أومأ كيفاموس برأسه وتناول الإطار بين كفيه يقلبه على كل وجهه. بصراحة وعلى الرغم من أن جودته كانت بعيدة كل البعد عن تلك التي تصنع على الأرض الحديثة، فهو لم يكن يتوقع حتى هذه الجودة من إطار مصنوع يدوياً بالكامل من القالب والشبك.
"هذا سيفي الغرض تماماً."
وضع الإطار على الطاولة والتفت إلى النجار.
"عد إلى هنا غدًا في المساء لتسمر باقي الشبكات على الإطارات المتبقية. يفترض أن يكون سيدورون قادراً على صنع معظم الشبكات بحلول ذلك الوقت. وعليك قضاء ما تبقى من وقتك في مواصلة العمل على القوس المركب الثالث."
أومأ دارورة برأسه.
"كما تأمر يا سيّدي. سأستأذن الآن إذن لأنجز المزيد من العمل قبل حلول الظلام."
قال سيدورون: "ينبغي لي الذهاب أيضاً. أظن أنني ستكون لي القدرة على إنهاء شبكة أخرى بحلول الغروب."
"حسنًا."
أومأ كيفاموس ولوح لهما بالانصراف.
"دوفاس، لنذهب ونرى كيف تسير الأمور الأخرى."
أومأ كبير الخدم وبدءا السير نحو البوابة الشرقية للقصر عابرين بالقرب من ساحة التدريب في الجنوب الشرقي منه. وما إن اقتربا حتى أبصرا قائد الحراس منخرطاً في قتال وهمي مع حارسين في الوقت ذاته. انتظرا قليلاً ريثما يفرغان من النزال — وكان ذلك يعني ببساطة رؤية هودان وهو يوسع الحارسين ضرباً بينما كانا يحاولان الدفاع عن نفسيهما عبثاً — قبل أن يشير كيفاموس إليه بالاقتراب عندما استسلم الحارسان.
هرول هودان نحوهما، وأمره كيفاموس باحضار حارسين إضافيين معه. وحالما رافقهه ودوفاس قائد الحراس وحارسان آخران، خرجا من البوابات الشرقية للقصر ليبينا أسوار القرية على بعد مئة متر تقريبا منهما. بيد أنهما لم يحتاجا إلى السير تلك المسافة كلها. وقبل منتصف الطريق تقريباً رأيا موقعين كان الخدم منشغلين فيهما بالعمل فبدءا السير نحوهما. ولما اقترب من الموقع الأول رأى خادماً يراقب وعاءً خزفياً له ثقب صغير في جانبه السفلي أيضاً.
كانا قد أخذا هذا الوعاء من المطبخ وأحدثا ثقباً صغيراً في أسفله وربطا عليه قماشاً ثخيناً. وباستخدام حامل مؤقت صنع من ثلاثة أعواد خشبية عُلق ذلك الوعاء فوق وعاء عادي آخر، ثم مُلئ الوعاء المزدوج حتى منتصفه تقريباً برماد الخشب قبل سكب بعض الماء الساخن فيه ليغمر الرماد بالكامل. مر الماء ببطء عبر الرماد وبدأ بالخروج من أسفل الوعاء المزدوج عبر القماش المربوط عليه قبل أن يشرع في التجمع في الوعاء العادي بالأسفل.
استغرق الأمر حتى وقت الظهيرة ليمر كل الماء عبر الرماد القادم من الوعاء المزدوج، ومع مروره عبر الرماد التقط الغسول، مما يعني أن الماء المنحدر من النسيج قد جمع بعض الغسول في داخله بينما منع القماش الرماد من العبور معه. وأخيراً أبلغ خادم في فترة الظهيرة أن الوعاء السفلي قد جمع كل الماء المقطر، فأمره بأن يأخذ الوعاء السفلي الذي جمع مزيج الماء والغسول ويسكبه عبر الوعاء المزدوج مجدداً، ماراً هذه المرة عبر كومة طازجة من الرماد.
وبهذه الطريقة يحصل ذلك الماء ذاته على تركيز أعلى من الغسول لأنه سيجمع كمية أكبر من الرماد الجديد. بدا الآن وكأن الماء قد توقف مجدداً عن التقطير من الوعاء المزدوج، فأمر الخدم بتكرار العملية مرة أخرى. وأومأ الخادم برأسه فأفرغ الوعاء المزدوج من الرماد المستعمل ووضع فيه كمية طازجة من الرماد أخذها من وعاء فخاري مجاور، وعلق الوعاء على ذلك الحامل المؤقت المصنوع من العيدان الخشبية.
ثم أخذ الوعاء من الأسفل وسكب كل السائل الذي فيه داخل الوعاء المزدوج مسرعاً في إعادته إلى الأسفل ليبدأ في جمع مزيج الماء والغسول. وحالما انتهى من ذلك تفقد الخادم الترتيبات المشابهة الأخرى المجاورة حيث كانت أوعية مزدوجة أخرى تحتوي على الرماد والماء تقطر في حاويات أخرى بالأسفل.
فنادى الخادم وشرح له قائلاً: "اترك هذه الأوعية هنا طوال الليل فالتركيز ثلاث مرات سيكون أكثر من كافٍ لما نبتغيه. غداً في الصباح سنكب كل مزيج الماء والغسول في حاوية كبيرة ونغليه لنحصل على محلول أقوى من الغسول. إياك ولمس هذا الغسول ولو عن طريق الخطأ لأنه سيحرقك بشدة."
وما إن أومأ الخادم برأسه حتى تركه يراقب العملية وانتقل إلى الموقع الثاني. كان خادم هنا يسكب الماء الساخن في حاوية تضم الكثير من شعر الحيوانات مقلباً المزيج وضاغطه مراراً وتكراراً. سيؤدي ذلك إلى تشابك الألياف ونسجها في قطعة واحدة من القماش نظراً لأن لكل شعرة حراشف دقيقة وكانت الحرارة والحركة والرطوبة سبباً في انفتاح الحراشف بينما أدى تقليب المزيج إلى التصاق بعضها ببعض متخلقاً بذلك اللباد.
وبالقرب منه أخذ خادم آخر حاوية اكتملت فيها العملية بالفعل وبعد صب الماء لف المزيج الناتج على قطعة قماش خيش كانت هي الأخرى ملفوفة حول فرع شجرة قبل أن تُغطى بقطعة أخرى من الخيش المربوط حولها. سيسهل ذلك استقرار الألياف وجفافها وسيسرع عملية اللباد. وانتظر إلى أن فرغ كلا الخادمين فناداهما.
"يبدو أن الأمور سائر على ما يرام. اتك اللباد ملفوفاً طوال الليل وبحلول الغد يفترض أن نتمكن من إخراج اللباد المصنوع حديثاً."
أومأ الخادم بالقبول قائلين: "بالتأكيد يا سيّدي،"
قبل أن يعودا إلى عملهما.
علق دوفاس قائلاً: "لا يبدو حتى الآن أننا نقترب من صنع الورق. أتتأكد من أنك صنعت الورق في الماضي؟"
عجز كيفاموس عن كبح ضحكة انطلقت منه.
"لم أقل قط إنني صنعت الورق بنفسي ولكني قرأت عن العملية في بعض الكتب وأنا أدرك كيف تعمل. لا تقلق هذه هي المرحلة الأولى فحسب. سنأتي إلى هنا غداً للخطوة التالية."
* * *
كان الوقت متأخراً من عصر اليوم التالي وكان كيفاموس يزور شرق القصر مرة أخرى برفقة دوفاس وهودان وبضعة حراس آخرين. والحق يقال إن الورق يتعذر صنعه بجودة جيدة إلى أن يصبح المطرقة الآلية جاهزة، ولكنه كان قد بدأ بالفعل في عملية صنع الورق وأراد أن يمضي بها حتى نهايتها حتى وإن تركت النتيجة النهائية ما يجعله راغباً في المزيد. وما إن يتسنى لهم تجهيز المطرقة الآلية مستقبلاً فسيتمكنون من فعل ذلك على نطاق أوسع أما الآن فلا تزال القوة البشرية قادرة على صنع الورق هنا.
ألقى نظرة حوله فرأى بحلول هذا الوقت كمية جيدة من الغسول المجمع في حاوية كبيرة وصاروا مستعدين للخطوة التالية. وعلى الرغم من أن الغسول قد جرى تركيزه مسبقاً بتبخير الماء من المزيج المخفف للغسول والماء في الصباح فقد أمر الخدم بألا يجففوه تماماً — وهو ما سيفضي إلى تكوين بلورات من الغسول — إذ سيضطرون حينها إلى صنع محلول منه مجدداً على أي حال. وعلى مقربة منه في الفضاء الفارغ شرق القصر كانت بضع أفرخ من اللباد جاهزة هي الأخرى معلقة على حبل لتجف أكثر.
كما احتفظ بالحوض الخشبي المصنوع حديثاً على أحد الجانبين والذي سلمه دارورة في وقت مبكر من الصباح مع بضعة مضارب خشبية. وجلب خادم أيضاً بضع أحمال من نشارة الخشب مستخدماً عربة يد وألقاها في جانب من الجانبين. وأبقيت بضعة براميل من الماء بالقرب منه للاستخدام حيثما دعت الحاجة. وبحلول ذلك الوقت كانت معظم القوالب والإطارات جاهزة أيضاً مع تسمير الشبكة السلكية على إطارات القوالب.
كما أمرهم بإحضار مقعدين خشبيين إلى هنا لعلمه بأن عملية اليوم ستستغرق بعض الوقت وأنهم سيحتاجون إلى اخذ قسط من الراحة في المنتصف. وأخيراً نظر إلى التجمع الصغير للخدم والحراس فضلاً عن عدد من العمال من القرية وصفق بيديه بقوة.
"حسناً لنبدأ! ليأخذ أحدكم سلة ويبدأ في وضع نشارة الخشب في الحوض الخشبي الكبير. وأنت،"
وأشار بإصبعه إلى عامل آخر، "أحضر بعض الماء وابدأ في ملء الحوض لتغمر نشارة الخشب بالكاد."
وحالما انتهى من ذلك أمر العمال باستخدام أعواد خشبية لبدء خلط المزيج معاً لكي يكتسب قواماً أكثر تجانساً. استغرقت العملية وقتاً وبدا العمال متعبين بحلول ذلك الوقت فأمرهم بأن ينالوا قسطاً من الراحة.
"والآن الجزء الممتع."
نظر إلى هودان والحراس.
"حان وقت استخدام عضلاتكم. التقطوا المضارب وبدءوا في ضرب تلك العصيدة."
عبس هودان قائلاً: "أه..."
"المفروض أن نضرب هذه... العصارة من نشارة الخشب؟"
ابتسم كيفاموس قائلاً: "هذا ما قلته. اعتبروه نوعاً جديداً من التدريب إلى أن يستريح العمال قليلاً."
رمق هودان الحراس الآخرين بنظرة.
"حسناً، تعالوا أيها الفتيان! لنرهم مما نحن مصلوعون!"
وعلى إثر ذلك شرع الحراس في ضرب العصيدة بحماسة بينما واصل أحدُهم خلط العصيدة بين الحين والآخر. وبعد أكثر من ساعة — حيث أخذ الحراس نوبات للراحة ومواصلة ضرب العصيدة — رفع كيفاموس يده.
"حسناً هذا يكفي الآن."
وتعالت فوراً تنهدات الارتياح وتراجع الحراس إلى الخلف وجلس بعضهم على المقعد للراحة.
وأشار إلى الخدم بالاقتراب وبدأ حديثه: "الآن صفّوا الماء الزائد من هذا المزيج وضعوا العصيدة المتبقية في القدر. ثم أشعلوا النار تحته واسكبوا بعض الغسول فيه. احذروا لئلا يتطاير أي شيء منه على أي منكم."
نفذ الخدم الأمر بحذر ولم يلبث أن احترقت بضع فروع خشبية تحت القدر مما جعل المزيج يشرع في الغليان. واستمروا في غليه لفترة من الوقت مع تقليبه بين الحين والآخر لكي تكتسب نشارة الخشب قواماً أكثر تجانساً بينما يجعل الغسول ألياف الخشب أكثر مرونة. وبعد فترة من الوقت عندما تبخر معظم الماء ارتكب رأيه بأنه يكفي.
"حسناً الآن أزيلوا الفروع من أسفل القدر لتبدأ هذه العصيدة في البرود."
نفذ الخدم الأمر بينما انتظر باقي الناس بترقب.