ما لبث دوفاس أن عدَّ سبع مئة وواحداً وسبعين قطعة ذهبية وتسع فضيات حتَّى دفع كيس الذهب إلى جامع الضرائب الذي بدت على وجهه أماراتها الارتخاء لأول مرَّة منذ وصوله على الأرجح.
قال أوستايمو بابتسامة: "يسرُّني أنكم تمكَّنتم من دفع هذا المبلغ كاملاً في وقته. لم أكن لأستطيع منحكم مهلة إضافية بحال. ولا سبب لدى السير تويلاس لإثارة أيِّ مشكلات الآن أيضاً".
سخر كيفاموس: "أشك في ذلك، لكننا خلصنا من الضرائب على الأقل. ستحل مجدداً في أواخر الخريف، أليس كذلك؟"
أومأ أوستايمو: "فور الانتهاء من أعمال الحصاد في المزارع. على ذكر ذلك، كيف استطعتم جمع هذا القدر من الذهب بهذه السرعة؟ أتذكر قولكم إن ثلثي المبلغ كان جاهزاً لديكم عند وصولي، فما بال الباقي؟ أعلم بوصول تاجرين إلى هنا، لكنَّ جني بقية الذهب ببيع الفحم وحده سيستطلب ما يقرب من أربعين عربة ربما؟ لا أظن أولئك التُّجار قادرين على شراء كلِّ تلك الكمية".
ضحك كيفاموس: "بالطبع لا. لقد بعنا قدراً لا بأس به من الفحم، لكنَّ الباقي أتى من بيع الفراء التي خزَّناها في الشتاء. كانت كثيرة"، وأردف محاولاً تحويل دفَّة الحديث: "فلحسن الحظ سارت الأمور معنا على ما يرام".
عقب أوستايمو موافقاً: "أه، هذا منطقي. غير أنَّ الأمر سيستغرق فراء كثيرة..."
أجاب دوفاس: "أه، امتلكنا فروة أديزي هنا أيضاً. وهي التي غطَّت معظم المبلغ".
هزَّ أوستايمو رأسه: "انتظر، فروة أديزي؟ هل تمكَّنتم حقَّاً من قتل أديزي هنا؟ نادراً ما تُرى تلك المخلوقات قرب مساكن البشر، مع أنني لا أظنُّني مفاجأ بحدوث ذلك في موقع تيرانات".
حكَّ ذقنه هُنيهة ثم تنهَّد: "مع كرهي لقول هذا، فلن يغفر لي الكونت إن لم أحاول شراء تلك الفروة من أجله. إنَّه مولع بها، رغم عجزه عن تحمُّل ثمنها في الوقت الراهن. غير أنَّني أُفضِّل ألا أغامر برقبتي خشية أن يكتشف عدم محاولتي شرائها".
هزَّ دوفاس كتفيه: "لا زال علينا تسليم الفروة إلى التاجر، لكنَّنا أبرمنا صفقة لبيعه إياها بالفعل".
أصرَّ أوستايمو: "لا بأس. بكم بعتموها؟"
"امم... اثنتين وثمانين قطعة ذهبية".
"اثنتان وثمانون... إذن... أتبيعونها لي بخمس وثمانين؟"
عرض جامع الضرائب.
"لا...؟ أعرض عليكم تسعين قطعة ذهبية! لا شك في أنَّ الكونت سيوافق على دفع هذا المبلغ، حتَّى لو اضطر للاستدانة - مع أنَّ البارون زوريكوس قد يكون أسعد الناس حينها - إذ سيكون هو من يمولها بفوائد باهظة في النهاية. ما رأيكم؟"
تردد دوفاس: "لكن..."، والتفت نحو كيفاموس.
فكَّر في الأمر لحظة. لم يكن طلب استرجاعها من بيداسو أمراً مثالياً، لكنَّ أحداً لم يرد المجازفة بإغضاب الكونت في هذه اللحظة، ولا سيما لأمر بسيط كهذا. أدرك أنَّ التاجر سيتفهم الأمر، رغم احتمالية طلبه ثمناً أعلى.
وأومأ أخيراً برأسه: "حسناً إذن. سنشتريها من التاجر ونبيعها لك".
ابتسم أوستايمو: "هذا مريح... سأدفع ثمنها فور تسلمي للفروة".
أومأ كيفاموس: "متفق عليه".
لن يربحا سوى ثماني قطع ذهبية إضافية على الأكثر من هذه المعصفة، إذ سيذهب معظم الذهب البالغ تسعين قطعة إلى سداد دين التاجر. ومع ذلك، فالذهب ذهب، وقد يسعد الكونت برؤية تلك الفروة أيضاً، رغم ما يُثيره ذلك من قلق حيال مستقبل سينران إن استمرت الأمور على هذا المنوال.
نهض دوفاس: "ما زال تحميل الفحم جارياً على عربات بيداسو في الخارج. سأذهب لأرى إن كان هناك، لعلي أطلب منه إلغاء بيع الفروة".
وغادر قاعة القصر بعد إيماءة موافقة من كيفاموس.
ابتسم أوستايمو ببريق في عينيه: "حسنٌ، بما أنكم أتممتم دفع الضريبة كاملة، فلا سبب لدي لمواصلة مراجعة سجل الضرائب مرة بعد أخرى. سأتحدث إلى السير تويلاس، ونغادر صباح الغد".
تمنى كيفاموس: "أتمنى لك رحلة آمنة"، قبل أن يتذكر ما جرى للبارون السابق وذهب الضرائب المفقود على الطريق.
ولئلا يتكرر الأمر، بدأ يقول: "على قدر ما أضرَّ ذلك بماليتنا، لا زلت أقبل التبرير القائل بأنَّ البارون السابق عجز عن إيصال ذلك الذهب إليك أو إلى الكونت، ولهذا السبب طلبتموه منا مجدداً. بيد أنَّك هذه المرة - جامع ضرائب سينران - قد استلمت الذهب بنفسك، مما يعني انتفاء أي التزام علينا بدفع ضريبة العام الماضي. لكن ماذا لو حدث لك مكروه على الطريق؟ أتمنى ألا يحدث حقاً، ولكن تحسُّباً لتعذُّر إيصال الذهب إلى الكونت، كيف سنثبت دفعنا للضرائب؟"
ربت أوستايمو على جيبه: "سأمنحك إيصالاً بالطبع، ككل عام. سيحمل خاتم الكونت، ويمكنك إبرازه للُّورد إبيرتاس كدليل إن قُدِّر لي لقاء الملكة مبكراً".
تنفس كيفاموس الصعداء: "هذا مجد. انتظر، أليس حمل خاتم الكونت محفوفاً بالمخاطر إن حدث لك مكروه في الطريق؟ ماذا لو استغله أحدهم لإصدار وثيقة مزورة تخدم مآربه؟"
ضحك جامع الضرائب بخفة: "هذا ليس خاتماً يحمل صلاحيات الكونت الكاملة، كالذي يستخدمه اللورد إبيرتاس لإصدار أوامر خطية للآخرين. الخاتم الذي أحمله مجرد ختم فرعي منحني إيَّاه لأؤكد به سداد الضرائب كاملة، لا أكثر. لا يمكن استخدام هذا الخاتم لإصدار أيِّ أوامر أخرى باسم الكونت، سواء أكانت مزورة أم لا".
"هذا منطقي، ولكن مع ذلك، ماذا لو سرقه أحدهم منك في الطريق، أو انتزعه منك حال قتلك؟ ألا يمكنه استخدامه لإنتاج ورقة مزورة تُثبت دفعه للضرائب مع أنه لم يفعل؟"
ابتسم أوستايمو: "لا تقلق بشأن ذلك. يُصنع ختم جديد كل خريف لهذا الغرض، ويحمل نقشه سنة الحصاد التي يوثق دفع ضريبتها. والختم الذي أحمله استُخدم بالفعل لتأكيد سداد ضرائب البارونات والتجار الآخرين، وتيرانات هي الإقطاعية الأخيرة التي يُستخدم فيها. مع أنني أفهم مقصدك. سيكون قلقك مبرراً حتى في العام القادم، لكنَّ سرقته منّي لا تمكن السارق إلا من إثبات سداد ضرائب ذلك العام المحدد فحسب. لن تكون أداة يستطيع استخدامها مراراً وتكراراً".
وتابع جامع الضرائب: "باستثناء التّجار المقيمين داخل أسوار سينران، عادةً ما تُدفع الضرائب بقدوم البارونات إلى قصر الكونت في سينران - وفي هذه الحالة يتوجب عليهم تسليم الذهب للخزانة اولاً قبل أن أسلمهم إيصالاً مختوماً. غير أنه في حالات نادرة، يترتب عليَّ الذهاب بنفسي لتحصيل الضرائب إن تأخرت، كما في حالة تيرانات. هنا، لو سُرق الختم وحافظتُ أنا على ذهب الضرائب، أستطيع إيداعه في الخزانة وتأكيد السداد، وسنصمم ختماً جديداً بتصميم مختلف. أما لو سُرق الختم وذهب الضرائب معاً وكتب لي النجاة لأعود إلى الكونت، فسأصارحه بالحقيقة حول دفع الضريبة من عدمه. إن دُفعت، فلن يتحمل البارون أي التزام إضافي ويمكنه إبراز إيصاله، وإن لم تُدفع، فستظل الإقطاعية مدينة بها".
تمتم كيفاموس: "لهذا السبب كان علينا دفع الضريبة حتى وإن ذهب البارون السابق لدفعها..."، وأردف: "لم نكن نملك الإيصال فحسب!"
أومأ جامع الضرائب: "حقاً، هذا ما يوثقها".
وتابع: "في الحالة الأخرى، بافتراض موتي على الطريق وسرقة الختم وذهب الضرائب معاً، لن يستطيع أحدهم الادعاء لاحقاً بدفعه الضريبة عبر إبراز إيصال مختوم، إذ لا سبب معقول لامتلاكه إياه إن كنت ميتاً. سواء سرقوا الختم أو قتلوني في الطريق، فسيضمن الكونت نيلهم العقاب الذي يستحقونه في الحالتين، بينما يستطيع مسؤولو الخزانة تأكيد وصول الذهب إليهم من عدمه".
سخر كيفاموس. ستبقى المحاسبة معقدة دوماً، على الأرض أم في إيرانيتين. وحسبه اطمئنانه لوجود نظام سليم للتحقق من سداد الضرائب. انفتح الباب الخارجي ودخل كبير الخدم.
أبلغ دوفاس: "وافق بيداسو على رد فروة الأديزي بالثمن ذاته".
ثم أضاف: "كان متردداً ومتسائلاً عن كيفية عثورنا على مشترٍ هنا، إذ شك في قدرته على بيعها في سينران نفسها، لكنه وافق فور إخباره بأنَّ الكونت هو المشتري".
تنهَّد أوستايمو بارتياح: "يسرني سماع ذلك. إن جئتني بورقة رق، فسأحرر لكم الإيصال النهائي".
أومأ كيفاموس، وأشار إلى كبير الخدم لإحضارها.
ثم ضحك بخفة: "لا أطيق الانتظار لحيازة إيصال خطي بسدادنا للضرائب".
ابتسم أوستايمو: "صدقني يا لورد. أنا أتفهم تماماً. لا شيء أهم من الإيصالات!"
ضحك كيفاموس بصوت عالٍ. المحاسبون محاسبون أبداً، بغض النظر عن العالم الذي يعيشون فيه.