من لندن إلى اللورد الفصل 246 — السدّ

اقرأ من لندن إلى اللورد الفصل 246 — السدّ باللغة العربية على مانجا تايم.

قال بيدن: "ليس بعد، لكن البكرات ستكون جاهزة بحلول المساء، لنحضرها غداً صباحاً. أخبرني النجار صباحاً أنه مضطر لإنهاء آلة بذر البذور التي يعمل عليها قبل أن يفرغ بضع ساعات لصنع البكرات".

قال كيفاموس وهو يتأمل السد: "هذا جيد. أرى أن إطار بوابة التصريف الثانية قد بُني بالفعل، لذا أعتقد أن بإمكانك تركيب البوابة الثانية في ذلك الإطار بحلول المساء. هكذا تتمكن من تثبيت البوابة الثانية في غضون الغد".

وافق بيدن: "هذه هي الخطة. بالطبع، سنحتاج إلى مجيء نجار إلى هنا لربط البكرات بالإطار، لكن دارورا وعدني بإرسال صبي غداً صباحاً لهذا الغرض".

أومأ كيفاموس برأسه وقال: "حسناً. يسرني أن صبيه قادر على إنجاز هذا بمفرده، كي لا يأخذ من وقت دارورا الذي يتحمل ما يكفي وزيادة".

أطال كيفاموس النظر في بنية السد برمّتها. بلغ ارتفاع الجانب الغربي المكتمل نحو خمسة أمتار، بينما واصل العمال ركوم الطين والصخور جذوع الدعم على الضفة المقابلة في الشرق. مع ذلك، بدا أن أياما قليلة تفصلهم عن إتمام البناء بأسره. إن سارت الأمور على ما يرام وأُنجز السد في موعده، سيستطيعون حجز معظم مياه ذوبان الثلوج دون أن تلحق الضرر بالسد. مهد العمال منحدراً لطيفاً في جانبهم من السد، مع خطط لمنحدر مماثل في الجانب الآخر، ليتمكن أي كان من صعود السد والعبور إلى الضفة الأخرى بيسر متى انتهى العمل.

مردُّ ذلك إلى أن بوابات التصريف بُنيت تحت قمة السد بنحو نصف متر، بينما خُصصت القمة لتبقى جافة، إذ يفتحون البوابتين متى ارتفع منسوب المياه في الخزان أكثر من اللازم، لتندفع المياه عبر السد نحو المجرى الأمامي، حافظةً على منسوب المياه في الخزان تحت السيطرة. بعد أن بُنيت بوابة التصريف الأولى واختُبرت، واقتراب إنجاز الثانية، حان وقت تركيب الناعورة هنا. بلغه الخبر صباحاً بأن آخر أنفاق مناجم الفحم لا يزال مغموراً بالمياه، وأنه سيُخلي من المياه الراكدة غداً، لتصبح الناعورة بعدها حرةً وتُنقل إلى هنا.

رغم امتلاكهم ناعورة واحدة فحسب حالياً، فقد صمم السد بعناية ليضم بوابتين للتصريف، تمكيناً لتركيب ناعورتين مختلففتين أمام البوابتين. رغم أنه نوى في البداية استخدام الناعورة الأقرب إلى الضفة الغربية حيث يقف. حين تتوفر للنجارين أوقات فراغ أطول، بوسعهم تركيب الناعورتين لمضاعفة طاقتهما. تساعد هاتان البوابتان أيضاً في مضاعفة معدل تصريف المياه عند حدوث تدفق مفاجئ تفادياً لتخريب السد.

علاوة على ذلك، يتيح هذا إغلاق إحدى البوابتين إن احتاجت الناعورة إلى إصلاح أو توقف لسبب ما، مع إبقاء البوابة الثانية مفتوحة لتتدفق مياه المجرى بصورة طبيعية دون فيضان الخزان. التفت إلى بيدن أخيراً.

"واصل إذن. أداؤك هنا جيد، لكن الثلوج على وشك الذوبان فيما يبدو، لذا فالوقت ضيق وعليك حث العمال على إنجاز كل شيء في موعده".

أجاب بيدن بثقة قبل أن ينصرف متوجهاً نحو عاملين كانا يتجاذبان أطراف الحديث: "أنتما مجدداً! أقسم أنني لم أرى عمالاً بهذه الكسل طيلة حياتي! عودا إلى العمل!".

ابتسم كيفاموس لاحتهاب رئيس العمال والتفت إلى قائد الحرس.

"علينا العودة إلى هنا في غضون أيام حين يكتمل السد لمعاينة تركيب الناعورة عن كثب. يتطلب هذا مجيء دارورا أيضاً. فلنرجع الآن".

أومأ هودان برأسه: "كما تشاء"، ثم نظر إلى الحرس الواقفين بالجوار.

"أحضروا الخيول، نحن راحلون".

* * *

~ جوريك ~ ~ مكان ما إلى الشمال الغربي من كيرنوس ~ كان جوريك متعباً، متعباً بحق. ظل يحفر الطين بالرفش ويضعه في عربة منتظرة منذ الصباح، لكن اللصوص اللعينين لم يخبروهم بعد بأن يوم العمل قد انقضى. غابت الشمس في الغرب، ولن يلبث الظلام أن يشتعل بحيث يتعذر الرؤية دون شعلة مضاءة، غير أن عمال الطين جميعهم استمروا في العمل بجهد طوال النهار. إذ رأى اللص المراقب لقطاعه من المنجم قد ابتعد ليحدث لغاً مع لص آخر، غرس جوريك رفشه في الأرض الطينية، متكئاً عليه ليريح جسده قليلاً، وفعل معظم العمال القريبين منه المثل.

وقد تجاوز الثلاثين من عمره بقليل، فلا يقال إنه عجوز، بيد أن جسده لم يعتَد هذا الضرب من العمل الشاق. قبل الشتاء بأشهر معدودة، كان تاجراً يبيع الألبسة والأزياء لأهالي كيرنوس. لم يستطع كبح حنينه إلى سالف حياته في البلدة الساحلية. زوجته وابنته الوحيدة التي بلغت العاشرة لتوها أحبتاه بقدر ما أحبهما، وكانت حياتهما رغيدة. لم يملك أهله الكثير، لكن زوجته اعتادت ترقيع الثياب التالفة وحياكتها لمن يحتاج، وبإضافتها دخلها إلى دخله، استطاعا دائماً جني ما يكفي لوضع الطعام على المائدة.

ونظراً نحو ضوء النهار الآفل في الغرب، تذكر تأمل الغروب البديع كل مساء مع أسرته، جالسين على الرمال قرب المرسى الوحيد في سوق كيرنوس. في الأمسيات التي استغرق فيها ببيع الثياب وتعذر عليه حضور الغروب معهم، ظل يترقب لقاء أسرته بلهفة. في تلك الأيام، كان يغلق دكانه الواقع في الطابق الأرضي قبل الصعود إلى الطابق العلوي من بيته الخشبي الصغير المريح المؤلف من طابقين، الواقع في أحد الأزقة الجانبية قرب سوق كيرنوس الساحلي.

مبتسماً بسعادة حتى في الأيام التي لم يحقق فيها تجارة تذكر، كان يلهث شوقاً لعانق ابنته المحبوبة، ومعها زوجته التي سعى وراء حسنها الكثيرون في الماضي. لكنها اخترته هو، قائلة إنه يحمل أطهر قلب بين الرجال المتنافسين عليها. ارتسمت على شفتيه ابتسامة وهو يستحضر طيفها ناظراً إلى ضوء النهار المتلاشي. لم تكن الحياة يسيرة على العامة أمثالهما، لكنها ظلت طيبة. غير أنه في أواخر الصيف المنصرم، بدأ جوريك يدرك أن الأمور لا تبشر بالخير لمعظم التجار في السوق.

فمع الأمطار الغزيرة والعواصف الرعدية التي غمرت المزارع، جاء حصاد القمح شحيحاً لم ير مثله قط. بلغت أسعار الحبوب والمحاصيل الطازجة عنان السماء، وبدأ الناس بالإعراض عن شراء الحاجيات غير الأساسية كاللباس، فتراجعت مبيعاته. قرر مرغماً رفع أسعاره ليتمكن من شراء الطعام لأسرته، ولم يجد ذلك نفعاً كبيراً. اضطر أخيرًا للاستدانة مجدداً من مرابٍ في السوق كي لا تجوع أسرته، واستمرت أسعار الطعام بالارتفاع، فيما خبت مبيعات ثيابه حتى تكاد تنعدم.

مع حلول الخريف، عجز عن دفع فوائد دينه الأخير، إذ تعذر عليه التخلف عن سداد فوائد الدين القديم الذي اقترضه لابتياع دكانه. وما هي إلا فترة قصيرة حتى طاف بلطجية المراب حول منزله، مقتربين من زوجته بنظرات كرهها أشد الكره. رغم ذلك، ظن أن الأمور ستتحسن في النهاية، إلى أن جاء الشاب لانياديس يوماً بابتسامة سمجة مع حرسه على الخيل، مطالباً إياه بسداد كامل قيمة الدين المتأخر لدكانه، أو إخلاء المكان فوراً.

أو، هكذا اقترح ذلك اللعين بغطرسة، أن يسلم جوريك زوجته إلى لانياديس وتُسقط عنه ديونه بأسرها. كان ذلك اليوم أقرب ما يكون فيه لإراقة دم نبيل، غير أنه كظم غيظه وكبح نفسه عن ارتكاب ما يندم عليه، قبل أن يأمر الشاب المدلل بالانصراف.