من لندن إلى اللورد الفصل 238 — أواخر الشتاء

اقرأ من لندن إلى اللورد الفصل 238 — أواخر الشتاء باللغة العربية على مانجا تايم.

استمر الحراس في التقدم رفقته ولم يطل به التفكير حتى أيقن أن هذا الموضع هو الأنسب لإقامة السد. ترجل عن حصانه ونادى المشرف الذي كان قاطع حجارة في الماضي شأنه شأن باقي حفري الطين ثم أخذ يشرح له تفاصيل الموقع. هز الرجل الأربعيني رأسه بحماس بينما شرح له كيف ستكون واجهتا السد وما سيُحشى في وسطه. لم يلبث الرجل أن أومأ برأسه.

قال: "أظن الأمر مقدوراً عليه. لن يكون نقل الطين والصخور والأخشاب سهلاً هنا لكن بمعاونة عرباتنا جميعها وعدد كاف من العمال سنفلح في إنجازه قبل أن تبدأ الثلوج الذائبة في رفع منسوب جدول الماء".

قال كيفاموس: "هذا ما يُثلج الصدر. إنه همّنا الأكبر وعلينا بذل قصارى الجهد لإتمام السد قبيل ذلك. العصر قد أفلح لذا ما إن نعود حتى تُعلم حفري الطين بضرورة الإسراع وحفر أكبر قدر ممكن كل يوم كي ننجز السد في موعده".

قال: "سنبذل وسعنا يا سيّدي!".

أومأ كيفاموس له والتفت يتأمل المحيط ثم شرع يمشي مرسماً في مخيلته شكل السد وموضع بناء بوابة التصريف ومكان تثبيت الناعورة. لما استقر في ركن ذهنه تصوّر واضح التفت إلى قائد الحراس.

قال: "لنأخذ بعض العصي الدقيقة التي جلبناها لنحدد بها تخوم السد".

أومأ هودان وما لبث الحراس أن انطلقوا طاعة لأوامر كيفاموس فغرزوا العصي في الأرض لتيسير مهمة العمال في ردم المواد اللازمة وسط المساحة المعلمة. اضطر حارسان لقطع الجدول إلى الضفة المقابلة لتثبيت العصي هناك أيضاً لكن الماء لم يكن عميقاً بالقدر الذي يجبرهما على السباحة. يعني هذا أن سراويلهما وحدها قد ابتلّت وسيكفيها الحريق الصغير الذي يشعله هودان في هذه الأثناء ليجفف ثيابهما عمّا قريب.

ما إن انتهى كل شيء حتى اغتنم تيسيب الفرصة لاصطياد بعض السمك وحالف الحظّ إياه وبقية الحراس في صيد ما يكفيهم لئلا يضطروا إلى مس اللحم المجفف الذي أحضروه معهم. كانت النار المشتعلة التي استعملها الحراس المبتلون مقراً مثالياً لشواء السمك ولم يلبثوا أن تناولوا غداءً طيباً من السمك المشوي والخبز قرب الجدول شبه المتجمد وحولهم التلال المكسوة بالثلوج في شهر شتاء متأخر بجنوب ريسلينور.

بعد ساعة أو نحوها وبعد أن شبع الجميع وجفّت ثياب الحراس تماماً انطلقوا في رحلة العودة. طوال الطريق كان عقل كيفاموس منشغالاً بالتفكير في التصميم الدقيق للسد ليدوم طويلاً. في ظل بقاء بعض الوقت قبل بدء ذوبان الثلوج توجّب عليهم الإسراع إن أرادوا إنهاء ذلك السد في وقته. العربتان اللتان جلبوهما من مقجار حجارة نوكوزال إلى جانب العربات الأربع الموجودة أصلاً في القرية — بما فيها العربة التي أُصلحت في سينران قبل الشتاء — تعني امتلاكهم ست عربات إجمالاً.

سيكفي ذلك وزيادة لنقل الصخور والأخشاب والطين إلى هذا المكان. كان قطاع الحجارة السابقون يحفرون طيناً يزيد عن الحاجة ولن يعانوا شحّاً في الأخشاب داخل هذه القرية لسنوات. لم يبقَ سوى الصخور وقد رصد قبل ذاك قُرب مناجم الفحم بين التلال أكواماً بشرية الصنع كثيرة متأتية من مخلفات أنفاق المناجم — وهي صخور متباينة الأحجام في غالبها. دلّ هذا على حوزتهم لكل المواد اللازمة لبناء السد.

تمثل المشكلة الوحيدة في شحّ الأيدي العاملة كالمعتاد إذ وجب جلب عمّال البناء المشيدين للسد من أعمال قطع الغابات في الجنوب. أطلق تنهيدة. لم يكن بيده حيلة حيال ذلك. باستعمال فيروي نشر الأخبار في كيرنوس وما حولها بأن تيرانات تستقبل المهاجرين عسى أن يخفّ حدّ الشحّ في الأيدي العاملة بانقضاء الشتاء. أومأ لنفسه. نعم سيضمن تشييد هذا السد وسائر المشاريع رغم قلة العمّال في القرية.

عليه الآن إرساء التصميم النهائي للسد في ذهنه قُبيل رسم مخططه على إحدى ورقتين تلقوهما بالأمس من صناع الورق الجدد في شرق القرية. علاوة على ذلك استقر رأيه على جعل صنع مثقاب البذور أولويتهم التالية لامتلاكهم شهراً واحداً فحسب قبل وجوب بذر الحبوب واحتياجه لتذليل أي عقبات في الآلة قبل ذلك. احتاجوا كذلك إلى توفير اثني عشر مثقاب بذور مخزونة على الأقل لتسخير خيولهم كافة في إتمام البذر وقتاً مناسباً.

سيؤخر ذلك حتماً صنع دارورا للمزيد من النشاب لكن لا شيء يعلو في هذه المرحلة على ضمان أمنهم الغذائي في العام المقبل. سيتوجّب على تانيوك إنهاء حظيرة الفطر أيضاً قبيح الشروع في أبراج المراقبة وهي منشأة هامة أخرى تلزم لضمان أمن قريتهم الفتية بعد الشتاء. لم تكن تلك سوى نزراً يسيرًا من المشاريع الملحة الواجب إنجازها وثمة أمور وفيرة استوجبت التنفيذ لضمان سلامة تيرانات وازدهارها عقب انقضاء عزلتهم السنوية الناشئة عن شتاء جنوب ريسلينور القارس.

تنهد. الأعمال جسيمة والوقت ضيز والأيدي العاملة شحيحة. حسنٌ سيبذلون غاية وسعهم بالموارد المتاحة هنا. بهذا العزم في صدره تواصلت رحلتهم نحو قرية تيرانات الصغيرة النامية. ~ كيفاموس ~ مرّ نحو أسبوعين منذ زيارته للجدول الشرقي لاكتشاف موقع ملائم للسد. مع بقاء الطقس دون درجة التجمد حتى اللحظة مرّ نحو أسبوع على آخر تساقط للثلوج ومن خلال محادثاته مع كبير الخدم تيقن تماماً من كون ذلك آخر ثلج لهذا الشتاء.

لا يزال نحو قدم من الثلج متراكماً على الأرض خارج القرية غير أنه سيشرع في الذوبان خلال أسبوع رغم استغراقه أسبوعاً آخر أو نحوه ليذوب تماماً. كان الوقت عصراً وقد فرغوا لتوّهم من الغداء. جلس هودان وفيروي متجاورين يتسامران في شأن يخص أمن القرية. غادر دوفاس لفض نزاع في بيت الطويل الثاني بعيداً عن سيطرة مشرف الحي. عاد غورسازو برفقة السيدة هيغا إلى المطبخ بعد الغداء رفقة لوسيم وكلاريسا لمساعدتها في غسل الأطباق جدلاً.

عادت سيرين أيضاً إلى ما يُسمى مختبرها في إحدى الغرف الداخلية لمنزل القصر عقب دروسها الصباحية مع المعلم. لحسن الحظ واصل مسحوق لوسفيل المُعد مطلع الشتاء عمله بالكفاءة ذاتها حتى الآن وهو ما يعني اكتشافهم عملية حفظ فائقة ستتيح لهم إنتاج المزيد من الدواء فور بدء ظهور أوراق جديدة لكرمة لوسفيل في الربيع. بالأمس تلقى أيضاً أنباء تخليص نفق المَنْجَم العاشر من المياه الراكدة ولم يتبقَ سوى النفقين الأخيرين اللذين سينجزان في غضون أيام قليلة.

سار إنتاج قوالب نشارة الخشب على ما يرام وأسهم بشكل كبير في خفض استهلاك الفحم ورغم ذلك تقرر البدء في تعدين الفحم على نطاق ضيق منذ أسبوع والآن دخل نفقان من أصل اثني عشر حيز الاستعمال. اضطروا لاستقدام العمال من قِطاع الغابات في الجنوب لكن اللاجئين الجدد الوافدين من كيرنوس أُرسلوا للعمل في الجنوب مما ساعد في الحفاظ على وتيرة قطع الغابات هناك. مضى بناء السد بوتيرة طيبة وبلغوا الآن ثلاثة أرباع الهيكل الأساسي بفضل العدد الهائل من العمال المشتغلين هناك.

امتلك عامل الألغام الأصلع الأعمى ييدن — الذي كان رئيس عمال قطع الغابات في الشمال وأشرف على تشييد البيوت الطويلة هناك — خبرة واسعة في تنظيم العمال ولذا عُيِّن رئيساً لعمال بناء السد أيضاً وكان يشرف على كل شيء بكفاءة عالية. مع ذلك لم تكن أية كفاءة هندسية متوفرة بين القرويين المحليين وهذا ما دفع كيفاموس لزيارة السد كل يومين للتأكد من انعدام المشاكل هناك. علاوة على ذلك وبما أن الجدول الشرقي يقع متقدماً على مناجم الفحم في الاتجاه ذاته فقد تطلّب مرور عرباتهم الست المحملة بالأنقاض والطين والأخشاب والصخور نحو ورشة بناء السد المرور بالقرب من مناجم الفحم كل صباح في رحلاتهم اليومية نحو الشرق.

لهذا السبب وفي رحلات عودتهم مساءً حين يمتطي عمال البناء بعض تلك العربات عائدين إلى القرية أمكنهم استخدام العربات الفارغة لتحميل الفحم المُستخرج خلال النهار من أنفاق المناجم العاملة والعودة به إلى القرية. أتاح لهم ذلك توفير رحلة إضافية للعربات مما مكنهم من استغلالها جميعاً لتسريع بناء السد. توقع أنه إن سار كل شيء على ما يرام فسيستغرق الأمر أسبوعاً آخر لتجهيز السد في مجمله وفي ذلك الوقت سيبدأ الثلج الذائب من تهايم الشرق في رفع تدفق الجدول.

سيساعد ذلك كثيراً في ملء خزان السد.