القاعة تفقداً للحراس. وانطبق الباب بصوت مكتوم خلفهما، تاركاً القاعة أهدأ من ذي قبل. لبرهة، لم يتحدث أحد. حدق كيفاموس في الموقد الخافت بلا نار، متسائلاً عما إن كانت أبراج المراقبة والنشاب المصنوعة حديثاً ستكفي في مواجهة ذلك العدد من قطاع الطرق، بقيادة عقل طورهان الماكر. وبجواره، أمال دوفاس رأسه إلى الخلف، ومقليتاه مثبتتان على العوارض، وشفتاه تتحركان في صلاة صامتة للملكة.
لقد احتجنا إلى كل عون نالمه هذه المرة، حتى وإن جاء على هيئة تدخل سماوي...