~ كيفاموس ~ كان المساء قد حل، وأوشكت الشمس على المغيب. وقف الآن يتأمل المخطط الهندسي للمجانيق الصغيرة الذي رسمه على الطاولة الطويلة في قاعة القصر. كان دوفاس جالساً بالقرب منه يعيد تدقيق سجل الضرائب، بينما انشغل فيروي وهودان بنقاش هامس. أما غورسازو فقد ذهب إلى غرفة أخرى ليعطي دروس المساء لسايرين، بعد أن عاد من مجمعات البيوت الخشبية وقدّم الدروس الأولية للجميع هناك.
قبل ساعة، عاد كيفاموس من الحقول بعد أن شرح لبينوتو وبقية المزارعين تفاصيل تشغيل آلات البذر وأذرع التحكم الخاصة بها. لقد أذهلهم سهولة التحكم بعمق البذر والمسافات الفاصلة بين البذور، وبحلول نهاية اليوم استطاعت هاتان الآلتان وحدَهما زرع مساحة لا باس بها من الحقول، متجاوزتين بكثير ما يمكن لأولئك المزارعين إنجازه يدوياً. وحين غادر الحقول، صار الجميع من المعجبين بهذا الاختراع الجديد، ومن أشدّ المناصرين للتطويرات المشابهة.
أسعد هذا كيفاموس أكثر من أي شيء آخر، فلن يتمكّن من دفع عجلة التقدم في تيرانات عبر تصميم وبناء آلات جديدة وحسب؛ بل كان بحاجة إلى دعم السكان المحليين لتحقيق ذلك، وقد أبدوا جميعاً تقبلاً لأفكاره الجديدة في الوقت الراهن لحسن الحظ. صحيح أن الناس سيخشون يوماً ما استبدال آلات العمل بهم، تماماً كما حدث في إنجلترا إبان الثورة الصناعية الأولى، لكن ذلك سيستغرق وقتاً. لقد بدأت الخطوة الأولى لتحقيق الاكتفاء الذاتي في إنتاج الغذاء على الأقل بشكل جيد، ولن يمتلك زوريكوس وغيره من النبلاء القريبين القدرة على إخضاع تيرانات لمآربهم عبر التهديد بتجويع القرية.
وعد بينوتو بأن يشرح العملية لبقية المزارعين أيضاً بدءاً من الغد، ليبدأوا استخدام آلات البذر الاثنتي عشرة في عمليات الزراعة. وقدّر المزارع العجون تقديراً تقريبياً أن يستغرق إتمام الزراعة نحو أسبوعين إن لم تواجههم أي مشكلة، وهو ما سيمنح الحطابين وقتاً إضافياً لتطهير مساحات أوسع في الحقول الجنوبية. وما يبعث على الارتياح حقاً، أن أسبوعين هما مدة أطول ممّا توقع لأجل اثنتي عشرة آلة بذر، غير أنهما ستتطلبان أقل من ثلاثين مزارعاً في المجمل لتشغيل الآلات وإجراء أعمال إزالة الأعشاب والري الضرورية، ممّا سيترك باقي القرويين أحراراً لمتابعة استخراج الفحم ومواصلة مشاريع البناء الأخرى.
لا يزال بحاجة إلى إيجاد حل أفضل لري الحقول بدل الاعتماد على نقل المزارعين لدلاء الماء من آبار القرية إلى المزروعات، رغم أن العربات اليدوية ستساعد في ذلك. ونأمل أن يتمكنوا من شراء ما يكفي من القمح في هذين الأسبوعين لاستخدامه بذاراً. بعد عودته من الحقول، التقى النجار دارورا والحداد سيدورون، وعرض عليهما التصميم الأولي للمنجنيق. أبدى دارورا حماسة لتجربة شيء جديد - الآن بعد أن سلّم النبلة الأخيرة إلى القصر اليوم ولم تكن لديه مهام أخرى معلقة - وتحديداً بشأن زوج المسننات المراد تثبيتها على جانبي المنجنيق لتسهيل تعميره على الحراس.
ومن جهة أخرى، تذمر سيدورون من شح كتل الحديد، وهو ما يمنعه من فعل أي شيء يتجاوز الإصلاحات البسيطة للأدوات المكسورة والتالفة المستخدمة في أنحاء القرية كافة. اضطر عمال مناجم الفحم أيضاً إلى الاكتفاء بأقل من نصف دزينة من مصابيح الأمان المصنوعة حتى الآن، ممّا يعني غياب العدد الكافي لضمان استخدام جميع أنفاق المناجم بأمان. ولهذا السبب وجب عليهم العودة إلى استخدام شموع الشحم مجدداً، وإن كان ذلك يتم فقط بعد التأكد من سلامة الأنفاق عبر فحصها مسبقاً بمصابيح الأمان، وهو أمر أفضل من السنوات السابقة على الأقل.
كان الحداد قد استنفد الحديد المستمد من السيوف الصدئة كافة التي حصلوا عليها من اللصوص. وبدو أنه حريص أيضاً على تعلم بناء شيء جديد - وتحديداً شيء لم يسمع به من قبل - غير أنه مع عدم توفر المزيد من الحديد، لا يسعه سوى الجلوس ومراقبة النجار أثناء عمله. ومع ذلك، ورغم أن تصميمه الأولي للمنجنيق بدا مرضياً لكلا الحرفيين، فقد اقترح دارورا إضافة لوح خشبي صغي خارج منصة برج المراقبة على الارتفاع نفسهن لدرب الحراسة لتثبيت محور المنجنيق، عوضاً عن تثبيته مباشرة فوق درب الحراسة.
سيسمح ذلك بوضع المنجنيق متقدماً قليلاً عن المنصة، وبهذه الطريقة يستطيع الحراس التسديد بسهولة نحو جانبي برج المراقبة دون أن تعيق الأعمدة الركنية رؤيتهم. ابتسم كيفاموس إزاء نبوغ هذا النجار الموهوب، ووافق على إدخال بعض التعديلات على التصميم. وما إن انتهى من ذلك، حتى أكد لهما أنه سيكمل التصميم في أسرع وقت، كي يتسنى لهما الشروع في العمل عليه. أو البدء بالتعرف على تفاصيل التصميم بالنسبة للحداد على الأقل.
وفي نهاية المطاف، أرسل الاثنين ليعودا إلى مهامهما والتفت إلى قائد الحراس.
"يا هودان! تأكدت من إخفاء النبلات كلها، أليس كذلك؟ لا يمكننا المجامرة بأن يعرف أمرها جامع الضرائب أو أي شخص من مرافقيه وحراسه. لا بد أنهم واصلون هنا في أي يوم الآن".
أومأ هودان برأسه.
"أجل. أخذتها كلها من أبراج المراقبة ووضعتها في مخزن قاعة الخدم. يستحيل أن يقدم أي فارس يستحق لقبه على دخول قاعة الخدم لأي سبب سليم. أخبرني السير دوفاس مسبقاً أن جامع الضرائب يقاربه سناً، لذا فلن يتجول كثيراً في جولات استكشافية أيضاً".
قاطع فيروي حديثهما قائلاً: "عليّ الاعتراف يا سيدي، أنا لا أعجب بهذا. السبب الوحيد لصنع تلك النبلات كان تمكين حراس أبراج المراقبة من قتل أي لصوص قبل اقترابهم من الأسوار أو محاولتهم إضرام النار فيها أو ما شابه. بإخفاء النبلات طوال المدة التي سيقضيها جامع الضرائب هنا، نحن نلعب بالنار. ماذا لو هاجم اللصوص قبل ذلك، ربما الليلة حتى؟ أي فائدة ستقدمها أبراج المراقبة في تلك الحال؟"
نظر قائد الحراس إلى المرتزق السابق.
"رتبت مناوبات الحراسة بالفعل بحيث يتواجد رامٍ دائماً في مهمة حراسة ليلة على برج المراقبة".
هزّ فيروي رأسه.
"باستثناء يوفيم ونوروبو، لا يساوي بقية الرماة لدينا شيئاً. راميات النبلات أكثر دقة بكثير من جميع رماتنا باستثناء هذين الاثنين، لكنهن لا يستطيعن فعل أي شيء بلا تلك الأسلحة على أي حال".
ثم هزّ كتفيه.
"مع ذلك، وحتى لو افترضنا قدرة يوفيم ونوروبو على تحمل نوبة حراسة إضافية طويلة كل ليلة لمدة اثنتي عشرة ساعة بدل الساعات الثماني المعتادة، فهما مجرد راميين ممتازين نملكهما، لكننا سنمتلك غداً أربعة أبراج مراقبة لتعيين حراس عليها. كيف سيجري الأمر إذن؟"
فكّر كيفاموس في المشكلة ولم يستطع إنكار صحة رأي فيروي. صحيح أن الغرض الأساسي من صنع النبلات هو تيسير الدفاع عن القرية، لكن ما الجدوى إن عجزوا عن استخدامها ساعة الحاجة؟ وتتأكد هذه الحقيقة بدرجة أكبر حين يكونون بانتظار غارة محتملة ومن أقوى جماعة لصوص في هذه المنطقة على الأرجح. لكان الأمر أفضل بكثير لو استمروا في استخدام الأسلحة الجديدة... تمنى عبثاً لو امتلكوا هنا شيئاً أصغر حجماً كالأسلحة النارية بدلاً من النبلات، إذ يسهل إخفاؤها على أجسادهم مقارنة بالنبلات الأكبر حجماً بكثير.
لكانوا تمكنوا في تلك الحال من السماح لحراس أبراج المراقبة بالاحتفاظ بالأسلحة النارية معهم حتى عند قدوم الفرسان وجامع الضرائب، إذ لن يقوموا بتفتيش جسدي شامل للحراس بحثاً عن أي سلاح جديد وفريد. انتظر... تلك فكرة جيدة في الواقع. لماذا لا يستطيعون إخفاء النبلات أيضاً؟ لا بد من وجود سبيل لذلك... فكر في النجار الموهوب الذي أرسله للتو - والذي يبدو متفرغاً في الغالب هذه الأيام - وابتسم.
"يا هودان، لدي فكرة سديدة. اذهب وأحضر النجار. لا بد أنه لا يزال في القصر".
أومأ قائد الحراس برأسه متسائلاً وخرج جارياً، ولم تمضِ إلا فترة قصيرة حتى عاد مصطحباً دارورا إلى داخل قاعة القصر.
سأل النجار الشاب وقد بدت عليه علامات القلق لاستدعائه بهذه السرعة: "ما الأمر يا سيدي؟"
ابتسم له كيفاموس.
"لدي مهمة جديدة لك. هذه في غاية الأهمية، لذا عليك إنجازها بأسرع ما يمكن".
وما إن أومأ النجار برأسه، وبدا الفضول جلياً في عينيه متأهباً لتحدٍّ جديد، حتى تابع كيفاموس قوله: "أنت تعلم بالفعل أن جامع الضرائب قادم قريباً مع حاشعته المعتادة من الفرسان، لكننا لا نستطيع إطلاعهم على أمر النبلات الآن. أبعدناها عن الأبراج في الوقت الحالي لكن هذا لا يخدم أمان القرية، لذا أريدك أن تصنع مقصنباً سرّياً فوق منصات أبراج المراقبة. يجب أن يكون كبيراً بالقدر الكافي لإخفاء جعبة سهام ضخمة، إلى جانب نبلة واحدة على الأقل، ويفضل نبلتان - إذ لا أريدك أن تبنيه مجدداً".
أومأ دارورا برأسه ببطء وهو يحدق في الأفق.
"أظنني أدرك ما تعنيه".
تابع كيفاموس: "يجب أن يصمم أيضاً بطريقة لا توحي ببساطة بأنه مقصنب مخفي".
وبعد التفكير للحظة، استقر رأيه على أن الشكل متوازي المستطيلات سيجدي نفعاً هنا. ثم بسط يديه مسافة نصف متر تقريبا.
"لهذا، أظن أنه يمكنك تثبيت لوح بهذا العرض موازياً لدرب الحراسة ليكون الجانب العمودي لهذا المقصنب على إحدى الحواف الداخلية للمنصة، ثم تغطيته بلوح قابل للإزالة، بحيث يكون بحوالي نصف - لا، ثلث ذلك العرض. سيكون ذلك كافياً لصنع مقصنب بعرض جانب المنصة كاملاً، وبارتفاع نصف متر وعمق يبلغ نحو عشرين سنتيمترات".