من لندن إلى اللورد الفصل 247 — جوريك، التاجر

اقرأ من لندن إلى اللورد الفصل 247 — جوريك، التاجر باللغة العربية على مانجا تايم.

حدّق فيه لانيদাস لبرهة قبل أن يمضي، ربّما ليبحث عمّا يضايق به غيره، ممّا أتاح لـيوريك أن يتنفّس الصعداء. غير أنّه أدرك أن السيد الشاب لن يتأخّر في العودة. كان تجّار السوق أجمعون يعلمون أن الحراس يعملون لدى البارون فاروداس -الذي اتّسم بالطمع لكنّه ظلّ منصفاً بخلاف ابنه عديم الضمير- لذا أدرك يوريك أن عليه فعل شيء سريعاً لضمان أمان مستقبل أسرته. ما دامت أسرته ترزح تحت وطأة الديون، فلن يبرح أولئك الأقزام المكان، ولن يختفي السيد الشاب.

ظلّ يوريك منذ ذلك اليوم يردّد في نفسه أنّه لو عثر بطريقة ما على وسيلة سريعة لسداد دينه، لحرص حراس البارون على إبعاد أولئك الأوغاد. ولن يجد السيد الشاب سبباً لمضايقة زوجته مطولاً بعد ذلك، إذ سيُقدِم حتماً من يشكو أمره إلى البارون، خشية أن يطال ذلك زوجاتهم أو بناتهم مستقلاً. ومع أن البارون لن يستطيع البتّة تغيير طباع ابنه الفاجر الوحيد، فإن حراسه سيضمنون اقتصار مضايقات لانيদাস على النساء عن بُعد دون تخطّي الحدود، ما داموا لا يدينون له بشيء.

طبعاً، تقدّم البارون في السن، وسيؤول أمر إمارة كيرنوس مستقلاً إلى السيد الشاب، ولا يعلم غير الملكة مصير نساء كيرنوس وأهلها حينذاك. بيد أنّه عجز عن حمل همّ المستقبل بينما ضاق به الحال عن تدبير ما يحتاجه في الحاضر. مع ذلك، لم يكن الوحيد في كيرنوس الغارق في مثل هذا المأزق العويص. ذات يوم كان جَالساً في دكانه يتمنّى زبوناً جديداً، فرأى جاراً يعقد صفقة لبيْع ابنه رقّاً.

أتاه ذلك بفكرة إتيان أمر مشابه، غير أنّه كان سيُنهي حياته بيده قبل التفكير في بيع زوجته أو ابنته في سوق الرقّ. وربّما كان ذلك ثمرة القلب الطيِّب الذي لطالما أكدت زوجته امتلاكه. وأيّاً يكن الأمر، بدا له المخرج الوحيد المتاح هو بيع نفسه عبداً، وسداد الدّين المتبقّي بثمن بيعه. وفور اتخاذ قراره، أيقن وجوب الإسراع في تنفيذه رغم دموع زوجته وتوسّلاتها بأنّه ليس مضطراً لذلك.

تفطّر قلبه لرؤيتها تبكي هكذا، لكنّه كان ليهلك إن عجز عن سداد الدين سريعاً وألحق الأوغاد أذىً بها أو بابنته، ولهذا تيقّن من استحالة تراجعه عن قراره. لم يستغرق طويلاً حتى وجد وسيطاً في السوق أكّد له أنّه إن رضي بأن يصبح عبداً طوال الأعوام الثلاثة الثّلاثين القادمة لدى تاجر طين ضخم يُدعى تورهان، فسيحصل في المقابل على ما يكفي من الذهب لسداد ديون دكانه بأسرها مع بقاء فضلة من المال.

وبالطبع، كان قد سمع مسبقاً عن تورهان، مالك منجم طين ضخم في مكان ما بشمال كيرنوس. وبلغته إشاعات كثيرة تفيد بأن تعدين الطين ليس سوى غطاء لما يفعله تورهان، لكن لا مفرّ للمضطر من قبول ما تجود به الأقدار، فأبرم الصفقة خلال يومين. بالمال الذي تقاضاه، سدّد يوريك القرض الذي أخذه من المرابي، وأوفى بجميع ديون دكانه المتبقية، ضامناً بذلك بقاء سقف يحمي أسرته دائماً، مع مبلغ زهيد من الذهب يكفي لإطعامهم ريثما تتحسن أحوالهم.

وحتى مع إدراكه أنّه قد لا يرى زوجته طيلة ما بقي من عمره -إذ إن عقْد العبودية لثلاثة عقود كفيل بأن يموت أحدهما قبله- فقد اطمأن قلبه لعلمه بأنّها ستعيش أبداً في أمان بيتهم الخشبي. بهذه الطريقة، سيتسنى لها مواصلة الخياطة والرتق لكسب بضعة قروش تطعم بها نفسها وابنتها، بمعزل عن مضايقات مرابي الديون أو السيد الشاب. وسيعود السوق للازدهار تدريجياً، وربّما قَدِرت مجدداً على بيع بعض الملابس، ممّاا يكفل لها ولابنتها مستقلاً رغيداً بلا هموم ديون.

بقي يوريك ساهراً طوال ليلته الأخيرة مع أسرته، مُحتضِناً زوجته وابنته، وهو يعلم أنها المرة الأخيرة التي يراهما فيها. ظلّت زوجته تبكي طوال الليل، بينما ظنّت ابنته ببراءة أنّه ذاهب في رحلة طويلة فحسب. رغم ذلك، حاول طمأنتهما بأنّ عربة محملة بالطين تأتي إلى السوق أسبوعياً تقريباً من مناجم تورهان، ولعل الحظ يالفه فيُختار لقيادة عربة في إحدى تلك الرحلات، مما يتيح له لقاءهما مجدداً.

أدرك في قرارة قلبه أنها كذبة، مثلما أدركت زوجته ذلك، إذ إن سائقي العربات كانوا حصراً من أتباع تورهان الأوغاد لا العبيد -إذ لم يُسمَع بأخبار أيّ منهم قط بعد مغادرة كيرنوس- لكن بصيصاً من الأمل الكاذب أفضل أحياناً من انعدامه بالمطلق. أقبل الصباح أسرع من أي وقت مضى، ووجد عربة تنتظر خارج منزله بعدما أفرغت حمولة طين لبعض الخزّافين في السوق اليوم السابق. أبى قلبه مفارقة الوداع الأخير لزوجته الجميلة وابنته الفاتنة الواقفتين أمام الدّكّان، لكنّه علم أن وقت الرحيل قد حان.

لم يمحُ الوقت الطويل لوحه حتى كان يلوّح لهما بعينين دامعتين من مؤخرة العربة بينما كانتا تنتحبان علانية، فتمزّق قلبه أكثر مع كل دورة للعجلات. وحين انعطفت العربة في زاوية الشارع، وطّد قلبه لما هو آتٍ. لقد فعل ما يجب فعله لأجل أسرته، مثلما يفترض بالرجال دوماً، وحان الآن أوان دفع الثمن. كانت الرحلة، التي استغرقت يوماً وأكثر، مؤلمة؛ ففضلاً عن انكسار قلبه، بدأ ظهره يؤلمه فوراً على الطريق الوعر الموحل.

وتلك بلا شك أطول رحلة قضاها يوماً في عربة، أو خارج قريته كيرنوس. وفي الظهيرة التالية، بلغ المكان الذي سيغدو موطنه طوال العقود الثلاثة القادمة، وهو يعلم تماماً أن تلك المدة قد تمدد تبعاً لأهواء مالكه الجديد، تورهان. وطبعاً، سيكون ذلك بدعوى سداد الأضرار التي يُزعَم أنه أحدثها بممتلكات المالك طوال مدة خدمته عبداً. لا شيء غير قانوني في ذلك بالطبع. تنهّد. لم يعد بيد حيلة بعد أن اتخذ قراره.

بات عليه الآن التمني بسلامة أسرته في بيتهم ودكانهم الجديدين، لكي يتمكن يوماً في المستقبل، حين يغدو طاعناً في السن مجعداً وتعود إليه حريته أخيراً بعد قضاء فترة عبوديته، من رؤيتهما مرة أخيرة قبل أن يلفظ أنفاسه الأخيرة ويمضي للقاء الملكة. أثار مجرد التفكير في زوجته وابنته الشجن في صدره، ممّا يعني دنوّ الدموع، لكنّه استحال أن يُظهر بكاءه لأحد هنا، إذ إن إظهار الضعف يعني أن يأكله الآخرون أحياء.

سيكون لذلك وقت لاحق بالطبع -فهو يشتاق إليهما أكثر من أن يمنع نفسه من البكاء كل يوم- لكن في جنح الليل حين يجلس وحيداً خلف إحدى الأكواخ بعيداً عن أعين الناظرين. مسح وجهه خلسةً كمن يزيل طيناً لئلا يلحظ أحد عينيه المبللتين، وأطلق زفيراً قوياً ليستجمع تركيزه على الحاضر. أعاد عقله عنوةً إلى محيطه الحالي، فالتفت يوريك يطالع لسعاتٍ من عشرات الرجال والنساء وبعض الأطفال العاملين في المنجم، وكلّهم عبيد لتورهان.

وفي هذه النقطة الغربية القصيّة عن جبال أراكن -التي سمع أنها تقع شرق كيرنوس- بدأ الثلج بالذوبان قبل أسبوع. ولم يبقَ الآن سوى رقع ثلجية صغيرة متناثرة هنا وهناك، بينما ذاب الباقي مخلفاً أرضاً طينية وعرة المشي. غير أن الجو لم يزددفئ قط. لم يكن صعباً تبيّن ضخامة منجم الطين، ومع ذلك بلغ مسامعه أن المساحة التي يستخرجون منها الطين لا تمثّل سوى جزء يسير من الرواسب، مما يعني انعدام الأمل بنفاد الطين قريباً وعودة العبيد إلى كيرنوس.

سخِر في سره. وكأن ذلك سيحدث يوماً. لكان تورهان وجد بسهولة استخداماً جديداً للعبيد إن حدث ذلك. مَدّ بصره نحو الأفق، فرأى الغابة التي أزيلت أشجارها لمسافة جيدة حول المنجم، ليتسنى لقطاع الطرق رؤية أي هجوم بوضوح -سواء انتقاماً من تورهان على يد منافسيه، أو لسرقة عبيده. بيد أن ما سمعناه من عبيد آخرين ممن طالت ألسنتهم، استبعد إقدام أحد على مجازفة مهاجمة عصابة تورهان، التي قيل إنها إحدى أقوى عصابات قطاع الطرق في غابات رسلينور الجنوبية.

وربّما لهذا تربط بارون كيرنوس علاقة وثيقة بذلك النذل، إذ لن يكون القضاء على هذه العصابة أمراً هيّناً حتى على البارون. كما أن الأرباح التي لا شك أن تورهان يتقاسمها مع البارون مقابل السماح له ببيع طينه في أسواق كيرنوس، لا بد أنها توطد علاقتهما أيضاً. ولم يلبث طويلاً حتى رصَد القاطع طريق الذي ابتعد للحديث مع أحد أقرانه وهو عائد باتجاه العبيد.