~ أوستايمو ~ لعنة تضرب ظهره المؤلم اليوم... أن أوستايمو وهو يرتجّ بعنف داخل العربة المخصّصة للبضائع لا للبشر، بينما هوت عجلاتها فوق حفرة أخرى في طريق ترابيّ ضيق يخترق غابات ريزلينور الجنوبية الكثيفة. اللعنة على زوريكوس! ذلك النذل هو من ادّعى فجأة أن العربة التي حجزها للرحلة مطلوبة لرحلة أخرى في مكان غير معلوم، ممّا لم يترك لقصر الكونت سوى هذه العربة المكشوفة الخالية من المقاعد.
وغابت بالطبع جميع العربات الأخرى في القصر في التوقيت ذاته لسبب مجهول. لا شك في أنها حيلة أخرى من حيل زوريكوس. وكما هو متوقع، وافق الكونت فوراً بناءً على مشورة مسؤوله المالي الذي أكد حاجتهم إلى تلك العربة الأخيرة لاستقبال بارون آخر يودّ زيارة سينران. ولم يشك أوستايمو لحظة واحدة في أن العذر المفتعل لم يكن سوى وسيلة دبرها زوريكوس ليرغم أوستايمو على تحمّل هذه العربة الشاقة التي تكسر الظهور، عوضاً عن العربة الفارهة المخصصة للنبلاء وحدهم.
شتم بصوت مكتوم حين هزّته حفرة أخرى في الطريق ليتمنى لو أنه لم يشارك في هذه الرحلة أساساً. تبّاً لذلك الحقير العقيم! ليختنق بخمره هذا المساء! وابتسم بتهكم وهو يتخيل ذلك المشهد. أليست هذه بأروع أخبار يتلقاها عند عودته من رحلته؟ تأمل غابات أشجار الفيداروس الكثيفة تحيط بهم من كل جانب، حيث بدأت الأوراق الغضة لتوّها في الإنبات. مضت بضع سنوات منذ آخر مرة سلك فيها هذا الطريق، لكنه لم يتذكر أن الرحلة كانت بهذا السوء من قبل.
أو ربما كانت كذلك حقاً، وذاكرته هي التي شاخت. أو لعل السنوات تقدمت به ولم يعد جسده يحتمل مثل هذه الأسفار الطويلة. تساءل عن عدد الرحلات التي خاضها في خدمة الكونت طوال حياته. كثيرة للغاية، هكذا خلص بعد هنيهة. تنهد أوستايمو. لا يدرك إلى متى سيستمر في تحمّل هذا كله... تطلع إلى الأمام فرأى الفارس الوحيد الذي أُفرز لمراقبة العربة وحمايتها، وهو يمتطي جواده باسترخاء مرتدياً درعه الكامل، بينما تدلّت خوذته إلى جانبه مؤقتاً.
لم تظهر على محيا الفارس الشاب أي علامات إرهاق لسفره نحو يومين كاملين في طريق كهذا. هزّ أوستايمو رأسه. آه، ليت الشباب واللياقة يعودان... جلس حارسان آخران يرتديان دروعاً حلقية على مقعد السائق في العربة، بينما استراح اثنان آخران قربه على أرضية العربة، إلى جوار الفتى حامل سلاح الفارس. لم يكن أوستايمو يعلم أيّاً من هؤلاء الحراس اختاره زوريكوس، لذا استحال عليه الوثوق بأحدهم.
حين غادر سينران صباح أمس، ساوره قلق جارف خشية أن يكون زوريكوس قد دبّر كميناً في طريق العودة لا ينجو منه أحد، وكان قلقه منصباً على ذهب الضرائب وعلى حياته ذاتها. لكنه ما إن عرف هوية الفارس المرافق حتى هدأت نفسه كثيراً. اتضح أن هذا الشاب قريباً بعيداً للكونت إبيرتاس شخصياً. عرف أوستايمو الفتى منذ طفولته، ولم يشك يوماً في استقامة أخلاصه للكونت وقائد الفرسان. ومن المحتمل جداً أن الشاب لم يُرسل سوى لإبعاده وحمايته من غارات البينباز الشرقية، حيث يُحشد معظم فرسان سينران هذه الأيام.
وعلى أي حال، مالم يذبح عملاء زوريكوس هذا الفارس في نومه — وهو ما لن ينتهي بشكل جيد لأحد — يفترض بهذا الشاب أن يحمي ذهب الضرائب وحياة أوستايمو في هذه الرحلة. هذا إن لم تعترض طريقهم قطيع كامل من وحوش الأديز، أو استجار بالمعبودات، وحش الباكوري! ارتعش أوستايمو لمجرد تذكر تلك المخلوقات الضارية. ومع ذلك، فرغم أن هذه الحراسة المؤلفة من ستة رجال مسلحين — ضمناً الفارس الراكب — كفيلة بإرهاب أي قطاع طرق أو وحوش ضارية على الطريق، إن كان متجهاً إلى أي بارونية داخل نطاق الكونت سينران ما عدا تيرانات وربما كيرنوس، إلا أن الأمر يختلف تماماً مع هاتين البارونيتين.
أما بارونات الشمال، فلا يفوتون فرصة لدفع الضرائب في مواعيدها لإبقاء الكونت راضياً عنهم، ولهذا نادراً ما اضطر أوستايمو إلى زيارة قراهم. وإلا فمن يدري، قد ينشغل الكونت قليلاً عن نجدتهم بالسرعة الكافية إذا هددت غارات البينباز قراهم. باستثناء البارونية الواقعة غرب ذلك الجشع زوريكوس — الذي يفوق الكونت ثراءً في هذه الأيام — تعجز أي بارونية أخرى عن استئجار أكثر من فارس أو اثنين، وعادة ما يكونان ممن تقاعدوا عن الخدمة بإذن من الكونت أو الدوق لعدم كفاءتهم حتى في ريعان شبابهم لنيل إقطاعية خاصة بهم.
وهذان الفارسَان المتقاعدان أضعف من أن يحميا قرية بارون ضد غارة بينبازية صغرى — قد تضم عشرة فرسان مرتحلين على الأقل، إن لم يكن أكثر. ولهذا ظل أولئك البارونات خاضعين للكونت تماماً ومؤدين لضرائبهم قبل مواعيدها. لكن هذا المنطق يسقط تماماً في أقصى جنوب المملكة، حيث تضم البارونيتين الأكثر عزلة في مملكة ريزلينور بأسرها. في حين دأبت كيرنوس على توفير مرفأ ملائم لاستيراد خام الحديد وبعض السلع النادرة الأخرى من المدن الحرة الواقعة في صحارى سيلاريا الجنوبية — على الأقل حتى انتهاء الحرب الفائتة — ونقلها شمالاً نحو أولريغا وما وراءها، فإن تيرانات لم تكن موجودة قبل عقدين من الزمن.
تقع تلك المنطقة في قلب غابات سيلاريا الجنوبية الشاسعة، وطالما اعتُبرت بالغة الخطورة على العيش البشري. إنها موطن دائم للصيد للذئب والدببة، والمسوخ الطائرة المخيفة المسماة بالباكوري، فضلاً عن الضواري العلوية مثل الأديز. وهذا يعني أن تلك الغابات ظلت دائماً ملاذاً للخارجين عن القانون وقطاع الطرق والمرتزقة من شتى أصقاع المملكة، مما جعلها مكاناً عصيباً لا يُطاق العيش فيه.
ولم يجازف ارتيادها سوى أشجع الصيادين والمرتزقة، إما لاصطياد جلود الأديز النادرة أو للإيقاع بفار هارب أو عبد ذي مكافأة مالية ضخمة. هكذا كانت الحال طوال معظم سكنه قرب سينران، حتى العقدين الماضيين. لم يبدأ الشرفاء بالاستيطان في تلك المنطقة إلا حين اكتشف المنقبون عروق فحم هائلة هناك فور انتهاء الحرب السابقة، وإلا لما رغب عاقل يوماً في العيش أو حتى زيارة تلك المنطقة التي تأسست فيها هذه القرية المعزولة.
ولهذا السبب يستبدّ به شعور بالصقيع في عظامه كلما تلقى أمراً بالتوجه إلى تيرانات. إنه لا يدري قط أسيَعود إلى سينران سالماً بعد أي من تلك الرحلات. هز أوستايمو رأسه محاولاً طرد صورة الأديز وهو يلتهم عظامه البالية. لا جدوى من إزهاق روحه بالقلق أكثر مما هو فيه. والعزاء الوحيد أنه لا يزور هذه القرية إلا مرة كل بضع سنوات على الأكثر. ومع ذلك، تشوق للقاء ابن الدوق الذي غدا بارون تيرانات الجديد.
ولا دراية له بالظروف التي دفعت دوق أولريغا لإرسال ابنه إلى مكان بعيد هكذا وفي بقعة يأنف أمثال هؤلاء النبلاء المتنعّمون المكوث فيها لأكثر من بضع ساعات. على أية حال، أدرك أن العلاقة بين هذا الفتى كيفاموس وعائلته لا بد أن تكون متأزمة إذا ما نُفي إلى هناك. وشف أوستايمو مع ذلك لبعض التعاطف نحوه. فما كان يسيراً على هذا الشاب قط أن ينجو من الشتاء القارس قرب الجبال في تلك القرية البائسة بعدما أمضى حياته كلها في رفاهية قصر أولريغا.
ناهيك عن ظنه الراسخ بأن زوريكوس يحاك في ذهنه خطة للتخلص من هذا البارون الجديد كما أطاح بسلفه من قبل. فطمع ذلك النذل لا سقف له. أطلق تنهيدة أخرى. حسناً، لم يكن هذا بالأمر الجديد. فسياسة النبلاء هكذا دائماً. ما دام يخفض رأسه ويؤدي المهام الموكلة إليه من الكونت في مواعيدها، فسيحيا ليوم آخر. وعاد إلى واقعه، فرمق أشجار الفيداروس العالية تحيط به. مالت الشمس بشدة نحو الأفق، متسللة بين الأشجار عن يمينه.
يعني هذا أن الغوب ليس بعيداً، وهو لا يشتهي البتة قضاء ليلة أخرى في هذه الغابات الخطرة، فضلاً عن أن ظهره يكاد ينفصم لو اضطر للنام ليلة أخرى على الأرض الوعرة أسفل العربة. ومع ذلك، لن تكون سبل الإقامة مترفة في تيرانات، وهو غير معتاد على الرفاهية أصلاً. لقد عاش على الكفاف طوال عمره، لكن بعد رحلته الشاقة هذه ليومين، ما الذي لم يكن ليبذله لينال فرصة النوم لليلة واحدة في تلك الأسرة الوثيرة التي ينعم بها النبلاء...
تنهد. آه، لا بأس، فالأمر سيان على ما يبدو. وُلد عامياً، وسيموت عامياً. لا فائدة تُجنى من تممني ما لم ترده المعبدات له. وكل ما يبتغيه الآن هو بلوغ تيرانات قبل حلول الظلام. وما زال عواء الذيوع الذي سمعه وهو ينام تحت العربة بالأمس يثير ذعره، لذا سيضمن له البقاء بين جدران قصر البارون في تلك القرية البائسة الأمان حتى يحين موعد عودته. حين هزّته هبّة ريح مباغتة وجعلته يرتجف، ولو قليلاً، سُرّ لأن البرد لم يعد حادّاً كالسابق.
فالشتاء قد ولى، ورغم أن هواء الربيع المبكر لا يخلو من صقيع، إلا أنه لا يضاهي رياح الشتاء الجليدية. قاطعت أفكاره فجأة رؤيته للفارس وهو يمدّ رقبته للأعلى، منتصباً في رِكابيه. ما الأمر يا ترى؟ أهناك قطيع ذئاب يتربص بهم في الأمام؟ أم حماة المعبدات، قطيع أديز؟