ضحك كيفاموس بخفة.
"ليست المحور الخشبيّ أو المطرقة الآليّة بحيّة بالطبع، لكن لا تقلق، سيكون هناك ذراع بسيطة لتغيير ما تفعله. سترى ذلك عندما تقرأ مخطط البناء. سنبني ناعورة ماء أخرى في المستقبل لنستخدمها أمام بوابة التصريف الأخرى، وبعد ذلك، يمكن نقل المطرقة الآليّة إلى هناك، واستخدام الذراع لأغراض أخرى".
قال تانيوك قبل أن يلتفت نحو الجنوب: "أرى ذلك..."، وأردف: "أظن أن عليّ الذهاب الآن. لم أتناول شيئاً منذ الفطور، لذا تطالبني معدتي بالطعام الآن".
تنهد كيفاموس متذكراً إعلان دوفاس الأخير بأنه لن تكون هناك سوى وجبتين لكل فرد في القرية في الوقت الحالي.
"بالتأكيد. امضِ قُدُماً إذن. لا تنسَ أن تأخذ ذلك المخطط من دارورا".
أومأ تانيوك برأسه وانحنى، ثم ابتعد ماشياً. قرر كيفاموس الاستدارة أيضاً رفقة دوفاس والحراس، عندما وقعت عيناه على مدخنة اللحم الوحيدة في الجهة الشمالية الشرقية، والتي كانت معطلة هذه الأيام بسبب نقص اللحم الخام لتدخينه.
تمتم قائلاً: "نحن بحاجة حقاً لشراء المزيد من الطعام، أتعلم؟ لا يمكننا المخاطرة حتى بإرسال حراسنا للصيد حتى زوال خطر الغارات، مما يعني أننا لن نحصل على لحم طازج في أي وقت قريب".
تنهد وأكمل: "أتمنى فقط لو كان لدينا المزيد من الذهب لشراء القمح بسهولة... لقد كان اضطرارنا لدفع الضرائب في الوقت ذاته الذي احتجنا فيه إلى الذهب للبذر وتخزين المؤن مجدداً بعد الشتاء ضربة حظ سيئة للغاية".
هزّ غورسازو رأسه.
"الأمر ليس وكأن بإمكانك قراره عدم دفع الضرائب ببساطة. بينما كان فيروي محقاً هذه المرة وقد لا يكون بمقدور فارس واحد فرض أي شيء علينا، لا يمكننا كسر الوضع الراهن والمغامرة بإرسال الكونت عشرة فرسان إلينا عقاباً لأخذ الذهب أو العبيد بالقوة".
بصق كيفاموس كلامه قائلاً: "لأي غرض ندفع الضرائب بحق الجحيم إذن؟ الطرق سيئة للغاية، والغابات خطرة كالمعتاد، ولا يمكننا حتى توقع أي مساعدة من الكونت أو فرسانه أثناء غارة تورهان! من يدري إن كان الكونت متواطئاً أيضاً مع زوريكوس الذي لابد أنه يُزبد رغوةً من شدة غيظه لقتلي والاستيلاء على إقطاعيتي".
تكلم غورسازو بحدة: "اهدأ يا كيفاموس! هذا ليس المكان المناسب للحديث عن أمر كهذا".
همس معلمه السابق، قبل أن يشير إلى قائد الحراس ليبعد الحراس مسافة ما. ما إن ابتعد الجميع عن نطاق السمع، حتى حدق فيه غورسازو مطولاً.
"مهما يكن ما يفعله الكونت، فهو يظل أعلى منك مرتبةً في هذه المملكة، وقد يُعدّ هذا النوع من الحديث خيانة عظمى حتى!".
التفت كيفاموس حولهما ملاحظاً أن الحراس قد مشوا أبعد وكانوا ينظرون إلى الأمام محاولين إعطاءهما مساحة، رغم أن بعض القرويين القريبين قد شرعوا في النظر إليهما بفضول بعد سماع صوته المرتفع.
تنهد قائلاً: "أنت محق..."
ورغم أنه كان يثق بالحراس ثقة عمياء ويعلم أنهم لن يوشوا به، فإن فقدان أعصابه لن ينفع أحداً.
بعد التأكد مرة أخرى من أنهما بعيدان عن الجميع، تابع غورسازو بصوت أخفض بكثير: "ليس لدينا أي سبب للاعتقاد بأن الكونت يريد قتلك، لكنني أدرك أنه من المرجح جداً أن يكون اللورد إبيرتاس في جيب زوريكوس أيضاً. هذا سبب أضافي يمنعنا من السماح لأي شخص آخر بسماع هذا النوع من الحديث منك. انطلاقاً من سلوك السير تويلاس، لا أظن أن زوريكوس يمتلك ما يكفي من نفوذ لدى فرسان سينران يأمره اغتيالك — ليس بعدُ على أي حال — ولكن إن لم تفعل دفع الضرائب أو إن وصل إلى مسامع سينران كلامك هذا، فلا يزال بإمكان البارون إقناع الكونت بإرسال حملة تأديبية إلى تيرانات، ونحن لسنا في وضع يتيح لنا مقاومتها بتاتاً. أنت تعلم ذلك!".
ألقى المعلم نظرة سريعة على الحراس.
"أنا لست خبيراً عسكرياً بأي حال، لكنني لا أظن أن دروع الفرسان الصفيحية ستتضرر بنشّابة قوس نشّاب، وهي ميزتنا الخفية الوحيدة. لقد صممتَ أقواس النشّاب بحجم صغير لتكون أكثر عملية. وكما أخبرنا السير دوفاس في الماضي، فإن أقواس نشّابنا ليست كالأقواس الثقيلة تلك في جيش الدوق المصنوعة لاختراق الدروع الصفيحية. لذا لا يمكننا فعل أي شيء إذا جاء عشرة فرسان لمهاجمتنا..."
رد كيفاموس ساخطاً: "لن يكون الأمر كذلك عندما نضع عقربة على كل برج مراقبة! لنرَ الفرسان يحاولون مهاجمتنا بعد ذلك!".
هزّ غورسازو رأسه.
"حتى لو نجحت العقارب في تخويف عشرة فرسان من سينران لثنيهم عن دخول القرية، فماذا عن بعد ذلك؟ سيطلب الكونت المساعدة فوراً من حصن أراغوسا الخاضع لسيطرة شقيقك تاريلوس. بحسب ما أخبرنا به دوفاس، قد يماطل اللورد تاريلوس عمداً في إرسال المساعدة إلى سينران في حال وقوع غارة من بينباز لإضعاف الكونت، ولكن إن سمع أن الكونت بحاجة إلى مساعدة ضدك وكان هناك سبب وجيه بما يكفي لذلك، أَتظن أنه سيتعرد في إرسال كامل قواته ضد تيرانات؟"
أطلق نفساً عميقاً وأكمل: "ليس لدي أي فكرة عن عدد الرجال المسلّحين الذين يعيشون في ذلك حصن، ولكن إن اعتبرته المملكة قوياً بما يكفي لمقاومة غزو واسع النطاق من بينباز، فيمكنك أن تتأكد تماماً من بإمكانهم سحق تيرانات كحشرة — مع العقارب أو بدونها".
قبض كيفاموس على يديه بقوة.
"أنت لست مخطئاً، لكنني أكرره يا غورسازو! أنا أكره هذا الشعور بالعجز! أولئك الأذناب النبلاء يستخدمون التهديد بالقوة لجعلنا نطيع رغباتهم لمجرد أنهم ما يُسمى برؤوسائنا، ويجعلوننا ندفع لهم ذهبنا الذي جنْيناه بعرق جباهنا، ولأي غرض! أريد فقط لشعبي وقريتي أن سُمح لهما بالعيش بحرية، لكن هذا أشبه بالإجبار على النجاة بينما حذاؤهم اللعين يضغط على حنجرتنا!".
هزّ رأسه بقوة وأردف: "هذه هي اللحظات التي أتمنى فيها لو أن الطبقة النبيلة لم تكن موجودة قط في هذا العالم، حتى لو كان ذلك يعني أنني لكنت عامياً هنا أيضاً".
ألقى غورسازو نظرة أخرى حولهما قبل أن يربت على ظهر كيفاموس.
"لا يمكنني تخلية كيف سيعمل عالم بلا نبلاء، ولكن على أي حال، هذا عالم مختلف. وسواء أكان ذلك للأفضل أو الأسوأ، أنت لم تعد تعيش على الأرض يا ستيفن".
ابتسم معلمه السابق وأكمل: "لكن لا تقلق، الجميع يعلم أنك تبذل قصارى جهدك من أجل تيرانات. هذا كل ما يمكننا تمنيه".
أخذ كيفاموس بضع أنفاس عميقة وأجبر نفسه على الهدوء. لقد جعله سماع ذلك الاسم يتذكر حياته على الأرض ويشتاق إليها أكثر.
نظر إلى غورسازو وقال: "مهما فعلت، لا يبدو الأمر كافياً أبداً... وسواء أكان ذلك إيجاد طعام كفي للقرويين، أو التعامل مع النبلاء الجشعين، أو الدفاع عن قريتنا من عصابة لصوص تلو الأخرى..."
أطلق نفساً حاراً وأكمل: "حتى بعد فعل كل شيء لشراء الطعام أو اصطياده في الأشهر القليلة الماضية، ها نحن عاجزون مجدداً عن إطعام الجميع ثلاث وجبات في اليوم! بغض النظر عما أفعله، يود دائماً كأن هناك مشكلة أكبر تلوح في الأفق في وجهنا..."
ابتسم معلمه وقال: "يُدعى ذلك حياة فحسب. كانت لديّ بعض الشكوك حول نواياك عندما أخبرتني بأصلك الحقيقي، لكنني متأكد تماماً بحلول الآن من أنك كنت تبذل قصارى جهدك لمساعدة الجميع هنا. وأنا متأكد من أن كل فرد يعيش في هذه القرية سيتفق معي، وسواء أكانوا عامين كالنُّجّارين وعمّال مناجم الفحم، أم عبيداً سابقين هايولا أو جوريك، أم حتى أبناء نبلاء مثل دوفاس".
أطلق غورسازو سخريته في زفير.
"في الواقع، ومع كل خبرتي في تدريس الآخرين ورغم اعتبار نفسي ملماً تماماً بمعايير هذا العالم، لو أنني نُقلت إلى عالم آخر مختلف تماماً عن الذي أعرفه، فلا أظن أنني كنت لأؤدي نصف ما أديته في تيرانات. لا يمكنني حتى تخيل مدى صعوبة الأمر، لكنك تبلء بلاء حسناً. أنت تؤدي عملك بشكل جيد حقاً. حتى وإن اضطررنا للتأقلم مع مطالب الكونت والنبلاء الأعلى مرتبة، فأنت لا تزال تساعد كل من حولك أكثر بكثير مما تدرك — وبأكثر من طريقة واحدة. أنا فخور بك يا ستيفن".
أخذ كيفاموس نفساً عميقاً مرة أخرى. ورغم أنه كان راشداً حتى عندما كان على الأرض، إلا أن شعوراً طيباً غمره لسماع شخص يقول إنه يبلء بلاء حسناً هنا. ألقى نظرة سريعة حولهما. كان القرويون قد واصلوا أعمالهم، وعاد المزيد والمزيد من العمّال إلى مباني البيوت الطويلة الآن. كان بعضهم يستخدم عربات اليد لجلب أكياس القمح من مستودعات القصر، بينما كان بعض القرويين المسنين شاحبي المظهر يجلسون على جذع معوجّ جره شخص ما إلى هناك ويتبادلون أطراف الحديث بمرح.
كان عدد من الأطفال يركضون ويضحكون بالقرب من هناك ويلعبون لعبة المطاردة، بينما بدا أن بعض الأطفال الأصغر سناً يستمتعون بوقوعهم الكثير وهم يلعبون على الأرجوحات المعلقة من شجرة بيلونا، ويبدون سعداء أكثر من أي شخص آخر. وكلما مرّ أحد القرويين بالقرب منه، كان يمنحه إجلالاً بانحناءة رأس، بينما انحنى بعضهم بعمق شاكرين إياه على هذا الأمر أو ذاك. هزّ رأسه أخيراً وابتسم.
"أنت محق يا غورسازو. نحن نؤدي بلاء حسناً، وقد قطعت تيرانات شوطاً طويلاً منذ الحالة التي وجدناها عليها قبل الشتاء. لا يزال هناك الكثير مما يتعين علينا فعله، بدءاً من ضمان عودة القرويين لتناول ثلاث وجبات في اليوم قريباً، لكنني أعلم أننا سنصل إلى هناك في الوقت المناسب".
حدق في القرية الصاخبة من حوله وأكمل: "أعلم أنني لم أختر هذه الحياة، لكنني أريد الاستمرار في بذل قصارى جهدي من أجل هؤلاء الناس. من أجل شعبي".
بادل غورسازو الابتسامة وقال: "أنا متأكد من أنك ستفعل".
قال كيفاموس وهو يشير لهودان لجلب الحراس: "لنعد إلى القصر الآن. لقد كانت النزهة للخارج فكرة جيدة حقاً. أظنني كنت أشعر بتوتر شديد فحسب بعد التعامل مع جامع الضرائب والفارس".
ضحك غورسازو بخفة.
"لا بأس بذلك، هذا يحدث للجميع. إنه يثبت فحسب أنك شخص طبيعي كباقي البشر، بغض النظر عن عدد العجائب والأفكار المعجزة التي يحملها عقلك في داخله".
ضحك كيفاموس بصوت عالٍ، مما فاجأ الحراس.
"ليست لديك أي فكرة يا غورسازو، ليست لديك أي فكرة..."
* * *
في وقت لاحق من المساء، وبعد أن عاد غورسازو إلى مباني البيوت الطويلة للتدريس، كان كيفاموس جالساً في قاعة القصر مع دوفاس، بينما كان بيداسو قد سلّم للتو مبلغ 532 قطعة ذهبية التي كان مدينًا بها لهم.
بدأ بيداسو حديثه بابتسامة واسعة قائلًا: "قبل أن أرحل يا سيّدي، لدي مفاجأة لك. لقد كدت أنسى أمرها بعد حماسة كل ما أريتني إياه اليوم".
أدخل يده في حقيبة جلبها معه، ثم سحب رقّاً طويلاً ملفوفاً وناوله إياه. فش كيفاموس الرقّ ثم ابتسامة تعلو وجهه. لقد كانت خريطة للقسم الجنوبي من مملكة رسلينور والمناطق المجاورة في سيلاريا. رُسمت يدوياً كما توقع، وبدا أنها لا تتضمن، خارج البلدات والمدن الكبرى، سوى مسح أساسي للغاية للأرض. لم تكن بشيء مقارنةً برؤية خريطة قمر صناعي على هاتفك يمكن تكبيرها وتمريرها بسهولة، لكنها ظلت أفضل بكثير من عدم وجود أي فكرة عما يحيط بتيرانات.
ناولها لدوفاس للاحتفاظ بها في مكان آمن حتى يحظى بمزيد من الوقت لدراستها، ثم نظر إلى التاجر قائلًا: "هذا رائع! لقد نسيت أنا أيضاً أن أطلب منك شراءها. من أين حصلت عليها؟"