من لندن إلى اللورد الفصل 237 — موقع جيّد

اقرأ من لندن إلى اللورد الفصل 237 — موقع جيّد باللغة العربية على مانجا تايم.

تابع دوفاس حديثه: "علاوة على ذلك، وكما أخبرتني بالأمس، أمرتُ نصفَ دزينةٍ من العمال بمواصلة صنع الورق بمعدل قليل كل يوم. لا نقص لدينا في نشارة الخشب أو الرماد -وهما المادتان الخام الأساسيتان لصناعة الورق- لذا لا داعي للقلق بشأن ذلك. كما أن آلة الضغط الخشبية لن تستغرق سوى وقت قصير لضغط اللب النهائي إلى ورق، ولن يؤدي ذلك حقاً إلى إبطاء إنتاج قوالب نشارة الخشب المضغوطة. اللباد قابل لإادة الاستخدام، ولن يشكل ذلك مشكلة أيضاً في إنتاج المزيد من الورق".

أومأ كيفاموس برأسه، بينما كان يلقي نظرة على الرف الذي يحتفظ بلفائف الرقوق بالقرب من طاولة الطعام الطويلة.

وقال: "نعم، لقد استهلكنا بالفعل كل ورق الأمس لصنع التذكارات، لذا أحتاج حقاً إلى المزيد منه لمواصلة تخطيط رسوماتي الهندسية".

أكد كبير الخدم قائلاً: "حقاً. استخدمنا بالأمس اثني عشر عاملاً للحصول على أربع ورقات. ومن اليوم سأستعين بنصف هذا العدد من العمال، وهو ما ينبغي أن يوفر لنا مع ذلك ورقتين جديدتين كل يوم".

وأردف: "فضلاً عن ذلك، التقى بي اليوم أحد العمال المشرفين على تصريف مياه آبار الألغام، وأخبرني أن خمسة من آبار الألغام قد خلت الآن تماماً من المياه الراكدة وباتت جاهزة لبدء التعدين".

أومأ كيفاموس برأسه: "جيد. لننتظر أسبوعاً آخر حتى ننتهي من إخلاء مساحة إضافية من الغابات، وبعدها سنشرع في توجيه بعض الرجال لبدء استخراج الفحم مرة أخرى".

ونظر إلى هودان.

"في صباح الغد، لنتمشَّ باتجاه التلال لنلقي نظرة على سير عملية حفر الصلصال الناري. أظن أن لدينا بحلول الآن ما يكفي من الصلصال لبدء بناء السد، مما يعني أننا سنضطر إلى نقل بعض العمال من الجنوب لأجل ذلك أيضاً. سنزور الجدول أيضاً للعثور على موقع مناسب للسد".

أومأ قائد الحراس: "بالطبع. سأتحدث مع فيروي لترتيب دفاع القرية أثناء غيابي وسأكون جاهزاً برفقة عدد من الحراس لنغادر معك في الصباح".

ابتسم كيفاموس: "رسمت اليوم الكثير من تفاصيل آثارة البذور -وهذه محاولتي الثالثة لتحسين التصميم بغية تسهيل بنائه على نطاق واسع- وأعتقد أنني توصلت أخيراً إلى التصميم المنشود، لكن كل هذا التفكير جاعني. فَلْنطلب من السيدة هيغا أن تأتينا بشيء نأكله، أليس كذلك؟"

كان جورسازو أول من نهض.

وقال قبل أن يهرول باتجاه الباب الداخلي المفضي إلى المطبخ: "سأطلب منها ذلك".

ابتسم هودان متفرساً في ظهر المعلم، ثم التفت إلى كيفاموس.

"سأستدعي فيروي أيضاً. لا بد أن معدته تقرقع بالفعل من حديثنا عن الطعام هنا!"

ضحك كيفاموس ودوفاس على ذلك، قبل أن يلوح لقائد الحراس ليستدعي المرتزقة السابق. لقد حان وقت الأكل!

* * *

في الصباح التالي، كان كيفاموس جاهزاً مع بقية الحراس لزيارة التلال الشرقية امتطاءً لصهوة جواد، بينما كانوا ينتظرون اكتمال تحميل العربة التي ترافق العمال كل يوم. كانت تحمل بضع عربات يد، وعربة نقل، إلى جانب بعض الأغصان الخشبية الطويلة وعدد من جذوع الأشجار.

وحين انتهى التحميل بأسره، أومأ برأسه لقائد الحراس الذي صاح: "هيا بنا، لننطلق!"

تحركت خيولهم برفقة العربة نحو الشمال عبر طريق ترابي مغطى بالثلوج، وما لبثت أن مرت أمام مباني المنازل الطويلة الممتدة. كانت المباني تعج بالحركة كعادتيها في مثل هذا الوقت، مع تدفق العمال من بواباتهم متوجهين إلى أماكن عملهم في أنحاء القرية كافة. وكان الأطفال يتبعون آباءهم أيضاً، حاملين في أيديهم سلالاً صغيرة ليجمعوا نشارة الخشب والنشارة المرتجلة ليأخذوها إلى آلة الضغط الخشبية في الجنوب.

أما شيوخ القرية فبقوا داخل المباني لمراقبة الأطفال الصغار ممن هم أصغر من أن يُتركوا دون رقابة. وانبعث عمود من الدخان من مطابخ المبنيين حيث لا بد أن وجبة الظهيرة كانت قيد الإعداد بالفعل. ومع توغلهم للأمام، لمح بيت التدخين من بعيد بالقرب من أسوار القرية، حيث كان أحد الخدم منهمكاً في إخراج اللحم المدخن بالفعل على عربة يد، بينما كانت كومة من اللحم الطازج بانتظاره على عربة نقل.

ووُضع حارس هناك لمنع أي سرقة للحم المدخن من قِبل القرويين. ورغم أن وتيرة تراكم اللحم المدخن قد تباطأت بشكل ملحوظ بعد استقبال الوافدين الجدد من كيرنوس، سيما بمعونة السمك المدخن الذي جلبَه فيروي من هناك، إلا أن فرق الصيد لديهم ما زالت حتى الآن تجلب لحماً يزيد عما يستهلكونه، مما يعني نمواً مستقراً في رصيد اللحم المدخن داخل غرفة تخزين القصر. وبهذا المعدل، قد ينجحون حقاً في إتمام عملية البذر دون الحاجة إلى شراء الكثير من القمح.

وما هي إلا لحظات حتى بلغوا البوابة الشمالية حيث تمركز حارسان حيا قائد الحراس وإياه، قبل أن يفتحا البوابات بسرعة. وبمجرد الخروج من خلف الأسوار، بدا جلياً أن الثلوج المتراكمة هنا أكثر بكثير، إذ لم يطأها أحد طوال اليوم على عكس ما يحدث داخل أسوار القرية. وما لبث موكبهم الصغير أن انعطف في منحنى الطريق ليتجه شرقاً، ولم يطول بهم السير حتى بلغوا التلال حيث يُحفر تراب المقاعد -أو الصلصال الناري.

وكما خططوا في البداية، تُركت سلسلة من جذوع الأشجار تحترق طوال الليل بطريقة مدروسة لمنع الأرض من التجمد مجدداً خلال الليل. وعنى ذلك أن العمال لن يضطروا لإهدار بضع ساعات لإذابة جليد الأرض في الصباح قبل أن يستأنفوا الحفر. والأهم من ذلك، أمكن رؤية كومة ملحوظة من الصلصال متجمعة في أحد الجوانب. سيتطلب الأمر كمية أكبر بكثير لإنجاز السد، لكنهم جمعوا ما يكفي منه الآن ليتسنى لهم البدء في التشييد أخيراً.

وحين ربط العمال الخيول بعمود غرزوه في الأرض وشرعوا في رفع الأغصان الطويلة عن العربة ليباشروا الحفر مجدداً، نظر كيفاموس إلى قائد الحراس.

وقال: "لننتجه الآن إلى الجدول الشرقي للعثور على مكان ملائم للسد. فلدينا ما يكفي من الصلصال للبدء في البناء".

وأضاف: "أحضر معنا رئيس العمال لهذه المجموعة، ليرى الموقع هو الآخر".

أومأ هودان، وما هي إلا ومضة حتى كان رئيس العمال مطلياً خلف حارس على جواد آخر، قبل أن يشرعوا في مواصلة الترحال نحو الشرق. كان الممر الضيق بين التلال يرزح تحت طبقة عميقة من الثلوج، وشقُّ الخيول طريقها خلاله كان بطيئاً. وعنى ذلك أن تنقل العربات عبر هذا الممر لن يكون سهلاً في الشتاء إن هم شرعوا في استخراج الفحم قبل ذوبان الجليد، لكن الأمر بدا ممكناً مع بعض الصعوبة.

وكان هذا سبباً كافياً لامتناع البارون السابق عن تعدين الفحم طوال الشتاء. وما لبثوا أن جاوزوا منطقة مناجم الفحم، حيث رأى مجموعة صغيرة من العمال تهمّ بدخول بئر من آبار المناجم لمواصلة شفط المياه من داخلها. ورغم أن كيفاموس كان يخطط للشروع في تعدين الفحم خلال أسبوع، فقد أدرك أن تمرير العربات المحملة بأثقال الفحم من هنا إلى القرية لن يكون سهلاً البتة وسط تلك الممرات الضيقة المكسوة بالثلج.

وما زال الخيار قائماً أمامهم لتأجيل استخراج الفحم ريثما يذوب الجليد كلياً، غير أن ذلك قد لا يكون مجدياً هذا العام بالمعدل الذي يستهلكون به الفحم، حتى بعد تقليص استهلاكه عبر استخدام قوالب نشارة الخشب. سيتوجب عليه التفكير مطولاً في هذا الأمر. وعما قريب، تنامى إلى أسماعهم خريِر المياه قبل أن يعطفوا بخيولهم عند منحنى في الممر ليلمحوا الجدول الشرقي. ورغم تراكم كمية لا بأس بها من الثلوج على ضفتيه، كانت المياه لا تزال تتدفق بحرية في الجدول.

هذا جيد. وحين اقتربوا أكثر من الجدول، أشار لقائد الحراس ليقترب.

وقال: "تبدو التلال كأنها تتباعد شيئاً فشيئاً على يميننا، فلا جدوى من السير مع مجرى الماء من هنا بحثاً عن موقع مناسب للسد. لنعكس الاتجاه ونسر عكس المجرى لنرى إن كنا سنعثر على بقعة ملائمة".

أومأ هودان، وأخذ مكانه في المقدمة مجدداً بصحبة حارس آخر مطمتئً، بينما تبعهما حرسان إضافيان على خيولهم في الخلف. مع ذلك، لم يضطروا للمسير طويلاً قبل أن يلقي كيفاموس نظرة فاحصة حوله ويهتف بالجميع للتوقف. تملى المكان من فوق صهوة جواده، ورأى تلاً فسيحاً نسبياً يقوم على يسار الوادي، بينما استقرت تلتان متوسطتا الحجم على اليمين. كان الجدول يواصل تدفقه بثبات هنا، وبدا واضحاً أنه لا مسار آخر للمياه تسلكه إن هم أقاموا عائقاً هنا على هيئة سد.

وعنى ذلك أن المياه المتدفقة ستشكل خزان مياه حصيناً خلف السد، مما سيكون بالغ الأهمية لتشغيل عجلة مائية هنا. ولحسن الحظ، كانت الضفة الواقعة على يسار الجدول -وهي الناحية المتاخمة لقرية- عريضة بالقدر الذي يسمح لهم ببناء مطرقة ضخمة، فضلاً عن طاحونة حبوب هناك مستقبلاً متى ما نجحوا في تركيز العجل المائي تماماً أمام السد. كما كان انحدار الأرض رفيقاً هنا، مما يعني أن سرعة مياه الجدول لن تكون عاتية لدرجة تجرف السد بمرور الوقت.

وغالباً ما يشكل ذلك هاجساً جسيماً لأن هذا السد سيُشيد في الغالب من الصلصال حتى وإن تطلب تدعيمه بالصخور والأخشاب، عوضاً عن تشييده بالخرسانة المسلحة -مثل معظم السدود على الأرض.

وأعلن قائلاً: "لنلقِ نظرة لمسافة قصيرة صعوداً مع المجرى، لنتأكد من أن التلال المحيطة ستعمل كسدّ ترابي لائق على الجانبين يسمح ببقاء كمية وفيرة من المياه داخل الخزان".