أومأ كيفاموس برأسه نحو أوستايمو.
"بما أنك مغادر للقصر، ربما تكون فكرة سديدة أن اصطحاب الفارس معك للاحتياط، للسلامة فقط".
أطال جابي الضرائب النظر إليه برهة.
"أهذا بشأن ذلك التاجر الذي وصل للتو؟"
كتفى كيفاموس بابتسامة عريضة، بلا أي إجابة.
"ستكون نزهة مدتها ساعة مفيدة لك، وإن رغبت في منح عينيك بعض الراحة بعد التدقيق الطويل في أرقام الضرائب فخذ ساعتين كاملتين. أنا واثق أن السيدة هيلغا ستعد غداءً شهياً بحلول وقت عودتك".
ضحك أوستايمو بخفة وهو يقف.
"أنت رجل داهية يا سيلي. سأذهب لأبحث عن السير تويلاس. سيكون مشيه مفيداً بعد شرابه البارحة".
وما إن بلغ الباب الداخلي حتى التفت خلفه قبل فتحه وابتسم بتهكم.
"أراهن أن منظر أبراج المراقبة سيعجبني بما يكفي لرغبتي في البقاء هناك حتى وقت الغداء".
ضحك كيفاموس بينما غادر جابي الضرائب القاعة، وشعر بارتياح لأن أوستايمو قدم إلى هنا برفقة الفارس لتحصيل الضرائب. من يدري كم كان إنجاز أي شيء سيغدو صعباً لو اقتصر الأمر على تويلاس وحده.
* * *
لم يضطر كيفاموس ومدير الخدم إلى الانتظار طويلاً حتى فتح الباب الخارجي مجدداً، وسمح حارس للتاجر البدين بالدخول.
"بيداسو!"
رحب به بحماس.
"لقد طال الغياب منذ آخر لقاء!"
بدا بيداسو متفاجئاً للحظات من هذا الترحيب الدافئ، سرعان ما تبعه بابتسامة واسعة.
"كان صابر طويلاً خلال الشتاء لنستأنف التجارة، أوافقك الرأي. في الواقع، كنت لأصل هنا البارحة، لكن إحدى عربتيَّ تعرضت لانفلات عجلة على الطريق الشمالي، فاضطررنا لقضاء ليلة أخرى هناك. مع ذلك، يسعدني رؤيتك بصحة جيدة يا سيلي. وأنت أيضاً، سير دوڤاس".
أشار كيفاموس إلى مقعد ذي مسندين خالٍ قرب مدير الخدم.
"تفضل بالجلوس. لدينا الكثير لنتحدث فيه".
جلس بيداسو بالقرب منهما، وبادر بالقول: "يجب أن أقول يا سيلي، بعد تعاملاتنا التي سبقت الشتاء، فهمتك جيداً لدرجة توقعت معها حدوث بعض التغييرات في القرية بحلول عودتي، لكنني حقاً لم أكن أتوقع رؤية ما رأيته بالخارج. سور خشبي متين يحيط بالقرية بأكملها، وأبراج مراقبة تقام الواحد تلو الآخر، وكتلة مبنى طويل ثانية اكتملت بالفعل في الشمال إلى جانب قنوات تصريف جديدة، ومدخنة لحم جديدة في الشمال الشرقي... بينما تبدو داخلية القصر مكتظة بالحراس. إنه لأمر مذهل حقاً. وأنا متيقن أن ثمة تغييرات أخرى لم ألحظها بعد".
ابتسم كيفاموس بتهكم.
"بالتأكيد هناك غيرها، وأنا واثق من أننا سنجد الوقت لمناقشتها اليوم".
سأل بيداسو باهتمام: "بالمناسبة، لقد رأيت فارساً يغادر القصر برفقة رجل مسن عند وصولي. أكنت قادراً حقاً على استئجار فارس لتيرانات؟ سيكون ذلك بالغ النفع لهذه القرية".
ضحك كيفاموس.
"لا، أبداً. إنه يزورنا فقط قادماً من سينران لمرافقة جابي الضرائب الخاص بالكونت. ليس بمقدورنا تحمل تكلفة فارس متقاعد حتى في الوقت الحالي".
هز بيداسو كتفيه مستدركاً: "مع ذلك، نظراً لمدى تحصين القرية الجيد الآن، ومع وقوف الرماة مستعدين على أبراج المراقبة، أجزم أنك لن تحتاج حتى إلى فارس لحماية قريتك".
ابتسم كيفاموس بخبث، محتفظاً بمعرفة وجود النشاب لنفسه في الوقت الراهن.
"حسنل، حان وقت الحديث عن التجارة. قل لي، ماذا حملت معك هذه المرة؟ أقمح في كلا العربتين؟"
هز بيداسو رأسه نفياً.
"ليس هذه المرة يا سيلي. لقد تأخرت قليلاً في رحلتي من قريتي القريبة من أولريغا إلى سينران بعد انقضاء الشتاء، لذا أدركت أن تريڤالو أو أي تاجر آخر سيكون قد جلب ما يكفي من القمح بحلول الآن. هؤلاء هم من يتولون عادة مقايضة الفحم بالقمح في هذه القرية، بينما اعتدت أنا جلب الأدوات الحديدية وأي سلع خاصة أخرى كان البارون السابق يرغب فيها لنفسه. لماذا؟ ألم يصل أي تاجر إلى هنا بعد؟"
أجاب دوڤاس: "في الحقيقة، وصل تريڤالو إلى هنا البارحة فحسب. لقد وفر بالفعل كمية جيدة من القمح، مع أننا سنحتاج المزيد مستقبلاً، نظراً لاضطرارنا لاستخدام جله بذوراً في الوقت الحالي".
ضحك بيداسو قائلاً: "أظن أنه كان قراراً صائباً ألا أجلب أي قمح إذن"، ثم اتسعت عيناه.
"مهلا، أبدأتم حقاً بالزراعة هنا؟ لقد سمعت شائعات عنها في ساحة السوق آخر مرة زرت فيها هذا المكان، لكنني لم أكن أدري إن كان الأمر قابلاً للتحقق حقاً في قرية تحيط بها غابات كثيفة كهذه".
ابتسم كيفاموس.
"جعلناه قابلاً للتحقق، وبدأ المزارعون البذر بالفعل. إذن، ماذا تحمل في جعبتك؟"
ابتسم بيداسو بتهكم: "أعتقد أن ما جلبته سينال إعجابك. لقد ارتفعت أسعار القمح لتتجاوز خمس قطع ذهبية للكيس الواحد بحلول الآن، مما يعني انخفاض أسعار سلع أخرى، ومن ضمنها الحديد. وهذا بالتحديد ما تحويه عربتاي هذه المرة. لعل هذا سبب انفلات إحدى العجلات البارحة. إن حمل هذا القدر من سبائك الحديد يجعل العربة ثقيلة للغاية على الخيول لجرها بسهولة على ذلك الطريق الوعر".
"الحديد، هكذا إذن؟"
هز كيفاموس رأسه في ذهول. هذا تحديداً ما كانوا بحاجة إليه الآن - بعد القمح بالطبع. كانت الأمور تسير على ما يرام حقاً بالنسبة لتيرانات، بمعزل عن مطالبات الضرائب المتزايدة. قطب التاجر حاجبيه.
"ألا تريده؟"
ألقى دوڤاس نظرة خاطفة على كيفاموس قبل أن يشرع في الضحك.
"ألا يحتاج اللورد كيفاموس إلى الحديد للقرية؟"
ثم استغرق في الضحك بصوت أعلى، وانضم إليه كيفاموس.
وما إن هدأ مدير الخدم قليلاً حتى هز كتفيه: "مع سير الأمور في هذه القرية، أكزم أن السماء ستسقط قبل أن تستغني تيرانات عن الحديد".
ابتسم بيداسو.
"يسعدني سماع ذلك. أسعار الحديد منخفضة نسبياً هذه الأيام، لذا أنا واثق من رغبتكم في تكديس مخزون منه. سأحرص على جلبه مجدداً المرة القادمة".
أومأ كيفاموس، دون أن يأتي على ذكر أنه مع تصاعد التوترات مسبقاً مع بينباز في الشرق، بدا وكأن حرباً تلوح في الأفق. لم يكن لديه أدنى فكرة عن المدة التي ستستغرقها لندلع، إذ كان احتمال مضايقة فرسان البنباز للمزارعين في شرق سينران وارداً جداً. بيد أنه شعر وكأنهم شرعوا في اختبار دفاعات رسلينور منذ الصيف الماضي. يعني هذا أن حرباً جديدة قد تندلع هذا الصيف، أو ربما تستغرق عاماً أو عامين آخرين، أو ربما أطول.
لم يستطع أحد الجزم بيقين، لكن في كلا الحالين، يعني ذلك تصاعد الطلب على الأسلحة والدروع بلا شك مستقبلاً، مما سيؤدي بدوره إلى ارتفاع أسعار الحديد في مرحلة ما. توجب عليه ضمان شراء أكبر قدر ممكن منه ما دامت الأسعار منخفضة.
أجاب: "تلك فكرة صديدة. سنظل منفتحين دائماً على شراء سبائك الحديد. ماذا لديك أيضاً؟"
هز التاجر البدين كتفيه: "بعض السلع المتفرقة الأخرى. ملح في الغالب وبعض الجبن. ملابس كتانية جديدة لمن يحتاجها. بضع لفات من الحبال المتينة كذلك. غير أنني لم أجلب أي أدوات حديدية، لإدراكي بحلول الآن رغبتك في تصنيعها محلياً عوضاً عن شرائها من سينران".
قال كيفاموس، قبل أن يقرر أن الوقت قد حان لبعض الحديث الحساس: "هذا صحيح، وأعتقد أننا سنشتريه كله".
ألقى نظرة على الحواس الواقفين بالقرب وقرّر أن السلامة خير من الندامة. كان يثق بهؤلاء الرجال، وكانوا يعلمون مسبقاً جل ما ينوي الحديث عنه، لكنهم ما زالوا يجهلون الصورة الكاملة، وأراد للأمور أن تظل على هذا النحو في الوقت الراهن.
نادهم آمراً: "ليذهب أحدكم وليحرس باب القاعة من الخارج، وحتى يغادر بيداسو، لا تسمح لأحد بالدخول - سوى القاطنين في القصر".
والتفت إلى الحارس الآخر مردفاً: "وأنت، اذهب وقف قرب البوابات الرئيسية للقصر، وابقي عينك على الفارس. تعال وأبلغني لحظة عودته".
أومأ كلا الحارسين وغادرا القاعة لأداء مهامهم الجديدة. كان هذا مبرراً كافياً يكفي لكي لا يرتابوا في أنه يريدهم فقط خارج نطاق السمع - بينما سيسعفه استباق معرفة وقت عودة الفارس في تغيير دفة الحديث مع بيداسو إن لم يكونوا قد فرغوا من تعاملاتهم معه بحلول ذلك الحين. أعاد نظره إلى بيداسو إثر انغلاق الأبواب خلف الحراس.
"ما أنا بصدد قوله الآن شديد الحساسية ولا ينبغي لهذه المعلومات أن تغادر هذه الغرفة. أيمكنني الوثوق بك في هذا؟"
بدا التاجر مذهولاً لبرهة، قبل أن يشرع في الإيماء بحماس.
"بالطبع يا سيلي. التعامل التجاري معك مربح دائماً، وليس لدي أي سبب لخيانة ثقتك".
"جيد. احرص على بقاء الأمر كذلك، وإلا سيكتظ طريقك بنبلاء يلاحقون حياتك بحيث يصبح جني الأرباح آخر همومك".
بدا بيداسو متوتراً بعض الشيء، لكنه أومأ مجدداً.
"لا تقلق يا سيلي. ما زالت عائلتي وأطفالي بحاجة إلي، فحياتي أثمن بكثير عندي من الذهب، بغض النظر عن مدى حبي لتلك القطع الصفراء اللامعة".
وبدا واجماً الآن.
"أقسم بحياتي أنني لن أودع روحاً أخرى بما تخبرني به".
عقّب كيفاموس: "سأثق بك في ذلك. والآن، كما خمنت، ثمة تغييرات أخرى في القرية لم ترها بعد بالفعل. نبذل قصارى جهدنا لإخفاء هذه المعلومات عن جابي الضرائب وفارس الكونت، لذا فإن إطلاعك عليها يعرضني لمخاطر جمة هنا. فلا تجعلني أندم".