عقد كيفاموس حاجبيه، وجال ببصره في أرجاء الضيعة وهو يقلّب في ذهنه ما يواجههم من تحديات وفرص. كان الشتاء القاسي يلوح في الأفق، وقبضته الجليدية تهدد بزيادة عزلة تيرانّات. نظر إلى دوفاس قبل أن يتحدث، بينما وقف جورسازو وهودان بالقرب منهما.
بدأ بصوت يغلفه تأمل هادئ: "فلننظر في وضعنا الراهن. حتى لو أعدنا فتح المناجم الآن، فإن بيع الفحم خلال الشتاء ليس خياراً متاحاً لنا".
أومأ دوفاس: "صدقت يا سيدي. اعتدنا كل شتاء أن نبطئ وتيرة التعدين بمجرد بدء تساقط الثلوج، فالتجار من سينران لا يأتون في الشتاء، وطلب كيرنوس على الفحم أقل بكثير رغم بقاء الطريق إليها مفتوحاً. لكن هذا العام، لن يأتي تاجر واحد من كيرنوس خشية قطاع الطرق. لذا، دأبنا كل عام على تكديس الفحم ببطء خلال أشهر الشتاء لنبيعه في الربيع. وبالطبع، يقل الطلب على الفحم بعد الشتاء عنه قبل تساقط الثلوج".
أمعن التفكير لحظة ثم تابع: "مخازن الفحم لدينا الآن تكاد تفيض، وسنحتاج لأكثر من شهر لبيع مخزوننا الحالي بعد انقضاء الشتاء، حتى لو لم نعد فتح المناجم في تلك الفترة. وأعتقد أن الوقت سيكون قد حان حينها ليعاود التجار قدومهم بانتظام منذ مقتل البارون السابق".
قال كيفاموس: "هذا يعني أن إعادة فتح المناجم لن تجدي نفعاً. سنؤجل هذا الأمر في الوقت الراهن".
عاد ببصره إلى الغابات الشاسعة التي تحيط بالضيعة، وارتسمت على شفتيه ابتسامة خفيفة وهو يتابع: "لكن هذا يفتح أمامنا فرصة فريدة، ألا تتفقون معي؟"
أطلق بصره في وجوههم وأضاف بحماس متجدد: "فكروا في الأمر. لدينا مجموعة من العمال المهرة، رجال اعتادوا العمل الشاق، وهم الآن عاطلون عن العمل".
تفرس في المكان باحثاً عن أعلى نقطة، فوجدها في المبنى الرئيسي للضيعة بطوابقه الاثنين.
قال لهم: "لنصعد إلى سطح الضيعة".
أومأ دوفاس: "كما تشاء يا سيدي".
تبع كيفاموس دوفاس إلى المبنى، وخلفهما جورسازو وهودان. وفي الداخل، بدلاً من التوجه يميناً نحو القاعة الرئيسية، انعطف دوفاس يساراً وصعد الدرج حتى وصلا إلى السطح، الذي منحهم رؤية أفضل بكثير للمحيط. أخذ كيفاموس دقيقة ليتأمل المكان. كانت أشجار الغابة المعتدلة شاهقة، تعلو المبنى وتقف كالحراس حول الضيعة من كل جانب عدا الغرب. وفي الشرق، بدت بعض التلال المكسوة بالأشجار، بينما شكلت جبال أراكن الأفق الشرقي.
أما إلى الغرب، فكانت حال القرية المزرية جلية تحت ضوء شمس الظهيرة. ظهرت البيوت المحترقة من فوق السطح، إلى جانب أكواخ متهالكة بالكاد تقف على حالها. القليل من البيوت كانت خشبية، وتبرز وسط دروب طينية بدأت تجف وتتعرج بين المساكن. كان بعض القرويين يتحركون بلا هدف، بينما جلس كثيرون عند مداخل بيوتهم يحدقون في الأفق. لم يكن صعباً تخمين أن هؤلاء كانوا في مثل هذا الوقت يقضون يومهم في حفر الفحم داخل المناجم.
فكر في الأمر وسأل دوفاس: "كم تبعد مناجم الفحم؟"
أجاب دوفاس فوراً وهو يشير إلى تلة في الشرق: "ليست بعيدة يا سيدي. أقل من نصف ساعة مشياً إلى الشرق".
تمتم كيفاموس: "همم... بضعة كيلومترات إذن".
وسأل: "ذكرت أنك هنا منذ تأسيس القرية. أخبرني، لماذا اختير هذا الموقع تحديداً؟ بالتأكيد لا يوجد نهر هنا، مما يجعل هذا المكان أقل شأناً من القرب من المناجم".
رد دوفاس: "كان هذا أقرب موقع للمناجم حيث تبدأ الأرض المنبسطة يا سيدي. أي تقدم أبعد نحو الشرق سيجعل من الصعب إيجاد أرض مستوية كافية لإقامة قرية".
سأل كيفاموس: "وماذا عن الجهات الأخرى؟ هل التلال في الشرق فقط أم في أماكن أخرى؟"
أجاب دوفاس: "رغم أن الغابات الكثيفة المحيطة بتيرانّات لم تسمح يوماً بإرسال فرق استطلاع بعيداً، يمكنني القول بثقة إن التلال تقع في جهة الشرق فقط".
أشار دوفاس نحو التلال وتابع: "تلك هي السفوح التي ترتفع تدريجياً لتفسح المجال لجبال أراكن في أقصى الشرق يا سيدي. لكنني صعدت بضع مرات في الماضي إلى قمة إحدى تلك التلال التي نستخرج منها الفحم. ومن ذلك الارتفاع، يتضح أن الأرض سهلية من كل الجهات عدا الشرق، رغم أن الغابات تبدو بلا نهاية من هناك".
أومأ كيفاموس: "وماذا عن النهر؟ هل هناك مياه جارية في الجوار؟"
أومأ دوفاس: "لا أسميه نهراً يا سيدي، لكن هناك جدولاً يقع أبعد من المناجم، ينساب جنوباً بين تلك التلال. يذهب العمال عادة لملء دلاء الماء منه خلال يوم العمل. وأحياناً يصطادون منه بعض السمك ليسدوا به رمقهم".
تمتم كيفاموس: "ليس مثالياً، لكنه سيقضي الحاجة...".
انحنى نحو حافة السطح ووضع يديه على الحاجز الخشبي وهو يتأمل التضاريس.
تابع بنبرة عازمة: "لو أزلنا جزءاً كبيراً من الغابة المحيطة، يمكننا تهيئة مساحة صالحة لزراعة المحاصيل. وفي غضون أشهر، ستتحول الأرض التي تقف عليها هذه الأشجار اليوم إلى حقول خصبة".
بينما كان الآخرون يتدارسون الفكرة، أضاف دوفاس: "طرأت هذه الفكرة على ذهني من قبل بالطبع. لكن مع عدم اكتراث البارون السابق بالقرية ونقص الأيدي العاملة الدائم، كان من الصعب التفكير بجدية في الزراعة. لكن نعم، مع بطالة عمال المناجم الآن، هذه فرصة مواتية".
التقط جورسازو طرف الخيط: "كنت أفكر في الأمر نفسه يا سيدي. إذا سارت الأمور على ما يرام، سنمتلك مخزوناً كافياً من الحبوب للشتاء في غضون أسابيع. وربما يتبقى لدينا ما يكفي من البذور للبدء بالزراعة بعد ذوبان الجليد. وحتى إن لم تكفِ مؤننا لذلك، سيكون الطريق إلى سينران قد فُتح مجدداً، وسنتمكن بسهولة من شراء المزيد من التجار".
عقد حاجبيه بتفكير وأضاف: "لكن لضمان النجاح، نحتاج لشخص يقود العمل يمتلك فهماً للزراعة أعمق مما نملك".
رد دوفاس: "أعتقد أن كثيراً من العمال الأكبر سناً لديهم بعض الخبرة. فقبل هجرتهم إلى تيرانّات عند تأسيسها، لم يكن كلهم عمال مناجم. سأعلن في القرية أن على من لديه خبرة زراعية أن يراجعنا بحلول المساء. لن يكونوا كثيرين، لكننا سنحصل على ما يكفي من الخبراء ليشرفوا على البقية".
أثنى كيفاموس: "هذه فكرة جيدة".
تدخل هودان: "إزالة الغابات لن توفر لنا أرضاً صالحة للزراعة فحسب، بل ستمنحنا ميزة أمنية كبيرة. فمع وجود خط رؤية مكشوف يمتد من القرية، سنتمكن من رصد أي قطاع طرق يقتربون في وقت أبكر، مما يمنحنا وقتاً للاستعداد".
أومأ كيفاموس: "بالفعل. ورغم أننا سنحتاج لإزالة الغابة في الشرق أيضاً للحصول على رؤية جيدة، أعتقد أن علينا ترك المنطقة المكشوفة هناك فارغة. فكما قال دوفاس، التضاريس تصبح جبلية في تلك الجهة، مما يصعّب الزراعة. أما بخصوص المساحة المطلوبة لإطعام القرية عاماً كاملاً، فسنحتاج لسؤال ذوي الخبرة".
نظر إلى دوفاس وقال: "اختر أكثر الناس خبرة في الزراعة وأحضرهم لمقابلتنا مساءً. بعد أن نكوّن فكرة أوضح عن المساحة اللازمة، سنحسم الأمر".
أضاف هودان: "علينا إزالة مساحة أكبر من مجرد الحقول يا سيدي. أرى أننا نحتاج لخمس مئة خطوة على الأقل من الأرض المكشوفة حول القرية لنضمن رصد أي هجوم مسبقاً".
أومأ كيفاموس: "كما قال دوفاس، يوجد جدول في الشرق قرب التلال ينساب جنوباً. طالما أن الأرض جنوب القرية صالحة للزراعة، سيكون من الأفضل البدء هناك، فهذا سيوفر لنا مصدراً جاهزاً للري".
في غياب الأسمدة والآلات الحديثة، لن تكون الغلال كبيرة، وسيحتاجون لمساحة أكبر بكثير مما لو امتلكوا تلك المعدات. منحه هذا أفكاراً حول أدوات بسيطة كبذّارة البذور التي يمكنه محاولة تصميمها وصنعها هنا بالمواد المتوفرة. قد يساعد هذا في تحسين الإنتاجية، لكنه أرجأ هذه الفكرة في ذهنه ريثما ينتهي من المخاوف العاجلة. فكر كيفاموس في قطع الغابات بهذا الحجم وما سيسببه ذلك من تصحر، وضحك ضحكة ساخرة.
كان الأمر بعيداً عن المثالية، وما كان ليُقبل على الأرض، ولكن وضعهم الميؤوس منه لم يترك لهم خياراً سوى إزالة الغابات، وإلا استمر القرويون في الجوع. وهذا ما لم يكن ليقبله.
بعد دقيقة من التفكير، أضاف: "علينا التفكير في طريقة لإيواء القرويين المشردين، وسنحتاج للأخشاب والأرض المكشوفة لذلك".
أشار نحو شمال القرية وتابع: "لنقل إننا سنقيم المساكن الجديدة في الشمال، مما يترك الأرض غرباً فارغة لأغراض أخرى، كالمخازن الجديدة".
أضاف هودان: "سنحتاج لتحديد مساحة واضحة لذلك يا سيدي، لنتمكن من إزالة ما يكفي من الأشجار لترك خمس مئة خطوة من الأرض المكشوفة أمام البيوت الجديدة".
أومأ كيفاموس وسأل دوفاس: "كم عدد المشردين الآن في تقديرك؟"
تأمل دوفاس القرية غرباً للحظة ورد: "لا يمكنني إعطاء رقم دقيق يا سيدي، لكنني أعتقد أن قطاع الطرق أحرقوا أكثر من اثني عشر بيتاً، مما يعني أن هناك ما بين سبعين إلى ثمانين شخصاً فقدوا مأواهم. بالطبع، هناك قرويون آخرون، بمن فيهم الأيتام، لا يجدون مكاناً يؤويهم بعد أن دمرت العاصفة الرعدية الشهر الماضي الكثير من الأكواخ".
قال جورسازو: "هذا عدد كبير. سنحتاج لبناء خمسة عشر إلى عشرين بيتاً على الأقل لنحميهم من التجمد حتى الموت. لكنني لست متأكداً إن كان لدينا وقت كافٍ قبل حلول الشتاء".
أومأ دوفاس: "صدقت. لكن الأمر سيستغرق وقتاً أقل بكثير لو بنينا قاعات كبيرة يسكنون فيها بدلاً من بيوت منفصلة".
أمعن كيفاموس التفكير في الفكرة. على الأرض، اعتاد الناس في بعض الأماكن العيش في قاعات طويلة عندما كان بناء بيوت منفصلة لكل فرد غير عملي. بدا هذا خياراً جيداً في هذه الظروف.
"لماذا لا نبني قاعات طويلة إذن؟"
سأل هودان: "قاعات... طويلة يا سيدي؟"