بدأ كيفاموس بعد أن وعد التاجر بكتمان السر، قال: "بدل دفع ثمن الحديد وتلك الحاجيات بالذهب، نودّ مقايضتكم بأشياء أخرى".
وافق بيداسو، قال: "طبعاً، يناسبني هذا تماماً. ماذا لدىكم؟"
تولّى دوفاس المقايضة، قال: "لدينا فرو عالي الجودة اصطاده صيادونا في الشتاء، وحتى جلد أدزي".
همس التاجر: "جلد أدزي؟ كيف أفلحتم في ذلك، خصوصاً في غياب فارس هنا... في الواقع، دعنا نرجئ هذا لوقت لاحق".
حكّ رأسه الأملس لهيهة.
"أعتقد أنني أستطيع منحكم سعراً جيداً للفرو. مع أنه فصل الصيف، يظل الطلب عليه قائماً في سينران، إذ يحاول فروّيوها المحليون دائماً تجهيز بعض معاطف الفرو الجديدة قبل الشتاء القادم لينفق عليها النبلاء المحليون ببذخ خلال الأشهر الأبرد".
قطب بيداسو حاجبيه، قال: "مع ذلك، أما جلد الأدزي... فسيكون تداوله أكثر صعوبة بكثير، خصوصاً في سينران. يُباع جلد الترف ذاك بثمن أعلى بكثير من أي فرو عادي، ولا يقدر على شرائه سوى النبلاء الأثرياء حقاً، إما لصنع بضعة معاطف فرو فائقة الجودة لاستعراض ثرواتهم، أو لاستخدامه بسطةً يتباهون بها أمام زائريهم. ولهذا ما لم يرده الكونت لنفسه، لا أظن أن هناك أحداً غيره يستطيع شراءه في سينران. بالطبع، ما زلت قادراً على أخذه معي إلى أولريغا، حيث يوجد ما يكفي من النبلاء الأثرياء القادرين على شرائه مني".
تمتم كيفاموس: "بمقدور زوريكوس شراؤه يقيناً..."
ولم يترأى له قط أن يجعل ذلك اللعين يشعر بالثراء بفضل شيء أتى من دم وعرق حراس تيراناتي ممن قاتلوا ذلك الوحش وقتلوه.
"كم ستكون قيمة هذه؟"
نقر بيداسو بإصبعه على مسند المقعد وهو يتأمل.
"تكلف الملابس الكتانية العادية عادة أجر شهر لعامل في سينران، وهو ما يطابق نحو ثلاثين فضيّة. لكن معطف الفرو يُباع بثقيلة أعلى بكثير، ولهذا لا يستطيع تحمل كلفته سوى النبلاء والتاجر الأثرياء. استناداً إلى جودته، قد يُباع معطف الفرو الواحد - والذي يتطلب ربما أربعة أو خمسة جلود ذئب بحجم جيد - بما يتراوح بين اثني عشر إلى خمسة عشر ذهبية، وهو ما يعادل تقريباً أجور خمسة أشهر لعامل".
تابع التاجر: "من ناحية أخرى، يُعد جلد الأدزي سلعة فريدة، ولا يظهر سوى مرة كل عام تقريباً. كما أن الأدزي أكبر بكثير من الذئب، لذا فإن جلده أضخم هو الآخر، مما يتيح صنع معطفين أو ثلاثة معاطف فرو عالية الجودة منه، ما لم يرده المشري بسطةً. أظن أنني أستطيع بيع جلد الأدزي الخاص بكم بخمسة أضعاف ثمن معطف فرو جيد على الأقل. يعني هذا أن بمقدوري شراءه منكم مقابل، أه... سبعين ذهبية، لأتمكن من محاولة بيعه بأكثر من ثمانين ذهبية".
نظر كيفاموس إلى دوفاس ولم يطق صمتاً حيال تلك الذهبّيات السبعين التي ستكفي لدفع ضرائبهم بسهولة.
قال: "يبدو هذا حسناً، لكن دوفاس سيتولّى تسعير صفقاتنا بدقة لاحقاً اليوم. فلننتقل إلى ما بعده. تلك كانت بضاعتنا التي يمكننا بيعها لأيّ تاجر، لكني فضّلت الانتظار لنجري التجارة معك نظراً لعلاقتنا الطيبة".
وأومأ التاجر بامتنان، فتابع كيفاموس: "السلعة التالية أكثر خطورة في تجارتها بكثير. دعني أريك إياها أولاً. دوفاس، ألا تفعل؟".
أومأ كبير الخدم وخرج من القاعة عبر الباب الداخلي. ولم يلبث أن عاد حاملاً بضع صفحات ورقية بيد، وقليلاً من المسحوق المحمرّ في وعاء خشبي باليد الأخرى. أبقى كيفاموس الوعاء قريباً منه الآن، وناول الأوراق إلى بيداسو.
وقال: "لدينا مخزون قليل من هذا الورق للبيع. أعلم أن الجودة قد تكون أفضل بكثير، لكن هذا ما لدينا حالياً. ما رأيك فيه؟".
قلب التاجر الأوراق يمنة ويسرى قبل أن يرفع بصره.
وقال: "لم يُنصف من باعك إياها وصفها حق الإنصاف. بالطبع، هذه بعيدة كل البعد عن أجود أنواع الورق التي رأيتها، لكن غالبها يظل فوق المتوسط. بل إن بعض هذه الصفحات ذات جودة حسنة حقاً، وأنا متأكد من إيجاد مشترين لها في أولريغا. سترغب بيوت نبيلة عديدة في استخدامها لحفظ حساباتها. والأمر سيّان بالنسبة إلى التجار الذين سيعشقون مادة كتابة أرخص من الرقوق — هذا إن بعتني الورق بسعر أرخص منها بالطبع".
قال كيفاموس بدهشة بالغة: "مهلاً، هذا ورق جيد الجودة؟".
لم تكن هناك جدوى من مقارنة جودة هذا الورق البدائي الذي صنعوه هنا بأي ورق ذي مستوى لائق والمتوفر بسهولة على الأرض، لكنه بدا له أبعد ما يكون عن الجودة الطيبة.
واستحضر شيئاً من ماضيه في هذا العالم، فتعجّب: "أنا متأكد تماماً من أن الورق المستخدم في الكتب التي طالما قرأتها في مكتبة قصر أولريغا كان أعلى جودة بكثير من هذا".
أطلق بيداسو سخريّة خافتة.
وقال: "تلك هي مكتبة الدوق الشخصية! بالطبع ستضم ورقاً فائق الجودة. على الأرجح، فإن أي مكتبة شخصية يملكها ملك رسلينور ستزخر بورق أفضل لكتبه، لكن تلك مقارنة ظالمة حقاً. إن أجود أنواع الورق التي تصنعها نقابات بلومرون تذهب دائماً إلى دوقات المملكة والملك أيضاً، وما ذلك بشيء يطيق كبار النبلاء أو التجار الآخرون اقتناءه".
أومأ كيفاموس ببطء.
وقال: "هذا منطقي".
وتابع بيداسو: "ربما تعلم مسبقاً أن أغلبية التجار والنبلاء يفضلون الرقوق — وأنت منهم بناء على ما اشتريته مني قبل الشتاء — نظراً لكونها أرخص من الورق في مملكتنا، لكن لو تمكنوا من الحصول على هذه الجودة من الورق بالثمن ذاته، فلا شك عندي في أنهم سيتحولون جميعاً لاستخدامه بدلاً منها".
هزّ التاجر كتفيه.
وقال: "تلك فكرة عبثية على أي حال، إذ يستحيل على نقابات بلومرون صنع ورق جيد الجودة بكميات كافية لتلبية احتياجات كافة تجار المملكة ونبلاءها، ولهذا لا يُباع بسعر رخيص ويضطر الجميع لاستخدام الرقوق".
قطّب بيداسو جبينه.
وقال: "مهلاً، ظننت أنني آخر تاجر يصل إلى تيرانات قبل أن يسدّ الثلج طريق الشمال الشتاء الفائت... أفتكون قد اشتريته من أحدهم في قيرنوس؟ لعلّها وسائط من تاجر بحر زائر باعها بسعر زهيد، ولهذا تود إعادة بيعها لتحقيق بعض الربح؟".
ابتسم كيفاموس بتهكم.
وقال: "هذا هو السر الذي رغبت في التكتم عليه. لقد صنعناه بأيدينا. هنا في تيرانات بالذات".
رمش بيداسو بحيرة قبل أن يشرع في الضحك.
وقال: "تلك مزحة ظريفة يا مولاي. لكني أعلم علم اليقين أن ورقاً بهذه الجودة في رسلينور لا يُنتَج إلا عبر نقابات بلومرون. يحرس أولئك الحرفيون أسرارهم بغيرة شديدة، سواء تعلق الأمر بصنع الصابون الفاخر، أو الورق عالي الجودة، أو حتى سائر اصنافهم الخاصة".
هزّ كتفية.
وقال: "إن لم تكن قد اشتريته منهم، فالطريقة الوحيدة للحصول عليه هي عبر تجار البحر الزائرين في قيرنوس".
ضحك بخفة.
وقال: "لا تقلق يا مولاي، لا داعي للتفاخر بما يستحيل حدوثه".
ضحك كيفاموس بصوت عالٍ.
وقال: "أنا متأكد أنك ستصدقني إن أريتك عملية صنع الورق بأسرها هنا، لكن ذلك يتطلب مستوى آخر تماماً من الثقة بيننا. لذا، فربما في المستقبل. أما الآن، فسيتعين عليك الوثوق بي فحسب".
هز بيداسو رأسه بعدم تصديق.
وقال: "سأطالبك بوعدك هذا يا مولاي. أنا تاجر أثق بعينيّ لا بأذنيّ، ولن أقبل ادعاءك حتى ألمس الدليل عياناً. لكن هذا لوقت لاحق. في الوقت الحاضر، لا زلت أستطيع منحك سعراً مجزياً لهذه الصفحات الورقية مهما كان مصدرها".
"حسنٌ. سيتولى دوفاس تفاوضك حول تفاصيل الأسعار لاحقاً".
وتابع كيفاموس: "مع ذلك، فإن السبب الذي دفعني لطلب كتمانك للسر آنفاً هو أنني لا أرغب في كشف تيرانات كمصدر له، وسواء صدقتني الآن أم لا. إننا ننتج هذا الورق بانتظام بمعدل يتراوح بين صفحتين وثلاث يومياً، لكن خطتي ترمي إلى مضاعفة إنتاجه كثيراً في المستقبل. إن استطعت بيع هذه دون إثارة رياب أي مشتري بشأن مصدرها، فأنا مستعد لجعلك وكيلنا الحصري له. وأجزم أنك تتخيل حجم الأرباح إن وافقت".
بدا بيداسو غارقاً في التفكير قبل أن يتكلم.
وقال: "أنت تريد مني في الأساس تصريف باعة مسروقات... هممم... إن بعت بضع صفحات ورقية وحدها فلن يسأل أحد عنها، أما إن كنت تنوي فعل ذلك بانتظام وعلى نطاق أوسع بكثير، فسيتعين عليّ نسج بعض العلاقات الجديدة".
وتابع بعد لحظة تفكر: "مهلاً، أظنني أدرك ما يجب فعله. أعرف تاجراً في أولريغا يستورد البضائع بانتظام من تجار البحر الزائرين. إن جعلته شريكاً سرياً في الأمر، فسأشتري الورق منك لأبيعه له، وبدوره يبيعه موحياً بأنه اشتراه من سفينة زائرة تتبع بلداً آخر. لن يثير ذلك رياب أحد — إلى أن تبدأ نقابات بلومرون بالتدخل بعد أن تلمس تراجع أرباحها، لكن ذلك سيستغرق وقتاً طويلاً، لذا أعتقد أن هذه الخطة ستفلح حتى ذلك الحين".
وافق كيفاموس قائلاً: "تبدو تلك فكرة سديدة"، مسروراً بأن هذا التاجر المختص يملك علاقات في أماكن شتى.
"سنبيعك كل ورقنا هذه المرة، وهو ليس بالكثير، لكن بعد شهر أو شهرين تقريباً، سنكون قادرين على رفع إنتاج الورق بشكل كبير. رغم أنه في تلك الحالة قد يتوجب عليك إنفاق بعض المال لجلب المزيد من العربات معك في المستقبل".
ابتسم بيداسو بعرض وجهه.
وقال: "إنها أمنية كل تاجر جوّال، تكبير قافلته ومضاعفة أرباحه عبر ذلك. أظنني قادراً على تدبر الأمر".
ضحك كيفاموس بخفة.
وقال: "أنا متأكد من قدرتك".
وأضاف: "وأخيراً، لدي منتج أخير لأعرضه عليك".