من لندن إلى اللورد الفصل 229 — عفن وحاشية

اقرأ من لندن إلى اللورد الفصل 229 — عفن وحاشية باللغة العربية على مانجا تايم.

رد كيفاموس: "السبب البسيط هو أن الورق لن يقتصر استخدامه علينا نحن الاثنين في المستقبل. لا يمكنك أن تتخيل الآن إلى أي مدى سيبلغ انتشار استعمال الورق لاحقاً. يمكننا استخدامه لنمنح الأطفال شيئاً يكتبون عليه، ويمكننا الاستغناء عن الرقوق الباهظة، وربما طباعة الكتب في المستقبل أيضاً. كما أن تحويل الجلد إلى رق يستغرق أيّاماً عدة، بينما يمكن صنع الورق أسرع بكثير وبكميات أكبر، وهو ما سيجعل الكتب في متناول كل من يرغب فيها".

ونظر إلى كبير الخدم الذي بدا عليه التشكك حتى اللحظة.

"فقط ثق بي في هذا الأمر".

ابتسم دوفاس.

"بالطبع أنا أثق بك. لقد أثبتَّ جدوى أفكارك مراراً وتكراراً، بغض النظر عن مدى غرابتها في البداية".

وأردف: "بالمناسبة، كنت تقصد كتابة كتب جديدة أليس كذلك؟ أنا لا أستيع إدراك معنى طباعة الكتب".

ابتسم كيفاموس.

"الطباعة... يصعب شرحها بعض الشيء دون عرضها فعلياً. دعنا نرجئ الأمر إلى المستقبل ريثما نكون مستعدين لها".

وما إن أومأ كبير الخدم برأسه، حتى التفت إلى النجار الواقف وفي عينيه شغف ظاهر.

"لن تكون هذه آلة فردية مستقلة، بل ستتضمّن عدة أجزاء تُستخدم بالتتابع لإنجاز عملية صنع الورق بأكملها".

وأشار إلى مخطط التصميم الذي رسمه.

"تبدو أغلب القطع بسيطة للوهلة الأولى، لكنها بحاجة إلى متانة كافية تمنعها من التكسر تحت الأحمال".

ووضع إصبعه على رسم لإطار خشبي مستطيل.

"هذا أبسط الأجزاء. عليك صنع نحو عشرة من هذه في الوقت الحالي، سيصير أحدها إطار التشكيل بينما يتحول الآخر إلى القالب. سأطلب من سيدورون صنع شبكة دقيقة أكبر حجماً لتثبيتها على نصف هذه الإطارات، تماماً مثل تلك التي يصنعها لمصابيح الأمان الجديدة في مناجم الفحم. سأريكم لاحقاً كيفية تثبيت الشبكة على الإطارات عندما يصبح الطرفان جاهزين".

عقدت دارورا حاجبيه.

"لقد ذكرت هذا مسبقاً لكن هذه الأشياء لا تزال أبسط من اللازم... يمكنني صنعها بسهولة بحلول مساء الغد. أهذا كل شيء؟"

ضحك كيفاموس بخفة على عجلة النجار الشاب الموهوب.

"بالطبع لا. بعد هذا أنا بحاجة إلى حوض خشبي، يشبه تماماً تلك التي تستخدمها الخادمات لغسل الثياب، إضافة إلى مِدكّ خشبي - مجدداً، شبيه بما يستعملنه في غسيل الملابس".

نظر إليه دوفاس حاجبين مرفوعين.

"يبدو هذا وكأنك تريد فقط أمر المزيد من الخادمات لغسل الملابس... أهكذا يُصنع الورق حقاً؟"

تجاهل كيفاموس السخرية وتابع: "سنحتاج إلى مرجل متوسط إلى كبير الحجم للغلي، لكن يمكننا الاكتفاء بواحد إضافي من المطبخ لهذا الغرض. لدينا ما يكفي من الحبال التي اشتريناها من بيداسو قبل الشتاء، لذا يمكن استغلالها في التجفيف".

وحدث نفسه متممتمًا: "همم... سنحتاج أيضاً إلى صنع بعض اللباد لهذا الغرض، إذ لم أره هنا قط، لكن ينبغي أن يكون ذلك ممكناً باستخدام شعر الأرانب أو الذئاب. كما سنحتاج إلى كمية جيدة من الغسول".

ونظر إلى كبير الخدم: "هل ما زلت تلقي برماد الخشب في حفر بالأرض كما في السابق؟"

هتف دوفاس: "بالطبع لا، أنا لست شديد النسيان إلى هذا الحد! لقد بدأنا بالفعل تجميعه في أوانٍ فخارية كبيرة لاستخدامه سماداً في الحقول بعد أن حدثتني عن ذلك قبل شهر. تُخزن خارج القصر مثلما أمرت تماماً، كي لا تكون هناك أي فرصة لاشتعالها وإلحاق الضرر بالمباني الأخرى".

"جيد، جيد. إذن ينبغي أن يتوافر رماد كافٍ لصنع الغسول حينها. وإن تمكنا من صنعه بكمية مقبولة، فقد نتمكن حتى من البدء بصنع الصابون هنا".

حدق فيه دوفاس.

"لكننا اشترينا من بيداسو ما يكفي القرية بأكملها طوال الشتاء - رغم أنه غالباً سيصمد شهراً أو شهرين إضافيين نظراً لاعتياد القرويين على استخدام أقل كمية ممكنة لتوفير بعض القطع النقدية".

قطب كيفاموس جبينه.

"لا، لن ينجح ذلك. أخبرهم أنه لا داعي للاقتصاد في ذلك. مثلما قلت، لدينا مخزون وفير منه".

وأردف: "كما أن الصابون شيء لا غنى عنه حتى بعد انقضاء الشتاء، وأنا لا أود شراء شيء بمثل هذه السهولة في صنعه وبأسعار باهظة من نقابة صانعي الصابون الجشعة في بلومرون. على أي حال، هذه مسألة تخص المستقبل، نظراً لأن بلومرون تحتكر صناعة الصابون أساساً ولن يكون الوقوف في وجههم أمراً هيّناً".

أخيراً، أعال تركيزه نحو النجار الذي بدا عليه الضجر بحلول ذلك الوقت.

"والآن هذا هو الجزء الصعب الذي جئت من أجله".

وأشار إلى أحد المخططات المرسومة على الرق.

"أريد منك صنع مطرقة رفع، كهذه تماماً. لا يمكننا بالتأكيد توفير ما يكفي من الحديد لصنع حتى رأس المطرقة وحدها منه، لذا ستُصنع من الخشب، مع طبقة من الحديد يحيط بها".

وأوضح باستفاضة: "سيكون هناك إطار مستطيل بسيط يبلغ ارتفاعه قامة رجل، مع محور مطرقة الرفع المثبت على عمود دوران في منتصف ذلك الإطار. سيحمل أحد جانبي المطرقة رأسها المغلف بالحديد، بينما يُدفع الجانب الآخر، وهو اليد - أو المقبض في حالة المطرقة ذات الحجم العادي - نحو الأسفل بواسطة كامة".

وأضاف: "الكامة مجرد قطعة خشبية مثلثية ملساء تأخذ شكل سن واحد - والتي ستدفع ذلك الجانب من المطرقة إلى أسفل وترفع رأس المطرقة على الجانب الآخر من نقطة الارتكاز - أي محور الدوران - لتهوي بعد ذلك تحت تأثير قوة الجسد".

حكّ دارورا شعره الأسود المقصوص.

"أنا أدرك مفهوم الكامة، لكن كيف ستدفع الكامة مقبض المطرقة نحو الأسفل؟ ستزن هذه المطرقة بأكملها قدر نصف دزينة من الرجال، إن لم يكن أكثر. لا أظن أن هذا ممكن يدوياً".

وافق كيفاموس: "بالطبع لا يمكن ذلك. كنت أوشك على بلوغ تلك النقطة. ستُثبت تلك الكامة بعجلة الماء التي سننصبها تحت السد على الجدول الشرقي. سيستغرق إفراغ كل المياه من أنفاق المناجم عشرة أيام أخرى ربما، وبعدها يمكننا نقل تلك العجلة إلى ذلك الجدول. سنستخدم محوراً خشبيّاً طويلاً لتحويل الحركة الدورانية لعجلة الماء تحت السد إلى عجلة أخرى واقعة على الشاطئ. ستكفي هذه الترتيبات لمطرقة الرفع، بمجرد أن تنتهي من صنع العجلة الثانية المزودة بكامات على محيطها. لاحقاً، يمكننا استخدام تروس لتحويل الحركة الدورانية للعجلة الثانية من مستوى عمودي إلى أفق، إن أردنا استخدامها لطحن الحبوب أو أشياء أخرى ما شابه، لكن هذا مؤجل للمستقبل".

ولما رأى أن دوفاس بات مرتبكاً الآن، بينما كان دارورا يحدق بتعين في المخطط محصناً عينيه، أضاف: "دع تفاصيل عمل النظام بالكامل لي. سأشرح ما يلزم إذا اعترضتك أي مشكلة، لكن عليك في الوقت الراهن الشروع في صنع الإطارات أولاً، ثم تعود لصنع النشاب الثالث. وحين يصبح جاهزاً، سنكون قد بدأنا تشييد السد، ويمكنك البدء في صنع مطرقة الرفع وترتيب العجلة والمحور الثاني. وسيكتمل ذلك بالتزامن مع الفراغ من السد، وبعدها نستطيع بدء تثبيت كل شيء هناك".

أومأ دارورا.

"رغم أنني سأضطر للبدء بالعمل على مطرقة الرفع بعد أسبوع أو نحو ذلك، فسأحتفظ بهذا المخطط معي، كي أتمكن من استيعاب التصميم في أوقات فراغي. الإطارات الخشبية بسيطة بما يكفي، لكن المخطط سيكون مفيداً للاطلاع على الأبعاد كمرجع".

"تلك فكرة جيدة. يمكنك أخذه الآن".

قال كيفاموس وهو يلوي الرق.

"عد إلى هنا ومخزون الإطارات جاهز برمته، لأريك كيفية تثبيت الشبكة السلكية به فور اننتهاء سيدورون من صنعها".

"بالطبع يا سيادي"، قال دارورا قبل أن يتناول الرق، ويغادر قاعة القصر.

نظر كيفاموس إلى كبير الخدم.

"استدعِ الحداد صباح الغد، لأشرح له أمر الشبكة السلكية".

وما إن أومأ دوفاس حتى تابع: "لدينا ما يكفي من الفراء المخزنة الآن، لذا مرر بضع خدم لأخذ عدد منها ونتف شعرها. سنستعمل ماءً ساخناً وتقليباً وضغطاً متكررين لصنع اللباد من ذلك الشعر، والذي سيُستخدَم لاحقاً لضغط الورق".

تساءل دوفاس: "ألن يكون ذلك إهداراً لتلك الفراء الثمينة؟ يمكننا بيعها بسعر جيد للتجار بعد انقضاء الشتاء".

"لا تقلق، ففروتان أو ثلاث ستكفي وزيادة في الوقت الحالي".

وأردف كيفاموس: "صباح الغد، اطلب من أحد الخدم إحضار بعض الرماد المخزن، لكي نغليه ونصنع الغسول. قد ينطوي هذا على بعض الخطورة، لذا سنقوم به خارج أسوار القصر جهة الشرق، وسأشرف على العملية بنفسي. متى حصلنا على بعض الغسول، وتم بناء القالب والإطار، يمكننا بدء عملية صنع الورق. أما المنتج النهائي، أو ذو الجودة المقبولة على الأقل، فسيتعين عليه الانتظار لحين جهوزية مطرقات الرفع، لكن ينبغي أن نكون قادرين مع ذلك على الشروع بصنع بعضه بمجرد توفر لباد مصنوع من الشعر. ومن الناحية المثالية سنحتاج أيضاً إلى آلة ضغط ورق مستقلة لإنتاج المنتج النهائي، لكن يمكننا الاكتفاء بآلة الضغط الخشبية في البداية، نظراً لأننا سنعاود تعدين الفحم بحينها ويمكننا الاستغناء عن تلك الآلة لفترة".

أخذ دوفاس نفساً عميقاً.

"لقد طرحت الكثير من المصطلحات الجديدة هنا، وما بالك يكاد يفقه نصفها، لكنني سأثق بك مجدداً في أنك تعلم ما تفعله. سأعطي الأوامر للخادم وأستدعي سيدورون غداً. أعلم أنه لا ينبغي لي الشك في أفكارك الاستثنائية بطبيعة الحال، لكن في كل مرة تذكر فيها شيئاً جديداً، أشرع في التفكير فيما إن كان بمقدور شيء بمثل هذه التعقيد أن يُصنع حقاً في تيرانات..."

ابتسم كيفاموس.

"لا بأس بذلك يا دوفاس. من الطبيعي وجود بعض الشكوك، فأنا لا أعلم كل شيء بالنهاية. على أي حال، أؤمن أن سنوات طويلة، إن لم تكن عقوداً، ستنقضي قبل أن يبدأ مددي من الأفكار البسيطة بالتنفيذ في النفاد، وحينها لن أكون أنا نفسي واثقاً مما إذا كان أي تصميم متقدم قابلاً للصنع في تيرانات. سنرى ما يجب فعله حين نبلغ تلك المرحلة".

وابتسم باتساع: "استمتع بالرحلة في الوقت الراهن!"

حدق دوفاس فيه مطولاً ثم هز رأس مبتسماً.

"أتساءل كيف يمكنك التفكير في هذا العدد الهائل من الأفكار الفريدة..."

رد كيفاموس الابتسامة دون أن يجيب. لقد تولى جورسازو تربيته أساساً منذ أن كان طفلاً، واعتبره بمثابة ابن له، ولهذا لم يكن هناك خطر حقيقي من قيام معلمه السابق بالمطالبة بإحرامه على الوتد حين كشف عن كل شيء يخصه. بيد أن دوفاس كان أكبر سناً بكثير وذو عقلية تقليدية مشابهة. لم يكن لديه أدنى شك في أن دوفاس لن يخونه في أي شيء، نظراً لأن كبير الخدم العجوز كان يعتبر تيرانات موطنه الآن، لكن في حال كشف عن أصوله الحقيقية، لم يكن متأكداً تماماً مما سيقدم دوفاس على فعله.

ولهذا كان السلامة غنيمة. ربما يمكنه الإفصاح عن المزيد حيال ذلك ذات يوم، لكنه الأفضل في الوقت الراهن أن يحتفظ بسره لنفسه.