في مساء اليوم التالي وقف كيفاموس داخل قاعة القصر مع الآخرين بينما كان يتأمل قطعتين جديدتين من الورق أطّرتا حديثاً وعُلّقتا على أحد الجدران. على إحدى الورقتين الأصغر حجماً كتب لوسيم وكلاريسا اسميهما بحروف ضخمة إلى جانب بعض الرسوم البسيطة وهما يحاولان تقليده، وبما أنهما طفلان يتعلمان في المدرسة فسيكونان أكثر المستفيدين من الورق في المستقبل. اضطر لوسيم للاستعانة بكلاريسا لتوجيهه لكن كيفاموس سرّته رؤية الأطفال يمتلكون ورقاً حقيقياً للكتابة عليه مستقبلاً.
حملت الورقة الثانية رسماً لأوراق شجر على كرمة من جهة ومسحوقاً من جهة أخرى. رسمت سيرين هذه القطعة وكانت غاية في السعادة لرؤية إسهامها يُحتفى به علناً. لقد قررا ألا يكتُبا أي اسم على تلك الورقة حفاظاً على سرية تلك العملية لاحقاً. رسم على الورقة الثالثة مخطّطاً أساسياً للغاية يوضح عملية صنع هذا الورق بينما حملت الرابعة أسماء كل من أسهموا في إنجازه. لم يكن غالبية الخدم والعمال قادرين على الكتابة بعد لكن غورساسو أراهم طريقة كتابة أسمائهم باستخدام اللوح الخشبي والفحم الذي يستعمله للتعليم في مبنى السكن الجماعي فقاموا بنسخه.
بهذه الطريقة كُتبت بأيديهم وحدها ولم يكن العمال والحراس ليخفوا شعورهم بالفخر. بدا الورق سميكاً للغاية لعدم استخدام مطرقة آلية في صنعه ولم يكن هناك خطر حقيقي من تمزقه بسهولة. كان سيكون أفضل لو استطاعوا توفير الزجاج لحمايته بشكل أفرز لكن الإطار الخشبي الذي وفرته دارورا في الصباح سيؤدي الغرض مؤقتاً.
قال غورساسو وهو يتأمل الجدار المزين حديثاً: "لقد كانت فكرة سيدة. أتَساءل عمّا سيفعله أي زائر للقصر حيالها في المستقبل".
أطلق كيفاموس سخريّة خفيفة: "على حدّ علمي لا يكاد يوجد نبيل آخر في المملكة يرغب في زيارة قريتنا".
أومأ دوفاس برأسه: "أنت محقّ لكن ما من نبيل أبداً سيحتفظ بشيء يصور عامة الشعب أو يخطّونه بأيديهم داخل مسكنه الخاص".
ضحك كيفاموس: "تلك كانت إحدى الأسباب التي دفعتني لفعلها. البشر بشر بغض النظر عما إذا وُلِدوا نبلاء أثرياء أو عمالاً فقراء. نحن جميعاً متساوون في النهاية".
هزّ دوفاس رأسه وهو يرمقه بنظراته: "لديك حقاً طريقة فريدة للغاية في النظر إلى أمور يُسلّم بها الجميع. على الرغم من أنني وُلِدتُ في بيت نبيل فقد عشتُ معظم حياتي كفرد من عامة الشعب بعد مغادرة بيتي لذا أنا أفهم شعورك وأدعمك".
فُتح الباب الخارجي لقاعة القصر في تلك اللحظة وولج تانيوك مرافقاً لهودان.
أبلغ النجار الأقل شعراً بابتسامة فخورة: "لقد أُنجز الأمر يا سيّدي! لقد فرغتُ أخيراً من البوابة الجنوبية الغربية!".
أثنى كيفاموس قائللاً: "هذا رائع يا تانيوك!"
ثم التفت إلى دوفاس: "إذن فقد حان وقت إعلان الخبر".
أومأ مدير شؤون القصر: "تصادف أن اليوم هو موعد تسليم حصص الحبوب الأسبوعية للقرويين لذا سأعلن في الوقت ذاته أن تيرانات قد صارت قرية محصّنة".
بدأ هودان حديثه: "هذا يعني أنني أستطيع أخيراً منح الحراس بعض الراحة التي هم بأحشد الحاجة إليها ونقل مهامهم إلى مناوبة مدتها ثماني ساعات مجدداً عبر إغلاق بوابات القرية الثلاث ليلاً. مع ذلك فنحن بحاجة ماسّة إلى تلك الأبراج المرتفعة قريباً ناهيك عن أكبر عدد ممكن من النشاب. سيبدأ الثلج بالذوبان خلال أسابيع قليلة بما في ذلك الغابات المحيطة بالقرية وهو ما يعني أنه سيصبح أبسط بكثير على قطاع الطرق الإغارة على تيرانات. لهذا السبب علينا الاستعداد للدفاع عن أنفسنا ضدهم بحلول ذلك الوقت".
كشر كيفاموس متعمقاً في التفكير. لقد جعل الشتاء قريتهم الصغيرة منعزلة بطبيعتها مما يعني أنهم كانوا في مأمن من أي غارات أو محصلي ضرائب جشعين لكن لن يمضي وقت طويل قبل أن يضطروا للخروج من عزلتهم سواء أرادوا ذلك أم لا.
وجّه حديثه إلى النجار: "كم سيتستغرق صنع حظيرة لزراعة الفطر؟".
هز تانيوك كتفيه: "يعتمد الأمر على حجم المبنى الذي تريده. إن كان سيماثل مساحة الحظائر داخل القصر فسيستغرق أقل من أسبوع نظراً لامتلاكنا مخزوناً ضخماً من الجذوع الجاهزة للبناء الآن فضلاً عن الخبرة الواسعة التي اكتسبها العمال في هذا المجال. لقد أخبرتني مسبقاً أنك لا تريد تشييد أي مبانٍ جديدة بالألواح الخشبية وهو أمر سيستغرق وقتاً أطول بكثير. ورغم ذلك إن رغبت في جعل هذه الحظيرة الجديدة بنفس حجم مباني السكن الجماعي فسيستغرق الأمر وقتاً أطول مقارنة ببناء أصغر".
تمتم كيفاموس: "لا أعتقد أن هناك حاجة حقيقية لجعلها بحجم مبنى السكن الجماعي. ومع ذلك أرى أن فكرة جعلها أكبر بقليل من الحظائر سديدة إذ لا نعاني من أي نقص في المساحة جنوب القرية. ينبغي مع ذلك أن تكون شاهقة بالقدر الذي يكفي لبناء طابق ثانٍ في داخلها وهو ما سيضاعف المساحة القابلة للاستخدام لزراعة الفطر. كم من الوقت سيستغرق ذلك؟".
بدا أن تانيوك يستغرق في التفكير للحظة: "بمساعدة العربات ذات العجلات وناقلات الجذوع وأداة القروما لتخطيط مساحة الأساسات أستطيع تشييد الهيكل الخارجي للمبنى في غضون أسبوع. أما إضافة طابق ثانٍ..."
حكّ لحيته الصغيرة: "حسناً... أقول لك إن زودتني بعدد كافٍ من العمال فسأنجز ذلك في غضون ثلاثة إلى أربعة أيام أخرى بعد الانتهاء من المبنى. هذا يعني وجوب إتمام كل شيء في نحو عشرة أيام".
علق كيفاموس: "إنه أبطأ مما أردتُ لكن لا بديل عن ذلك على ما أظن. حسناً إذن. عليك البدء في ذلك غداً. سيوضح لك دوفاس الموقع المنشود. بما أنه لن يسكن أحد في الداخل فلا داعي للقلق بشأن شكل المبنى الخارجي. احرص فقط على أن يكون متكيناً بالقدر الكافي".
أومأ تانيوك قائلاً: "كما تأمر يا سيّدي"
قبل أن يستأذن ويغادر القاعة.
تمتم كيفاموس وهو وجلس والآخرون بالقرب من المدفأة: "عشرة أيام إذن...".
وأضاف: "سيتعين علينا توجيهه لبناء أبراج المراقبة فور الانتهاء من ذلك".
التفت إلى مدير شؤون القصر: "كم من الوقت تتوقع أن يستغرقه تحسن المناطق المحيطة لتصبح صالحة للتنقل لا سيما الطريق الشمالي؟".
ألقى دوفاس نظرة سريعة على النوافذ التي كانت لا تزال مغلقة في ذلك الوقت: "هذا شتاء معتاد إلى حد ما لذا أعتقد أنه بعد اكتمال حظيرة الفطر في غضون عشرة أيام ينبغي أن يتبقى لدينا نحو أسبوع إضافي قبل أن يبدأ الثلج بالذوبان وأسبوع آخر على الأقل قبل ذوبانه كلياً رغم أن المناطق المجاورة ستظل موحلة وصعبة السفر لفترة من الوقت. إذن ربما يمر نحو شهر قبل أن نتوقع قدوم محصل الضرائب من الشمال".
سخر هودان قائلاً: "إلى جانب قطاع الطرق الذين لابد أن رغوتهم تفوح من شدة الحماسة للإغارة على قريتنا! ليس كأنهم يتوقعون أبداً أننا أشد استعداداً بكثير مقارنة بالغارة الأخيرة!".
ابتسم كيفاموس بخبث: "نعم. على أي حال أظن أن ذلك الوقت سيكون كافياً تماماً للنجار لبناء أبراج مراقبة في جميع الأركان الأربعة لسور القرية. خططنا لبناء المزيد ولكن مجرد امتلاك هذه الأبراج الأربعة داخل أسوارنا ومع وجود رماة نشاب مدربين - أو راميات - فوقها سيجعل أي مجموعة من قطاع الطرق تندم على قرار مهاجمتنا".
نظر إلى مدير القصر: "يذكرني ذوبان الثلج بما آلت إليه أعمال تطهير الغابات في الجنوب".
أجاب دوفاس: "لقد تفوق رئيس العمال الجنوبي بينوتو على نفسه سيما وأننا سخرنا كافة عمال القرية المتاحين للعمل في الجنوب. تبذل النساء قصارى جهدهن لتطهير الحقول من الصخور والحصى الصغيرة بيد أن الأراضي الزراعية ستظل بحاجة لبعض التجهيزات النهائية قبل أن نشرع في البذر".
واستطرد: "أما بالنسبة لسؤالك فأعتقد أننا نقترب الآن من ثمانين بالمئة من المساحة المستهدفة التي خططنا لتطهيرها. أظن أننا قد نتمكن حتى من تجاوز المساحة المخططة بحلول الوقت الذي تصبح فيه الأرض جاهزة للبدء بالبذر".
كظم كيفاموس ألمه: "نحن بحاجة ماسّة لتجاوزها بقدر جيد حقاً إذ استقبلنا بالفعل تسعة عشر فرداً إضافياً من الغرب وإن سارت الأمور على ما يرام فسنبدأ في استقطاب المزيد من المهاجرين بحلول ذلك الوقت. يعني ذلك أن علينا بذل قصارى جهدنا لتطهير أكبر قدر ممكن من الغابات لتمهيد الطريق أمام الأراضي الزراعية. ومع ذلك كيف يستقر أولئك الوافدون الجدد القادمون من كيرنوس؟".
هز دوفاس كتفيه: "لا يكون التأقلم مع الحياة في مكان جديد سهلاً قط لا سيما وأنهم يدركون الآن أنهم يعيشون في مبنى صُمّم خصيصاً ليكون سجناً. مع ذلك وبينما لا يزال الأطفال مترددين في مغادرة محيط ذويهم فقد تحدث البالغون معي بالأمس مستفسرين عن كيفية الإسهام إذ يعلمون استحالة استمرارهم في تلقي وجبات مجانية دون العمل مقابلها. نالوا حتى الآن بضع أيام من الراحة مصحوبة بطعام جيد لذا فقد وزعت معظمهم بدءاً من اليوم للعمل على تطهير الغابات في الجنوب. لم يمتلك أي منهم خبرة سابقة في قطع الأشجار لكننا بحاجة لأعداد هفيرة من البشر لمجرد نقل الأغصان المتساقطة والصخور وما شابه. لذا فهم يساعدون في ذلك إلى أن نصبح مستعدين لبدء البذر حيث سحتّم خبرتهم السابقة استخدامَهم فلاحين".
أومأ كيفاموس برأسه: "بالتأكيد. يتوجب علينا الاستفادة من الخبرة التخصصية لكل شخص عند اتخاذ قرار بشأن توجيهه للعمل. لهذا السبب حين ذكرتُ سابقاً أن قدوم هؤلاء الوافدين الجدد سيعني قدرتنا على استخراج كميات من الفحم تفوق ما كنا سنحققه لولاهم - فحتى في تلك الحالة لن نكلف هؤلاء المزارعين السابقين بتعدين الفحم. بل سنستعين بدلاً من ذلك بالعمال ممن يمتلكون خبرة سابقة في تعدين الفحم لنكلفهم بتلك المهمة ونوجه هؤلاء المزارعين السابقين للعمل في أماكنهم مثلما فعلتَ بالفعل بإرسالهم إلى الجنوب. سيؤدي هذا إلى تحقيق النتيجة ذاتها المتمثلة في استخراج فحم إضافي مع الاستفادة الكاملة من الخبرة السابقة لكل فرد".
هبّ مدير القصر موافقاً: "أتفق مع ذلك تماماً! ليس الحرفيون وحدهم من يدركون فوائد التخصص!".
ضحك كيفاموس بخفة: "يسرني سماع ذلك".