أومأ كيفاموس برأسه نحو بينوتو.
"أجل، لكننا كنا بحاجة إلى مئة وعشرين هكتاراً لمجرد استيعاب العدد المتوقع لسكان القرية البالغ أقل من ثلاثمئة وخمسين نسمة في ذلك الوقت، وذلك قبل أن نبدأ باستقبال المهاجرين أو حتى أولئك النحّاتين. أمّا بالنسبة لعدد سكان تيرانات الحالي، والذي تجاوز الأربعبعمئة بالفعل، فنحن بحاجة إلى مئة وثلاثين أو مئة وأربعبعمئة هكتار من الأراضي الزراعية. أنوي كذلك الاستمرار في استقبال المزيد من المهاجرين طوال العام، لذا سنعجز بالتأكيد عن توفير كمية القمح اللازمة لإطعام الجميع بحلول موعد حصاد هذا المحصول، لكن كل ما يمكننا زراعته هنا هو حبوب لن نضطر إلى إنفاق الذهب لشرائها من سينران".
أومأ دوفاس برأسه: "مع ذلك، لم نتوقف عن إزالة الغابات حتى الآن، ولن نتوقف حتى نُكمل البذر. يصعب القطع بالأمر دون قياس، لكنني أعتقد أن المساحة المزالة قد بلغت ما بين مئة وخمس وعشرين ومئة وثلاثين هكتاراً اعتباراً من اليوم. وستزيد المساحة عندما نكمل البذر".
"تلك وحدها لا تمثل سوى جزء مما نحتاجه"، خدش كيفاموس مؤخرة رأسه.
"لا فائدة من مساحات الأرض المزالة إن لم تكن لدينا بذور لنبذرها فيها. حسناً، لنرَ ما يمكننا فعله حيال ذلك".
"اغفر لي يا سيّدي، لكن كم تبلغ هذه المساحة بالفدان؟"
سأل بينوتو. أجرى كيفاموس بعض الحسابات في ذهنه.
"أكثر من ثلاثمئة فدان بالتأكيد".
نظر بينوتو إلى الحقول الجاهزة للبذر.
"ثلاثمئة، هاه؟"
تابع المزارع السابق: "إن كنت أعمل في حقل بهذا الحجم في مزرعتي السابقة التي عملت فيها قديماً، فحتى في تقدير تقريبي سنكون بحاجة إلى أكثر من مئة مزارع لمجرد بذر البذور. لكنك أخبرتني أن نحو عشرين رجلاً سيكونون كافيين، حتى وإن لم تكن لديهم أي خبرة سابقة في الزراعة؟"
ابتسم كيفاموس بخبث.
"بلى، مع أننا سنظل بحاجة إلى المزارعين لإزالة الأعشاب الضارة، وسقي النباتات وما شابه. هذه الآلة لا تستطيع فعل أي من ذلك. ستكون أنت وبقية المزارعين مسؤولين عن تفقد نمو النباتات وإمدادها بالمزيد من الماء أو السماد... أه، السماد الحيواني حسب الحاجة. ولهذا السبب طلبت منك إحضار مزارعين ذوي خبرة حصراً لتعلم كيفية استخدام هذه الآلة".
أومأ بينوتو برأسه.
"يسعدني حقاً أن لدي هنا بالفعل عشرة أشخاص مارسوا الزراعة بالقرب من كيرنوس. لكان من الصعب علي جداً إدارة كل شيء بمفردي".
أومأ كيفاموس برأسه.
"كل أولئك المزارعين تحت تصرفك لتستعين بهم حيثما دعت الحاجة".
نظر إلى المزارعين القريبين الذين انتهوا من ربط الآلة الجديدة بالحصان الذي أحضروها معه.
"والآن، لنُجرِ تجربة على آلة بذر البذور هذه. يمكنك أنت وبقية المزارعين المساعدين هنا تعلم كل شيء عن طريقة عملها اليوم، لذا يجب عليك بدءاً من صباح الغد إحضار العشرات من آلات البذر هذه إلى هنا للبدء في البذر على نطاق أوسع".
أومأ بينوتو برأسه، ونادى أحد المزارعين.
"أحضر كيس قمح وأفرغه في ذلك... أه..."
رمق كيفاموس بنظرة سريعة.
"القمع، أليس كذلك؟"
أومأ كيفاموس برأسه وأشار إلى القمع.
"بلى. ضع البذور هناك".
شرع المزارعون فوراً في تنفيذ ما أُمروا به، وقبل أن يمضي وقت طويل، وبعد أن رُبط الحصان بالآلة، أصبحوا مستعدين للانطلاق.
"هذا جيد"، قال كيفاموس وهو يشير إلى جزء من الآلة.
"والآن اسحب تلك العتلة لتبدأ البذور بالانزلاق من القمع، ثم ابدأ بدفع الحصان للأمام مشياً".
نفذ المزارعون ما أُمروا به، وسرعان ما بدأ البذر. وبالمراقبة الدقيقة، بدا واضحاً أن مستوى البذور المخزنة في القمع قد بدأ بالتراجع ببطء شديد. كان الحقل قد حُرث حديثاً، لذا كانت الأرض لينة بما يكفي لتتمكن فواحات الحراثة الأربع المصنوعة من الحديد الحاد في مقدمة الآلة من شق أربعة أخاديد ضيقة، تضع فيها أربع أنابيب خشبية بدائية تنحدر من القمع البذور بشكل دوري، قبل تسوية الأرض مجدداً بواسطة لوح خشبي فضفاض مربوط بحبال خلف الآلة لتغطية البذور.
بمجرد أن تحركت آلة البذر مسافة اثني عشر متراً أو نحو ذلك، رمق بينوتو كيفاموس بنظرة يشوبها الشك.
"هل تعمل حقاً؟"
ابتسم كيفاموس.
"لمَ لا تتحقق بنفسك؟"
"من الأفضل أن أعل فعل ذلك..."
تمتم بينوتو وهو يتجه نحو بداية الحقل، واستخدم مجرفة صغيرة للحفر في موضع مرّت عليه الآلة بالفعل. أزال التراب عن تلك الحفرة المحفورة حديثاً وتفرس فيها ملياً في ضوء شمس الظهيرة، محركاً يده في داخلها. ولم يلبث أن وجد فيما يبدو ما كان يبحث عنه، فظل يطيل النظر إلى كفه لفترة. ثم هز رأسه في النهاية، وابتعد مسافة قصيرة ليكرر العملية، ليتوقف مرة أخرى ناظراً في جوف الأرض لبعض الوقت.
كرر الفعل بضع مرات إضافية، قبل أن يأامر مزارعاً آخر بتسوية الأرض مجدداً، وعاد أدراجه نحو كيفاموس والآخرين. كان دوفاس لا يزال مشدود النظر إلى الآلة التي يجرها حصان لا يتطلب سوى مزارع واحد لمراقبته، مع أن بقية المزارعين قد تجمهروا حول الآلة بفضول وساروا بمحاذاتها بالسرعة ذاتها. نظر بينوتو إلى آلة البذر التي ابتعدت أكثر الآن، وهو يهز رأسه من شدة الذهول.
"هذا... هذا جنون! إنها تبذر البذور بالمسافة نفسها مراراً وتكراراً، وهو أمر مستحيل عند نثر البذور يدوياً! لو حاولت فعل ذلك بمفردي، لاستغرقت نصف ساعة لإنجاز ما فعلته هذه الآلة في... في لحظات! ناهيك عن الهائل من البذور الذي توفره! عادة ما نضطر لاجتثاث النباتات إن نمت متقاربة جداً، لكن هذا لن يحدث مجدداً أبداً!"
أومأ كيفاموس برأسه مبتسماً: "هذا مجرد مثال بسيط على نوع العجائب التي يمكن أن توفرها التكنولوجيا الأفضل. إذن، ما رأيك في الأمر؟ أنت المزارع هنا. الآلة تعمل بشكل جيد بما فيه الكفاية، لكن هل تبذر البذور بالشكل الصحيح؟"
التفت بينوتو بنظره إلى الأرض حيث كان يتحقق منها للتو.
"العمق الذي تضع الآلة البذور فيه مناسب تماماً. رغم أنني أعتقد أن البذور توضع متباعدة أكثر قليلاً من اللازم. هذه هي المرة الأولى التي تُزرع فيها هذه الأرض، لذا يمكننا إنماء عدد أكبر من النباتات في الفدان هنا مقارنة بأي حقل مبذور بطريقة معتادة. أتمنى لو أننا اختبرناها مبكراً، إذ لم يعد لديك الوقت لصناعة آلات جديدة لتغيير ذلك الآن".
ابتسم كيفاموس.
"لسنا بحاجة لبنائها من جديد البتة. سأريك جميع الأجزاء والعتلات عندما يعود المزارعون بالآلة، لكن الآلة لا تعني شيئاً ثابتاً في طريقة عملها للأبد. لقد صممتها بطريقة تتيح لنا تعديل ما نحتاج إليه. إن رغبت، يمكنك بسهولة تغيير العمق الذي تضع الآلة البذور فيه، كأن تبذر شيئاً غير القمح مثلاً، ويمكنك بالسهولة ذاتها تغيير المسافة بين البذور بتحريك عتلة أخرى قليلاً".
سأل بينوتو بذهول: "لا يتعين عليك بناء آلة جديدة لأجل ذلك؟"
"هذا... لم أكن أتووقع ذلك! إن كان بمقدورها فعل ذلك حقاً، فأريد تغييرها لتبذر البذور بعمق أكبر قليلاً أيضاً".
"بالطبع، فور عودة أولئك المزارعين سأخبرك كيف تفعل كل شيء بنفسك".
اقترب بحذر أحد القرويين ممن ساعدوا في إفراغ البذور داخل القمع وكان يتابع الحديث من جوارهم متردداً.
"يا سيّدي، هل... هل ستهاجمنا هذه الآلة أو ما شابه؟"
أصابت الدهشة كيفاموس لدرجة جعلته عاجزاً عن الرد المناسب.
"أه، ماذا...؟"
نظر العامل بقلق نحو الآلة التي اقتربت منهم الآن، بينما كانت تبذر البذور في أربعة خطوط موازية للخطوط الأربعة الأولى المبذورة بالفعل.
"أعني... تلك آلة... كبيرة وتبدو قوية. ولها أيضاً رؤوس حديدية حادة وما شابه. ماذا لو قررت فجأة أنها لم تعد ترغب في الإذعان وانقلبت علينا؟ وهاجمتنا مثل وحش الأديزي؟ لن ينجو منا أحد حينها!"
كان دوفاس يعقد حاجبيه ناظراً إلى الآلة، بينما تراجع بينوتو خطوة للوراء بعيداً عن الآلة التي أوقفها المزارعون بقربهم.
تمتم بينوتو: "حين أُعمل رأسي في الأمر..."
"لست متأكداً بدوري من سلامة هذه الآلة..."
أدرك كيفاموس في تلك اللحظة فقط أنه بالنسبة لهؤلاء القرويين في العصور الوسطى ممن لم يرو قط أي آلات حقيقية في حياتهم أو حتى سمعوا بها، فإن أي اختراع غريب جديد قادر على إنجاز عمل بشري بكل سهولة قد يبدو وكأن له عقلاً وحياة خاصة به أيضاً. وبالتأكيد، وبحكم عيشه في القرن الحادي والعشرين على الأرض، فقد سمع ما يكفي من القصص وشاهد الكثير من الأفلام عن آلات تنقلب على البشر وتسيطر على العالم وما شابه، لكنه لم يتوقع رؤية رد فعل مماثل هنا، رغم أنه بدا منطقياً من منظور العمال.
ومنعا لنفسه عن الضحك عليهم، إذ لم يكن جهلهم خطأهم بأي شكل، أخذ لحظة ليرتب أفكاره قبل أن يوضح لهم: "ليس الأمر هكذا أبداً. آلة بذر البذور هذه — أو أي آلة أخرى تُبنى في تيرانات — ليست خطيرة بحد ذاتها. تماماً مثلما لا يستطيع السكين أو السيف قتل قاطع طريق بمفرده. لذا فإن آلة البذر هذه ستفعل بالضبط ما تجعلها تفعله، ولا شيء سوى ذلك".
هز كتفيه.
"طبعاً، تماماً مثلما أن السقوط على سكينك الخاص سيقتلك بسهولة طعن قاطع الطريق لك بها، لذا عليك حقاً التأكد من عدم الوقوف في مسار آلة البذر هذه عندما يجرها الحصان لتجنب أي إصابات".
أصخى بينوتو وبقية العمال السمع باهتمام بينما تابع قائلاً: "رغم ذلك، هذه الآلة لا تمتلك عقلاً خاصاً بها، واستحالة أن تتحرك خطوة واحدة دون حصان يجرها. رأيتم كيف اضطررنا لحملها على عربة قبل قليل، أليس كذلك؟ لم تمش إلى هنا من تلقاء نفسها".
وما إن أومأ الآخرون رؤوسهم، حتى أضاف: "تعرفون جميعكم النجار دارورا، أليس كذلك؟ لقد بنى هو ومتدربوه آلة البذر هذه بأيديهم بمساعدة القطع التي وفرها الحداد سيدورون. إن أزلنا المسامير التي تربط أجزاء هذه الآلة ببعضها، فلن تصبح سوى مجموعة عصي خشبية وبعض الحديد. هذا كل ما في الأمر. لذا لا تقلقوا، لن تهجم عليكم أبداً".
رمق العمال الآلة بنظرات يشوبها الشك قبل أن يومئوا، وبدأ بعضهم يهمس لبعض، لكن بابتسامات تعلو وجوههم هذه المرة. تفرس بينوتو في آلة البذر للحظة.
"أصدقك يا سيّدي. مع أن صنع شيء كهذا بأيدي البشر يبدو أمراً غير منطقي البتة، إلا أنني لا أظن أي شيء تصنعه قد يؤذي القرويين يوماً".
أومأ الرجال والنساء الآخرون ممن كانوا يستمعون بقرب موافقين على ذلك، بينما تحدث بعضهم جهراً مؤيداً.
"نجل! صنعها اللورد كيفاموس. لن تؤذينا أبداً!"
"هذا صحيح!"
ابتسم لهم كيفاموس، مسروراً لعدم ظنهم بأن الآلة شيطان قادم من الجحيم ليقتلهم بعد الآن. نظر إلى بينوتو وبقية المزارعين.
"حسناً، دعوني أريكم جميعاً كيفية ضبط آلة البذر لتجعلها تبذر البذور بمسافات وأعماق مختلفة. يقوم مزارعون آخرون بحرث الحقول الآن، لكن يمكنكم شرح الأمر لهم غداً حتى نبدأ بالبذر على نطاق واسع".
وعندها اتجه نحو آلة البذر ليشرح للمزارعين أدوات التحكم البدائية فيها وفعاليتها. لقد حان الوقت ليريهم روائع التكنولوجيا.