من لندن إلى اللورد الفصل 286 — ذاكرة ضعيفة؟

اقرأ من لندن إلى اللورد الفصل 286 — ذاكرة ضعيفة؟ باللغة العربية على مانجا تايم.

كان أوستايمو ينتظر الفارس ليعلن طبيعة الخطر، فإذا بالشاب يتكئ إلى الوراء على صهوة جواده والتفت مستبشراً.

"هذا رائع، أرى أسواراً أمامنا. لا بد أنها تيرانات. آمل أن يملكون بعض النبيذ الجيد هنا!"

انتبه أحد الحراس الجالسين في مؤخرة العربة عند سماع ذلك، وأخذ يشرئب بنظره إلى الأمام، مما دفع أوستايمو إلى إطلاق ضحكة مكتومة. لا بد أنه أحد حراس زوري كوس، نظراً لحرصه على الابتعاد عن مخاطر الطريق، وربما للعثور على بعض الجعة في القرية.

نادى أوستايمو إلى الوراء: "لندخل إذاً"، شاكراً السماء على عدم اضطراره لقضاء ليلة أخرى في العراء.

لم يمر وقت طويل حتى رأى أرضاً منبسطة تمتد أمام العربة، وتراءى سور خشبي في ضوء الشمس الغاربة في الأفق. هه... ألم تكن الأشجار تحجب الرؤية عن أسوار القصر؟ حسب ما يتذكره من زيارته الأخيرة هنا، كانت أشجار الفيداروس تلك تلامس سقف منزل القصر بسهولة. أمر غريب. لعل حريقاً أتى على الأشجار في هذا الجانب؟ ما هي إلا لحظات حتى تجاوزت عربتهم الوحيدة والفارس المرافق لهم خط الأشجار، ورأى مئات الأمتار من الأراضي المقفرة تماماً من تلك النقطة وحتى الأسوار.

التفت إلى الجهات الأخرى، ففوجئ بوجود مساحات مقفرة مماثلة حتى على الجانبين الشرقي والغربي للأسوار. إذن لم يكن الأمر نتيجة حريق عرضي. بدا وكأن ذلك قد تم تعمداً. لكن لماذا؟ استمرا في التقدم والتفت أوستايمو برأسه لينظر إلى الأمام مجدداً، فوقع بصره فجأة على شيء كان حرياً به أن يلاحظه منذ زمن طويل. كان هناك بناء خشبي مرتفع ينتصب خلف الأسوار مباشرة، وبالقرب من البوابات الواقعة عند الطرف الشرقي للأسوار.

انتظر... بدا ذلك شبيهاً ببرج مراقبة. لقد رأى أبراج مراقبة مماثلة مبنية في أماكن عدة شرقي سينران لتسمح لرجال الكونت برصد أي غارة مقترحة أو حتى جيش من بينباز عندما زار مزرعة هناك في الماضي. إذن نعم، كان هذا برج مراقبة حقاً. عقد حاجبيه. حسناً، لقد باتوا يدخلون في منطقة عجيبة. مهما ضعفت ذاكرته هذه الأيام، فقد كان متأكداً تماماً من عدم وجود أي برج مراقبة داخل القصر في آخر زيارة له إلى هنا.

أكانت هذه حقاً قرية تيرانات الصغيرة والمثيرة للشفقة؟ تساءل للحظة لمَ لم يعلق الفارس على هذه التغييرات، قبل أن يدرك أن هذه غالباً هي زيارة الشاب الأولى لهذه القرية، لذا فلابد أنه لا يملك مرجعاً يقارن به. لابد أنه ظن أن برج مراقبة كان هنا دائماً. ألقى أوستايمو نظرة حوله، وحالما عرف ما يبحث عنه، لمح بناءً آخر مشابهاً -أرجح أنه برج مراقبة آخر- وهو قيد الإنشاء قرب الطرف الغربي للأسوار أيضاً.

حسناً، إذن لم تكن ذاكرته تخونه. لقد أثبت هذا أن أبراج المراقبة هذه قد بنيت حديثاً بلا شك. وكان هذا البرج الثاني يكاد يكتمل ولم يبق سوى بناء سقفه. وفي الواقع، لقد رأى بعض الرجال يعملون هناك حتى في هذا الوقت المتأخر. لكن لماذا يعمل النجارون في وقت متأخر هكذا من اليوم؟ عادة ما تنتهي ساعات عمل العمال قبل غروب الشمس بساعة في كل قرية أو مدينة، لكي يتسنى لهم شراء ما يحتاجونه من الأسواق والعودة إلى منازلهم قبل حلول الظلام الدامس.

أكان صبي الدوق كيفاموس نوعاً من الطغاة إذن؟ لم يجد أوستايمو سبباً آخر يجعل أي عمال مستعدين للعمل حتى هذا الوقت المتأخر. أكان البارون يستغل نفوذه وسلطته كابن للدوق لإرهاب العمال ودفعهم للعمل؟ لابد أن الأمر كذلك. كشّر عن أنيابه وهو يفكر في أن باروناً جديداً آخر قد بدأ يحذو حذو المبادظ القاسية نفسها التي ينتهجها النبلاء الآخرون. لقد بدأ هذا يفسد نظرته لهذا البارون الجديد بالفعل.

ومع معرفته التامة بمدى صعوبة عيش حياة عامة الشعب تحت بسطار سيّد متسلط، تعاطف أوستايمو مع هؤلاء العمال. فبعد مقتل بارون تيرانات الطماع في الخريف الماضي، وبدلاً من أن يحظى القرويون المساكين ببعض الراحة من معاناتهم تحته، فإذا بهم يُبتلون بطاغية يحكمهم... تنهد. لمَ لا ترى السماء محنة عامة الناس في هذه المملكة... مدّ عنقه لأعلى، محاولاً الاستطلاع إلى ما وراء الأسوار، وأدرك وجود برجي مراقبة آخرين متماثلين يبدوان في الأفق، ويقعان على الأرجح في الجانب الآخر من مجمع القصر.

يرفع هذا العدد إلى أربعة أبراج مراقبة جديدة على الأقل لم تكن موجودة في السابق. ما الذي يحدث هنا بحق الجحيم؟ في هذه اللحظة، بدت تيرانات وكأنها مستعدة لغارة من بينباز أفضل بكثير من استعدادات سينران! بالطبع، كان ذلك مبالغة، إذ لم تكن هذه القرية تملك فارساً واحداً للدفاع عنها، وكانت هذه مجرد أسوار خشبية لن تصمد بأي حال أمام وابل الأسهم الملتهبة التي غالباً ما تستخدمها جيوش بينباز، لكنه كان مع ذلك أمراً مذهلاً أن يرى هذا الكم الهائل من التغييرات هنا.

في الواقع، بدا وكأن هذه القرية المعدمة تستعد للحرب! لم يكن هذا معقولاً البتة... رمش أوستايمو بعينيه، ملاحظاً أن الحراس المرافقين له إضافة إلى الفارس في المقدمة كانوا يلتفتون برؤوسهم يميناً ويساراً أيضاً، محاولين تفحص كل شيء دفعة واحدة. إذن لقد تفاجأوا هم أيضاً بالأمر، بعد كل شيء. فجأة، نظر إلى الأسوار الخشبية أمامه والتي تمتد طويلاً من الشرق إلى الغرب وتذكر شيئاً، مما جعله يشك في ذاكرته مجددة.

أكان قصر البارون بهذا الحجم طوال الوقت؟ تلك الأسوار تمتد لبضعة مئات من الأمتار على الأقل، ألم يكن قصر البارون أصغر بكثير من ذلك؟ في الواقع، أين بقية القرية التي كانوا يقصدونها؟ ألم يكن مفترضاً به أن يرى الأكواخ والأعشاش الخاصة بالقرية الفقيرة في مكان ما غربي أسوار القصر بحلول الآن؟ شعر بوخز من الرعب في قلبه. ماذا لو كان هذا البارون الطاغية قد أحرق تلك الأكواخ، تاركاً القرويين تحت رحمة الطبيعة القاسية في الشتاء؟

أبهذه الطريقة عثر على المواد الخام لصنع أبراج المراقبة الجديدة هذه؟ ألقى أوستايمو نظرة سريعة على جذوع الفيداروس الطويلة التي تدعم قاعدة منصة البرج وهز رأسه. لا، لم يكن أي من تلك الأكواخ مبنياً من الجذوع. كان معظمها بيوتاً طينية ذات سقوف من القش، مما يعني أن هذه الأبراج صنعت من أشجار قُطعت حديثاً. لكن أين اختفت كل تلك البيوت إذن؟ ظل يتساءل عن الأمر بينما اقترب الفارس من البوابات، والعربة تتبع خطواته عن كثب.

رفع بصره إلى برج المراقبة مرة أخرى، ومن هذه المسافة القريبة، رأى رجلاً طاعناً في السن يرمقهم بنظرات ثاقبة إضافة إلى رامي سهام يمسك بقوسه مستعداً، إلى جانب... امرأة...؟ كانت ترتدي الدرع الجلدية المعتادة التي يستخدمها عادة حراس معظم المقاطعات بينما كانت تتطلع إليهم من على منصة برج المراقبة. ولكن لمَ تقف امرأة هناك؟ كشر للحظة متبيناً أن أولئك الرجال المخزيين قد أحضروها إلى برج المراقبة لمتعتهم، مما يعني أن بارونهم الجديد لابد أنه سمح بهذا -حتى وإن كان تلميحاً- قبل أن يهز رأسه نافياً.

لا، لم تكن نظرة عيني تلك المرأة نظرة شخص يمكن إخضاعه بسهولة. بدا وكأن أي محاولة لتصرف فظ معها ستنتهي بأن تقطعه إرباً حيث يقف. أراح هذا قلبه إلى حد ما، رغم أنه لا يعرف تلك المرأة ولا أولئك الرجال بشكل شخصي. رغم أنه ما زال غير متأكد من سبب وجود امرأة هناك تتظاهر بكونها حارسة. انتظر، لا يمكن أن تكون حارسة حقاً، أيمكن؟ لم يكن ذلك منطقياً على الإطلاق! لم يسمع قط عن نساء يعملن حارسات في أي قرية.

في الواقع، تذكّره هذا بشيء غريب رآه عندما زار دوراستيز -عاصمة المملكة- قبل سنوات. آه حسناء، لقد كان ذلك غير ذي صلة هنا على أي حال. على أي حال، كان الحراس قد رآوهم يقتربون الآن، لذا نأمل أن تفتح البوابات قريباً، وأن طعاماً دافئاً ومكاناً مريحاً للنوم في انتظارهم جميعاً. نأمل ذلك.

وقف الفارس الشاب في ركابيه بعد اقترابه من البوابات ونظره إلى برج المراقبة، وأعلن بصوت عال: "أرسلنا الكونت المحترم إبيرتاس من سينران لتحصيل الضرائب المتأخرة منذ زمن طويل على هذه القرية. افتحوا!"

حدقت المرأة الواقفة هناك فيهما لبرهة قبل أن تسأل بصوت عال: "لا أعرفك أيها الفارس، لذا لا يمكنني فتح البوابة لك الآن. هل يوجد محصل ضرائب في مجموعتك؟"

لاحظ أوستايمو بسهولة أن الفارس بدا محتقناً لرفض أوامره، رغم أن الشاب أجبر نفسه على رسم ابتسامة على وجهه على أي حال.

أجاب الفارس: "في الواقع، نعم يوجد".

أومأت المرأة الواقفة على منصة برج المراقبة.

"أخبرني باسمه إذن".

ألقى الفارس الشاب نظرة إلى الوراء نحو أوستايمو للحظة قبل أن يعيد نظره إلى المرأة.

"إنه العجوز أوستايمو. إنه يجلس هناك في الخلف على العربة".

رفع أوستايمو ذراعه عند سماع اسمه، وأومأ للحراس على برج المراقبة.

"هذا أنا".

تحدثت المرأة مع الحراس الآخرين بصوت هامس للحظة، قبل أن تومئ برأسها.

"حسناً، لقد أخبرنا السيد دوفاس بأن نتوقعه".

ثم نادت بصوت عال على شخص ما وهي تتدلى من جانب البرج، وبدأت بوابات تيرانات الخشبية تنفتح أخيرًا. دخل الفارس المرافق لهم أولاً وهو يمتطي جواده ببطء، وتلته عربتهم. وما إن دخلوا للداخل، حتى لاحظ أوستايمو فوراً ما لا يقل عن أربعة رجال آخرين مدججين بالسلاح يبدون مستعدين لكل احتمال في حال حاول القادمون الجدد فعل أي شيء، وأيديهم تقبع على أغمدتها ودروعهم مربوطة خلف ظهورهم - غير مدركين على الأرجح أنهم لا يملكون أدنى حظ ضد فارس - قبل أن يتحرك أحد الحراس مقترباً منهم.

بدأ الحرس الضخم كلامه: "كنا ننتظركم أيها الفارس. أعتذر عن التأخير، لكننا احتجنا للتأكد من هويتكم قبل فتح البوابات. إنه وقت خطير لهذه القرية، وقد تعاملنا للتو مع غارة لصوص مؤخراً، لذا طلب منا اللورد كيفاموس التأكد من هوية محصل الضرائب قبل السماح لكم بالدخول".

رمق الفارس الشاب المرأة الواقفة على منصة برج المراقبة بنظرة حادة للحظة، قبل أن يصدر صخراً محتقناً.

"قودونا إلى قصر البارون. لقد كانت رحلة طويلة".