من لندن إلى اللورد الفصل 320 — أفكار

اقرأ من لندن إلى اللورد الفصل 320 — أفكار باللغة العربية على مانجا تايم.

ما إن غادر قائد الحراس القاعة حتى رمق دوفاس كيفاموس بعينين تفوح منهما التعب.

قال: "أعلم أنك تبذل قص جهدك لإطعام الجميع، لكني أقتات على كراهية هذا الشح في المؤونة. يذكرني الأمر بالفترة التي سبقت قدومك، حين كانت القرية قاب قوسين أو أدنى من الهلاك جوعاً. لم نكن نقدر على توفير وجبة واحدة لمن يعيش في القصر، لذا لم أكن أملك سوى المراقبة وأنا أرى بقية القرويين يتهاوون نحتًا بالضعف".

تنهد كيفاموس وقال: "أعلم... لهذا بدأنا بالزراعة هنا، مع أن ثمارها لن تظهر قبل شهور. الآن وبعدما بدأ عدد سكان تيرانات في الارتفاع، ولو ببطء، صار لزاماً علينا إيجاد سبل لإنتاج المزيد من الطعام هنا".

طفق دوفاس يرمق الشمس وهي تغيب من النافذة المشرعة على الغرب.

قال: "أعتقد أنه عوضاً عن تشييد المزيد من البيوت الطويلة، عليك أن تدعة تانيوك يبني بضع حظائر إضافية للفطر في الجنوب متى فرغ من أبراج المراقبة ومنشرة الخشب. لا يعوزنا المكان داخل أسوار القرية، وسيستطيع عدد قليل من العمال زراعة كميات أكبر بكثير من فطر ريزاكو لإطعام الجميع".

هز كيفاموس رأسه وقال: "هذا ما خططت له مسبقاً... لكننا لم نكن نمتلك رفاهية الانتظار حتى يكتمل نضج الفطر برمته في الحظيرة الأولى. سنشرع في استخدام ذلك الفطر لإطعام القرويين، وهو ما يعني استحالة الانتظار حتى ينمو لنعيد غرسه في حظيرة جديدة بدلاً من أكله فوراً. ما إن تجهز المنشرة قرب السد، حتى يحصل تانيوك على إمداد ثابت ووافر من الألواح بفضل عامل متدرب وحيد، عِوضاً عن استنزاف متدربيه الثلاثة أجمعين في قطع الألواح. متى عملت بانتظام، سنقدر على تشييد الحظائر الجديدة والبيوت الطويلة بسرعة أكبر بكثير من المرة الفائتة".

ثم أفرغ زفرة وقال: "لو حظينا ببضع نجارين متدربين آخرين هنا، لأنجزنا ذلك بسرعة أكبر، لكن استجلاب المزيد من الحرفيين يستدعي زيادة عدد سكان القرية، وهؤلاء بدورهم سيتطلبون طعاماً ومأواً إضافيين، وهو ما سيعيدنا لحاجة ماسة إلى المزيد من النجارين... لا حلول سهلة هنا. جل ما أرجوه أن تنجح فرقتا الصيد في جلب لحم يكفينا في غضون أيام".

أومأ كبير الخدم وقال: "لنأمل ذلك، فاستقدام تاجر آخر في الوقت المناسب ليس بأيدينا".

وبعد هنيهة، عاود دوفاس رمقه مردفاً: "هناك أمر آخر رغبت في الحديث معك بشأنه. يتعلق بجودة الورق الذي نصنعه هنا. لقد ذكرت أنه شديد التفتت والخشونة في الوقت الحالي".

نظر إليه كيفاموس باهتمام وأومأ.

قال: "نعم، لقد عاينت ورقا فائق الجودة في قصر أولريغا، لكني اعجز عن الاهتداء إلى طريقة لتحسين ما نصنعه هنا".

"إذن ستسرك هذه البأنباء. لقد ناقشت الأمر مع عمال تصنيع الورق، آملاً أن يمزجوا لب نشارة الخشب ويهرسوه بعناية أكبر، لتتحسن الجودة النهائية للورق. لم يجدِ ذلك نفعاً، لكن أحدهم أخبرني بعد الظهر برغبته في تجربة خلط مادة أخرى به. هناك جذر مرّ وناشز لعشبة تنتشر بكثرة هنا، وبإمكانه أداء المهمة وربط ألياف نشارة الخشب بإحكام أكبر، حسب زعمه".

سأل كيفاموس بفضول وقد تخيل الأمر طعاماً محتملاً: "جذر ناشز؟ لم لا يتخذه الجميع طعاماً إذن؟"

تنهد دوفاس وقال: "إنه ببساطة غير صالح للاستهلاك البشري. يسبب إسهالاً فورياً لمن يحاول أكله، وصدقني، فقد جربه بعض القرويين باهتمام بالغ مراراً وتكراراً في الخريف المنصرم. تستطيع الحيوانات هضمه غالباً، لذا نطعمه أبقارنا أحياناً حين يشح التبن - بل وحتى النودور والأغنام والأرانب الآن. على أي حال، ذكر العامل أنه حاول سلقه في الخريف الفائت ليرى إن كان صالحاً للأكل بعد ذلك، لكن الأمر لم يجد نفعاً وظل يصاب بالمرض عند تجربته. غير أنه لاحظ احتفاظه بخصائص ناشزة للغاية، مما قد يساعد في الارتقاء بجودة الورق".

"همم... لست متأكداً من جدوى ذلك، لكن التجربة لا ضير فيها. لم لم يفصح عن الأمر مبكراً؟ كنت أجهل أمر هذا الجذر".

هز كبير الخدم كتفيه وقال: "حسن، بات سكان القصر أكثر ثقة في التحدث بانفتاح هذه الأيام بفضل مساعيك الدؤوبة، لكن عمال القرية ما زالوا يتهيبون اقتراح أفكار جديدة. على كل حال، يدرك جميع العمال مدى نفاسة ذلك الورق، ولتجربة هذه الفكرة سيتعين عليهم المجازفة بدفعة كاملة. إن لم يفلح الأمر، فسيتلف ذلك أربع أو خمس صفحات من الورق على الأقل - وهو ما يكلفنا نحو قطعة ذهبية كاملة بالنظر إلى الأسعار التي اشترى بها بيداسو منا. يمثل ذلك أجر عشرة أيام لعامل، لذا أحجموا حتى عن اقتراح الأمر".

"لا تهتم بذلك. إنها مجازفة لابد لنا من خوضها. إن نجحت، سنتمكن من بيع الورق بسعر أعلى بكثير، وستستحق الأمر بجدارة. أبلغه بأن يجرب ذلك في دفعة الغد. عليه محاولة سلق بضع تلك الجذور، وتقليص الماء حتى لا يتبقى سوى النشام. ليمزجه بعدئذ بالخليط".

وأضاف: "عليك رغم ذلك الإثارة بفعله واقتراحه الجيد. إن آتت الفكرة أكلها كما يرجو، فسنكافئه بلا شك. نأمل أن يمنح ذلك ثقة لبقية العمال لطرح مقترحات مماثلة بلا أدنى وجل".

هز كيفاموس كتفيه وقال: "مهما ابتكرت من أفكار جديدة، فلن ترقى بحال إلى تفكير كل فرد بابتكار فيما يفعله. هذا ما سيسعف تيرانات على مواصلة التقدم على المدى البعيد".

أومأ دوفاس وقال: "سأتوجه إلى شرق القصر صباح الغد، وأطلعه على الأمر. ستشكل فكرة المكافأة دافعاً أكيداً له ليخوض التجربة بجدية. يذكرني هذا بشيء"، ثم هخر ساخراً: "ظل هودان يرسل أي حراس لم يبلوا بلاء حسناً في تدريباتهم ليهرسوا خليط نشارة الخشب طوال اليوم - لمساعدة العمال هناك، وكنوع من العقاب الذي يحفز الحراس على التحسن. بيد أننا فور استقطاب الحراس الجدد الستة، صاروا هم من يُبعثون للقيام بذلك عادة. لكنهم لابد يثبون فرحاً الآن للانضمام إلى فرق الصيد، هروباً من هرس اللب فحسب".

ضحك كيفاموس وقال: "أكاد أتيقن أنهم يفعلون، وليس كأنهم سيجدون الصيد في الغابات يسير المراس..."

*** ~ أوستايمو ~ تنفس أوستايمو الصعداء حين اخترقت عربتهم بوابات سينران أخيرة. لا يزال الفارس يمتطي جواده في المقدمة، بينما جلس مرافقه وحارسا الأخرى بقربه على العربة. ارتسمت على محياه ابتسامة عريضة وهو يشهد صخب المدينة المعتاد ودبيبها. فمهما بدا له تيرانات شائقاً، يظل هذا المكان هو الوطن. بيد أن رحلة عودتهما من تيرانات لم تكن يسيرة. فمع تراجع عدد الحراس المرافقين لهما باثنين، وخطر التعرض للهجوم الداهم وسرقة ذهب الضرائب، عجز عن النوم باستغراق طوال الليل.

أما البطانية البالية الرثّة التي اصطحبها لفرشها في الطريق، فلم تقدم أي راحة تذكر على الأرض المكسوة بالحصى تحت العربة التي غدت فراشه طوال الليالي الثلاث الفارطة. لم يلبثوا أن طفقوا يسيرون على طريق الحصى في الحي الثري من المدينة، وسرعان ما لاحت أمامه قصر الكونت إبيرتاس الحجري الهائل. ما إن ولجوا الداخل حتى وثب الحارسان من فوق العربات، وطفقا يسيران نحو ثكناتهم بعد إيماءة مقتضبة إليه.

ترجل الفارس بدوره عن جواده وناوله لمرافقه ليقتاده إلى الإسطبلات، قبل أن يمضي قُدماً نحو مسكنه الخاص.

نادى عليه أوستايمو بصوت عالٍ: "السير تويلاس! لنرفع تقريرنا إلى الكونت أولاً. بوسعنا الاسترخاء بعد ذلك".

تجهم الفارس وهو يرمق درعه الملطخة بالوحل عن آخرها. فقد اضطروا لمواجهة هجوم خنزير بري على الطريق بالقرب ممّا كان في سالف الزمان نزلاً، وأسفرت مخلفات ذلك الهجوم عن فقدان درع الفارس لبريقها المعتاد.

قال: "حسبُك. سأرافقك".

تأكد أوستايمو من سلامة كيس النقود القماشي وبقائه آمناً تحت سترته، ثم طفق يطوي الأرض مع الفارس نحو قاعة اجتماعات الكونت. وسرعان ما أدخلهما الحراس عبر الباب، ليقوما بإغلاقه خلفهما. كان الكونت إبيرتاس جالساً عند رأس الطاولة المزخرفة مسنداً رأسه إلى إحدى يديه وهو يتأمل خريطة مفروشة عليها. وكان السير ماكاناً، قائد الفرسان، منحنياً فوق الطاولة إلى جواره، مشيراً إلى موضع ما على الخريطة، بينما جلس البارون الشريه زوريكوس على الجانب الآخر من الطاولة، يقضم شيئاً ما كعادته، غير أنه قطّب جبينه حين وقعت عيناه على أوستايمو.

رفع الكونت بصره ما ان تنبه لمقدمهما، قبل أن يرمق درع الفارس الموحلة، مما جعله يكمش أنفه مقززاً.

قال: "ما الذي أصابك! أما كان بإمكانك... الاغتسال أو فعل شيء ما قبل المجيء ومهاجمة أنفي؟"

تجهم السير تويلاس وقال: "أعذرني، يا خالي. لقد كان خنزيرًا ألفيناه على الطريق... أخبرني أوستايمو برفع التقرير إليكم فور وصولنا، وإلا لما حضرت دون اغتسال أولاً".

"انسَ الأمر! الزمِ الابتعاد عن بسطي فحسب..."

أمر الكونت بعبوس.

"لقد تأخرتُما أنتما الاثنان... وظننت أنكما هلكتما وضاع الذهب معكما".

هز أوستايمو رأسه وقال: "لم نتأخر سوى يوم واحد، يا سيادي. تستغرق الرحلة إلى تلك القرية ثلاثة أيام عادة. لقد أجهدنا الخيل، لذا لم نستغرق سوى يومين لبلوغ تيرانات من هنا، لكن عربتنا كسرت عجلة على ذلك الطريق البائس في طريق العودة. أهدرنا ساعات عديدة نحاول إفلاح إصلاحها، وحين خابت مساعينا، اضطررنا لإرسال حارس على ظهر جواد لاستجلاب عربة أخرى من قصركم. لقد جن الليل بحين وصولها، مما اضطرنا للمبيت ليلة أخرى ولم نصل هنا إلا الآن".

لوح الكونت بيده وقال: "لا بأس. يثلج صدري عودتكم سالمين فحسب".

ورغم ذلك، ظل زوريكوس ناتئ البطن يرمقهما بعبوس.

وقال: "أي أنباء من تيرانات؟"