من لندن إلى اللورد الفصل 230 — البوابة الجنوبية الغربية

اقرأ من لندن إلى اللورد الفصل 230 — البوابة الجنوبية الغربية باللغة العربية على مانجا تايم.

~ هيولا ~ "اقترب الظلام..."

تمتمت هيولا، وهي ترمق الخارج من البوابة الجنوبية الغربية للقرية. لم تكن بوابة فعلية بعد، فالنجار ما زال يواصل بناءها، غير أن يوماً أو يومين كانا يكفيان ليكمل هذه البوابة الأخيرة أيضاً. كان أحد مصراعي البوابة مثبتاً بالفعل على السور، بينما وضع النجار المصراع الآخر المكتمل تقريباً مائلاً على الجدار الخشبي حين غادر لليوم، ريثما يبدأ بتثبيته على السور في الغد. كان وقت نوبتها في الحراسة.

هي المرأة الوحيدة التي وُضعت في نوبات الحراسة حتى على بوابات القرية، بخلاف الحارسات الأخريات اللاتي كُلِّفن بالحراسة على بوابات قصر السِّيد فحسب. مضت بضع ساعات فقط منذ بدأت حراستها، وكان عليها أن تقضي ليلة طويلة أمامها. كان كيرل الحارس الآخر الواقف بجوارها، بشعره الرمادي اللامع كالححديد، وسيفه الطويل المعلّق خلف كتفه. توقف تساقط الثلج مؤقتاً، وإن تجمع نحو نصف قدم من الثلج خارج الأسوار، حيث لم يطأه الناس طوال اليوم.

كانت مجممرة تشتعل في أحد جانبي البوابات، وهناك قضت وقتاً تدفئ يديها قبل أن تعود إلى البوابات وتخبر كيرل بأن بوسعه الذهاب إلى المجممرة الآن. نظرت هيولا إلى الحارس الأكبر سناً بعد أن ابتعد.

"ألا ينبغي لنا إغلاق البوابات الآن؟"

أدركت تماماً أنهما لا يستطيعان إغلاق البوابات فعلاً حين لا تكون البوابة مكتملة أصلاً، لكنهما شرعا منذ البارحة في إسناد الجزء الآخر من البوابات على الفجوة الواقعة بين السور والجزء المثبت بالفعل، ليتوافر شعور ما بالأمان. لن يمنحهما ذلك أماناً حقيقياً، لكنه ظل أفضل من ترك ممر مكشوف بالكامل يؤدي إلى القرية.

"همم..."

تمتم كيرل وهو يملي ناظريه على السماء المظلمة، حيث يبدو هلال نحيل هناك في الأعلى.

"ليس هناك أحد آخر في هذا الجانب من القرية، أليس كذلك؟"

"ذهب أحد صبية النجار لقضاء حاجته منذ قليل، لكنه عاد قبل فترة وجيزة، وكان آخرهم."

أومأ كيرل برأسه.

"لنَفعلها إذن."

مشى نحو حيث وُضع الجزء غير المثبت من البوابة مسنداً إلى السور، وأشار لها بيده مقترباً.

"تعالي، ساعديني هنا!"

بدأت هيولا المشي من موقعها على الجانب الآخر من البوابة نحو المكان الذي ينتظر فيه كيرل، ملقية نظرة عابرة نحو الخارج عبر الفجوة وهي تعبرها. لكن، قبيل اجتيازها للفجوة، بدا لها أنها رأت حركة ما في الأفق خلف الأشجار الأقرب التي تبعد أكثر من خمسمائة ياردة - لا، خمسمائة متر. كان ذلك هو الاصطلاح الجديد الذي يعلمه السيّد كيفاموس للقرويين، وكان عليها أن تحاول تعلّمه أيضاً.

لربما استحال رصد أي حركة هناك بعد فترة قصيرة حين يشتد الظلام، بيد أن الشمس التي غابت مؤخراً في الغرب خلف تلك الأشجار أبقت السماء الغربية ساطعة بما يكفي لتُبرز أي حركة في ذلك الاتجاه بهيئة ظلال. أحسرت بصرها في الأفق. أكانت تتخيل الأمر فحسب؟ ومن عساه يكون هناك في مثل هذا الوقت على أي حال؟ كانت واثقة تماماً من عدم وجود أي شخص آخر متوقع دخوله من هذه البوابة. لربما كان حيواناً برياً ما؟

لاحظ كيرل توقفها عن المشي وهي واقفة في تلك الفجوة، فرمقها بنظرة.

"أسرعي. لا أستطيع تحريك هذه البوابة وحدي. سيُعدّ الأمر صعباً حتى لو كنا اثنين."

"انتظر..."

همست هيولا نحوه، مسبلة عينيها باتجاه تلك الأشجار.

"أظن أن هناك شيئاً هناك."

على الأثر، ترك كيرل الجزء غير المثبت من البوابة، ومشي نحوها ويداه على مقبض سيفه.

"ماذا رأيتِ؟"

"لست متأكدة حقاً..."

تمتمت هيولا، وهي تشير باتجاه تلك الأشجار.

"أعتقد أن هناك شيئاً خلف تلك الشجرة - تلك التي لها غصن أعوج. قد تكون ذئباً حقاً، رغم أنها لم تكن بحجم يكفي لتكون أدزيّاً أو دبّاً."

خرج كيرل إلى خارج فجوة البوابة، وتبتعته هيولا وهي تمسك قوسها النشّاب بين يديها مستلة إياه من حزام الكتف حيث يعلق عادة. ظلا يحدقان بين تلك الأشجار لفترة، فلم يريا شيئاً.

"لعلّي تخيلت الأمر فحسب"، تمتمت هيولا.

لربما ما كان لها أن تذكر شيئاً من الأساس... لا! ما زالت تذكر التعليمات التي تلقاها جميع الحراس من فيروي. إن رأى أي منهم شيئاً مريباً، فلا ينبغي له أن يساوره الشك في نفسه. وحتى لو تبين أنه إنذار كاذب، فقد أُمِروا بإبلاغ رؤسائهم، أو أي شخص يتواجد بالقرب. أومأ كيرل برأسه في النهاية.

"لا أرى شيئاً أنا الآخر. لنعد ونضع البوابة في مكانها."

أخذت هيولا نفساً عميقاً وأومأت. عاد اثنوهما إلى داخل الأسوار، وتقدم كيرل باتجاه جزء البوابة بينما تبعته هيولا إلى هناك. وقبيل أن تختفي خلف الأسوار، ألقت نظرة أخيره باتجاه الأشجار، ورأت شيئاً يتحرك مرة أخرى.

"هناك! أنا متأكدة أنني رأيت شيئاً هذه المرة!"

همست بنبرة ملحة. قطب كيرل حاجبيه، وأشار لها بالدخول، واضعاً إصبَعاً على شفتيه.

وما إن اختفت هي حتى صارت متوارية خلف الأسوار، ليهمش قائلاً: "يصعب علينا الرؤية بوضوح لعدم وجود مصدر ضوء هناك، بينما يستطيع أي شخص أو كشيء هناك رؤيتنا بسهولة على ضوء المجممرة. يجعل هذا احتمال وجود بشر هناك أكبر، لا حيوانات. دعيني أنحي المجممرة جانباً، وحينها سنكون على قدم المساواة."

أومأت هيولا بقوة وهي تقف خلف الأسوار على الجانب الأيمن للفجوة، وما هي إلا لحظات حتى عاد الحارس الأكبر سناً بعد أن وضع المجممرة على بعد بضع عشرات من الأقدام خلف الأسوار في الجانب الأيسر.

"لن نكون مضاءين بضوئها الآن"، همست كيرل من جانبه بالفجوة.

"ابقِي نفسك خلف الأسوار وحاولي الاختلاس من الجانب فقط. بهذه الطريقة يقل احتمال ملاحظة من هو هناك بأننا نراقبه."

استغرقت عيناها بضع ثوانٍ لتعتادا على الظلام، ورأت هيولا مجدداً بعض الحركة خلف تلك الشجرة ذات الغصن الأعوج.

"أترى ذلك الآن؟"

همست نحو الحارس الأكبر سناً.

"هناك شخص ما بالتأكيد خلف الشجرة التي أشرت إليها سابقاً."

"أراه"، تمتم كيرل بعد برهة.

"ليس ذلك أحداً من قريتنا، وإلا لما كان له مبرر للاختباء هناك."

"أفتراه قاطع طريق إذن؟"

تنفست هيولا.

"ولم قد يحاول قاطع طريق بمفرده مهاجمة قرية؟"

"قد يكون استطلاعياً..."

أجاب كيرل.

"يجب أن نخبر أحداً بهذا."

نظر خلفهما، حيث تبعد آخر منازل القرية نحو مئة متر خلف الأسوار.

"مع وجود اثنين منا فقط هنا، ليس من الجيد أن يغادر أحدنا، مما سيترك الآخر وحده. يبدو أن هناك كشّافاً واحداً فقط هناك، لذا لا توجد حالة طارئة لهجوم وشيك الآن. سيمر الحراس الخيالة في دوريات سور القرية من هنا عما قريب. ويمكننا إخبارهم بإعلام الآخرين في القصر بهذا. يمكنهم إيصال الخبر على صهوات خيولهم أسرع مما نستطيع نحن على أقدامنا."

"نعم، لنفعل ذلك"، تمتمت هيولا، وهي تضيّق عينيها باتجاه تلك الأشجار في حيرة.

لقد رأت حركة ما خلف شجرة أخرى تبعد مسافة عن الأولى. ألم يُفترض بذلك اللص - أو الكشّاف - أو أياً كان، أن يكون خلف الشجرة ذات الغصن الأعوج؟ كيف تحرك إلى هذه المسافة البعيدة دون أن يرياه؟ فجأة، رأت حركة خلف شجرة أخرى تقع في الجهة المقابلة للشجرة ذات الغصن الأعوج. انتظر... أكان الكشّاف قد غيّر مكانه مرة أخرى دون أن تلحظ هي ذلك؟ ظلت تحدق نحو تلك الأشجار بتركيز، وحينها رأت حركة خلف شجرة أخرى فرمشت عينيها من الدهشة.

يستحيل على أي بشر التحرك بهذه السرعة. إن مغزى رؤية الحركة خلف أشجار عديدة جمّد الدم في عروقها.

"ليحفظنا الملك..."

تمتم كيرل.

"ليس هذا كشّافاً واحداً! هناك عصابة كاملة من قطاع الطرق هناك!"

التفت إلى الخلف باتجاه القرية مع تقطيب شديد لحاجبيه.

"أين الفرسان حين نحتاج إليهم..."

"ألا ينبغي لنا نفخ البوق الآن؟"

سألته هيولا بخوف.

"تلك كانت تعليماتنا."

"ليس لدينا هنا بوابة نستطيع إغلاقها بعد نفخ البوق"، همست كيرل بغضب.

"لقد وضعنا ذلك اللوح الخشبي فقط لئلا تتسلل أي حيوانات برية للداخل ليلاً. ولن يفعل شيئاً لحمايتنا من قطاع الطرق! يبدون الآن راضين بالمراقبة من بعيد، لكن إن نفخنا البوق فسيدركون أننا نعلم بوجودهم وسيهاجمون فوراً، ولا طاقة لنا بمواجهة هذا العدد من الرجال وحدنا!"

"أنت محق"، أومأت هيولا، قبل أن تدرك أن كيرل ينظر للخارج ولن يرى إيماءتها.

"من الأفضل غالباً الانتظار حتى يحضر فرسان الدورية، أو حتى نرى قطاع الطرق يتجهون نحونا."

"نعم. ولكن إن ظل الفرسان غائبين بعد قليل، ورأينا قطاع الطرق قادمين للهجوم، فعليك الركض بأقصى سرعتك إلى القصر لطلب النجدة، بينما أحاول أنا إعاقتهم لأطول فترة ممكنة."

أدركت هيولا فوراً ما يعنيه ذلك لكيرل، غير أن الأوامر أوامر. لن تبدو مغادرة شريكها في الحراسة صائبة أبداً إن وقع هجوم، مع ذلك، كان كيرل رئيسها، ولا يليه في مراتب الحراس سوى هودان وفيرو. ويعني ذلك أنه يعلم ما يقوله.

"حسناً"، همست بتردد قبل أن تومأ وتوطد عزيمتها للقتال إن تطلب الأمر.

لم تدر متى سيقرر قطاع الطرق الهجوم أو متى سيصل حراس الدورية إلى هنا. لا تزال هيولا واقفة خلف الأسوار وتحاول حسم أمرها عما إذا كان بإمكانها ترك كيرل لمصيره إن بلغ الأمر ذروته أم أنها ستسانده في صد غارة قطاع الطرق. أطلقت زفيراً قوياً. ستكون هذه ليلة عصيبة. فجأة، التفت كيرل نحوها بنظرة حادة.

"اركضي! اركضي إلى القصر فوراً!"

كان الحارس الأكبر سناً قد استل سيفه بيده، واستخدم يده الأخرى ليقرب البوق من شفتيه قبل أن ينفخ فيه بقوة. إذ فرغ عقلها تماماً من الأمر المفاجئ فضلاً عن صوت البوق الصاخب، استغرقت هيولا لحظة لتدرك ما يجري. اختلست النظر من جانب السور لتتأكد بنفسها، وما رأته أرسل قشعريرة في جسدها - وما كان لذلك صلة بالطقس. كان قطاع الطرق يخرجون من بين الأشجار بأعداد هائلة، يلمع وميض معدني في أيديهم في تلك الليلة المقمرة.

"هيولا! اركضي إلى القصر الآن!"

صرخ كيرل مجدداً وهو يتحرك ليقف في الفجوة بمنتصف البوابة.

"لكن..."

تردد. إن غادرت، فهذا يعني أن كيرل سيكون بمفرده، والأرجح أنه لن ينجو من هذه الليلة.

"هيولا!"

هدر كيرل.

"تحتاجين لجلب النجدة وإلا ستصبح القرية بلا حماية إن تجاوزوني! سأكون بخير حتى تحضري بقية الحراس، ولكن عليك الذهاب حالاً!"

وهي ترمش بعينيها اللتين ترطّبتا فجأة، أومأت هيولا بتردد، قبل أن تفكر فجأة، فسلّمت القوس النشّاب وجعبة السهام إلى الحارس الأكبر سناً. لن يجدي ذلك نفعاً كبيراً، لكن استخدام كيرل له هنا أفضل بكثير من أن تأخذه هي معها إلى القرية. أومأ الحارس الأكبر سناً شاكراً، قبل أن يستدير غرباً ليخوض معركته الأخيرة.

"اذهبي!"

أومأت هيولا مرة أخرى بعينين غائمتين، واستدارت قبل أن تبدأ بالركض أسرع مما فعلت طوال حياتها. كان عليها جلب النجدة لإنقاذه! صارت حياة كيرل في يديها الآن...