من لندن إلى اللورد الفصل 303 — التفكير للمستقبل

اقرأ من لندن إلى اللورد الفصل 303 — التفكير للمستقبل باللغة العربية على مانجا تايم.

قال سير تويلاس محتدماً وهو ينهض ويده تطال مقبض السيف المعلق إلى خصمه: "أهذا تطاول أم جنون! سأجمع عائلتك بأسرها لأقطع أوصالهم جزاءً لتجرئك على تحدي نبيل من سلالة الكونت! أمثالك من الأوغاد يتساقطون تحت ضربات سيف كل يوم!"

كان الحارسان الواقفان في القاعة قد تقدما بخطى سريعة تحسباً لتفاقم الوضع، بينما نهض فيروي بدوره وهو يرمق الفارس بنظرات نارية. غير أن هودان — الذي يفوق الجميع طولاً وبنية — حشر ضخامته بين المرتزق السابق والفارس، دافعاً إياهما ليبتعدا.

رمق قائد الحراس فيروي الذي بدا مستعداً لاستفزاز الفارس مجدداً، وقال: "التزم الصمت!"

كان غورسازو ودوفاس قد تحركا للوقوف أمام كيفاموس في تلك اللحظة بصحبة الحراس الذين استلوا سيوفهم، بينما كان أوستايمو يحاول عبثاً جذب تويلاس إلى الوراء. فاجأ هذا التصرف الطائش من فيروي كيفاموس للمرة الأولى، في حين تصرف تويلاس تماماً كما توقع من نبيل في هذا العالم.

هدر بصوت جعلهما يسمران في مكانهما وخطا خطوة باتجاههما: "كفى! يا فيروي، تراجع فوراً! يا تويلاس، أبعد يدك عن سيفك على الفور وإلا أمرت بتقييدك وإلقائك في السجن لمحاولتك الاعتداء على نبيل رفيع. يا هودان، تأكد من تباععدهما."

وبينما أبعد هودان فيروي، بدا الأرتزق السابق متبسماً لسبب ما، بينما نزع تويلاس يده عن سيفه كمن مسه سمّ وأخذ يبرطن: "لكن... لكنني... لم أحاول مهاجمتك قط! أردت فقط تأديب هذا الوغد!"

أعلن كيفاموس: "حاولتَ إشهار سيفك على بعد خطوات معدودة مني. وهذا برأيي جرم يستوجب العقاب في محكمة أي نبيل. وأنا على يقين من موافقة الكونت لي في هذا الأمر. كبح غضبك، واذهب لتاخذ قيلولة أو ما شابه في غرفتك. أحاول أن أيسر لك المخرج، لكن هذا تحذيري الأخير."

حاول الفارس التمتمة مجدداً: "لكن... أنا لم حتى..."

ثم أطلق تنهيدة وأومأ برأسه. التفت كيفاموس إلى جامع الضرائب.

"تساهلت مع سلوك تويلاس الأجلف حتى الآن، لكن محاولة الاعتداء على حارسي تجاوزت الحدود. اصحبه إلى غرفته، وتحقق من هدوئه قبل أن يغادرها. سنتحدث في أمر الضرائب مساءً بعد أن يهدأ الجميع قليلاً."

أومأ أوستايمو قائلاً: "كما تشاء يا سيّدي،"

قبل أن يدفع الفارس برفق باتجاه الباب الداخلي. أمر هودان أحد الحراس بمتابعتهما وحراسة الغرفة. استدار تويلاس ملقياً نظرة غاضبة على فيروي قبل أن يغادر القاعة برفقة جامع الضرائب والحارس. وأُمر الحارس الآخر بمغادرة القاعة أيضاً وحراسة الباب من الخارج. ولما رأى أن الأمر انتهى مؤقتاً بلا إراقة دماء، رمق كيفاموس فيروي بنظرة حادة بعد إغلاق الباب.

"ما الذي كنت ترمي إليه باستفزاز الفارس بحق الجحيم؟ كيف لم تدرك أن تهديده فكرة سيئة؟ ليكن في علمك أن عليك شكر قبوله لخداعتي. أنت تعلم جيداً أن الكونت لا يملك سبباً يرجح كفتنا على كفة ابن أخته."

ابتسم المرتزق السابق — الذي لم يبدُ على وجهه أي أثر لرجل كان مستعداً للقتال حتى الموت منذ لحظات — وهو يجلس.

"كنت أعلم تماماً كيف سيتصرف إن قلت ذلك."

بدا الضيق على وجه دوفاس وهو يجلس على مقعد وثير برفقة الآخرين.

"إذن لماذا فعلت ذلك أصلاً؟ ألم ترَ أننا كنا نحاول التفاوض لخفض الضرائب؟"

ابتسم فيروي.

"سببان."

وأردف بصوت خفيض ليضمن ألا يسمعه أحد: "أولاً، لستُ على إحاطة بكل التفاصيل، لكنني أكاد أجزم أنه بعد حديثك مع بيداسو لساعات في غرفة مغلقة، قد جنيت ما يكفي من الذهب لدفع الضرائب الآن، عبر بيع..."

وألقى نظرة سريعة باتجاه الباب الداخلي.

"...تلك الأشياء. ومع ذلك، فحسب ما نقلة إليّ الحراس الذين يراقبون تويلاس، لا شك عندي في أنه كان يتحين الفرصة لاختطاف بعض العبيد، وخصوصاً الفتيات اللائي طالما رمقهن في القصر — سواء أدفعت الضرائب أم لا."

وأضاف المرتزق السابق: "حتى لو تعذر عليه إيجاد سبب رسمي لذلك لسدادك الضرائب كاملة، لربما حاول اختطاف النساء عند مغادرة القرية — ظناً منه أن أحداً لن يجرؤ على الوقوف بوجه فارس من سلالة نبيلة — وخاصة إن كان ابن أخ الكونت. أما الآن؟"

أصدر فيروي صخباً بأنفه.

"لقد رأى بنفسه كيف يستعد شخص من عامة الناس كمثلي وحراس آخرون للقتال دونه نداً لند. وسيعطيه هذا مبرراً كافياً ليتشكك في قدرته على انتزاع بضعة عبيد بالقوة، لا سيما حين يدرك جلياً عدد الحراس الموجودين في القصر حالياً. صدقني، سيضع ذلك في حسبانه من الآن فصاعداً."

عقد كيفاموس حاجبيه ناظراً إلى دوفاس.

"أهذا أمر معتاد؟ أعلم أن نبلاء هذه المملكة لا يرف لهم جفن في أمر العبيد، لكن أكان تويلاس ليحاول حقاً أخذهم قهراً؟"

هزّ ناظر القصر كتفيه.

"لا علْم لي به شخصياً، لكن بعض النبلاء يُعرفون باختطاف العبيد بالقوة أحياناً، خصوصاً إن ظنوا أنهم سينجون بفعلتهم. وحتى إن اضطروا لاحقاً لدفع ثمن العبد لذويه، فسيكون الأوان قد فات على مسكين كتب عليه شقاء العبودية أغلب عمره."

وهزّ رأسه على مضض.

"لو كان البارون السابق لتيرانات يحكم هنا اليوم، وحاول تويلاس اقتياد امرأة عنوة كأمة، لهبّ أحدهم من القصر لتحذير البارون، بيد أن الذهب أغلى عند النبلاء بمراحل من حياة العامي. وحينها، لرجح جداً أن يكتفي البارون بهز كتفيه وإرسال رسالة لتسديد ثمن العبد كاملاً إن لم تكن أمة خاصة به."

سأل هودان بحيرة: "أليس مقام البارون أعلى من الفارس؟"

أجاب ناظر القصر: "بلى، لكن هذا الفارس تحديداً ابن أخي الكونت، ويتمتع بمرونة في التصرف تفوق باقي الفرسان. ولم يكن البارون السابق ليحرج الكونت باتهام ابن أخيه بسرقة أمة. بل الأرجح أنه كان سيطالب بمبلغ أكبر مقابل التكتم على الأمر، ممّا يرضي الفارس ويبعد البارون عن سخط الكونت."

هز كيفاموس رأسه مقززاً. أهكذا يسلك النبلاء أولو البأس؟ أكانت حياة العامي مجرد أكوام من الذهب في أعينهم؟ طرد هذه الفكرة من ذهنه والتفت إلى فيروي.

"ذكرت سببين. ما السبب الآخر؟"

هز المرتزق السابق كتفيه.

"الأمر برمته يمنحك موقفاً تفاوضياً أفضل يا سيّدي. فرغم أنك أخبرت الفارس جهاراً بأنك لن تمنحه عبيداً لتغطية أي عجز في الضرائب، فامتلاكك اليوم لسلاح الشكوى للكونت على خلفية إشهار سيفه بوجهك يجعله أكثر ميلاً لمنحك مهلة إضافية لدفع الضرائب ليضمن صمتك."

أعاد كيفاموس قوله: "لا يملك الكونت أي سبب يرجح كفتنا على ابن أخته..."

كان دوفاس يفرك لححيته البيضاء القصيرة.

"في الواقع، قد يكون فيروي مصيباً هنا. ومع تزايد جرأة بينباز في الشرق، يحتاج الكونت لدعم كافة البارونات التابعين له — تحسباً لتفاقم الغارات. أعلم أن المودة مفقودة بينك وبين الكونت، فهو يراك امتداداً لتجاوز الدوق لسلطته بتعيينك مباشرة، لكن الصفح السريع عن ابن أخته الذي شهر سيفه بوجه باروناته ليس خياراً موفقاً له، أحبك أم كرهك. فذلك سيأجج مشاعر السخط لدى البارونات والنبلاء الآخرين، وهو ما لا يبتغيه الكونت مع تلويح الحرب في الأفق."

هتف كيفاموس ناظراً إلى فيروي بدهشة: "هذا منطقي بالفعل... أحياناً... يفاجئني مدى بعد نظرك. أظن عليّ أن أتعلم ألا أشكك في قراراتك بعد الآن."

ابتسم المرتزق السابق.

"أبذل قصارى جهدي لمساعدة القرية فحسب، ألا تعلم؟"

أطلق هودان نفساً صاخباً.

"أتساءل أحياناً عمن تكون حقاً... هاه! لا يهم على أي حال. أنا سعيد لوجودك في صفنا فحسب."

سأل دوفاس: "أعتقلك أن علينا استغلال هذا لتأجيل بعض الضرائب؟"

فكّر كيفاموس في الأمر ملياً.

"لا أظنها فكرة سديدة. فالأرجح أن تويلاس قد أُرسل إلى هنا ليكون بمنأى عن غارات البينبازيين في الشرق بصفته ابن أخي الكونت، مما يعني أنه المرجح لقدومه هنا لتحصيل الضرائب للسنوات القليلة القادمة على الأقل، إلى أن تندلع حرب جديدة أو تتبدد الغارات. ولهذا لن يفيدنا تهديد تويلاس مستقبلاً، سيما وأننا لا نضمن عقاب الكونت له بناءً على كلمتي وحدها في مواجهته. وبناءً عليه، وحيث إننا قادرون على سداد الضرائب كاملة، فأرغب في طوي هذا الملف وإبعاد أوستايمو والفارس عن تيرانات لئلا يجدوا مبرراً للعودة حتى الخريف — حيث يتوجب علينا دفع ضرائب العام."

وهز كتفيه مضيفاً: "كان ادخار بعض الذهب أمراً حسناً، لكننا سنضطر لدفع المبلغ المتبقي خلال أسابيع على أية حال، لعدم احتمال طول المهلة إن وُجدت. لذا، فسواء دفعنا الضرائب كاملة الآن وسددنا للتجار خلال أسابيع، أو ادخرنا بعض ذهب الضرائب لنقضي دَين التجار الآن وندفع ما تبقى من الضرائب لاحقاً، فالأمر سيان بالنسبة إلينا، إذ يلزمنا دفع كل الذهب المستحق خلال الشهر القادم. غير أن لدينا ما هو أهم لنخفيه عن الفارس والكونت، وهو ما يصعب إن عاودوا زيارة تيرانات لتحصيل ما تبقى من الضرائب."

ألقى نظرة على الباب الداخلي ليتأكد من إغلاقه، وتابَع بصوت أخفض: "مثل الدواء والورق اللذين لا نحتمل علم تويلاس بهما ورفعهما للكونت. وينسحب الأمر ذاته على النشاب والعرّادات التي أنوي صنعها — وكلاهما محظور غالباً على من هم خارج حصن أرغوسا — فضلاً عن أمور أخرى مستقبلاً. لذا فالأفضل سدادها بالكامل الليلة ليتسنى لهم الرحيل غداة اليوم ونعود لحياتنا الطبيعية حتى أواخر الخريف. فنحن نملك ما نخسره إن اكتشفوا أمر هذه الأشياء في مقابل مهلة أسابيع معدودة للضرائب."

أومأ دوفاس: "أوافقك الرأي. وما إن يسلمنا بيداسو الذهب المساء، حتى نفي بكل ديوننا لأوستايمو."