قال فيروي: "تعلمون مسبقاً أن كيرنوس تقع عند الحدود الجنوبية الغربية لمملكة ريسلينور، وتعمل سلسلة جبال نيسادور بوصفها الحدّ الجنوبي لريسلينور. ما أوشك أن أخبركم به ليس سوى إشاعة سمعتها، وهي تتعلق بما يقع خلف تلك الجبال".
أومأ كيفاموس برأسه، متذكراً رسماً تخطيطياً بسيطاً للغاية رسمه جورسازو له ليكون خريطة مؤقتة لريسلينور من ذاكرته. كان مجرد مخطط غامض، لكنه أعطاه مع ذلك فكرة عن المحيط المباشر لتيرانات، إلى أن يصل بيداسو في الربيع ومعه خريطة أفضل عسى أن يكون ذلك قريباً.
قال: "أجل، لقد ذكرت أن تلك الفيسوريونات الضخمة تجوب الأراضي القاحلة جنوب جبال نيسادور".
أومأ فيروي برأسه وقال: "إنها تفعل، وتلك ليست سوى واحدة من أنواع كثيرة من المخاطر التي تهدد البشر في تلك الأراضي، بما في ذلك الباكورات الطائرة والوحوش البرية الأخرى".
ثم أضاف: "مع أنني سافرت كثيراً، فلم أصل حتى أنا إلى جنوب تلك الجبال قط، ويرجع ذلك أساساً إلى أنه لا يكاد يوجد شيء هناك على الإطلاق. حتى البقاء على قسط يسير من الحياة يبدو صعباً في تلك التضاريس الجرداء".
وتابع الجندي المرتزق السابق كلامه: "بالعودة إلى الموضوع، سمعت في كيرنوس إشاعة قد تتبين فائدتها الكبيرة لتيرانات في المستقبل، مع أنني لا أعرف الكثير عما يقع وراء نيسادور. كما لا أعلم البتّة إن كان لتلك الإشاعات أي أساس من الحقيقة أم أنها مجرد خيال رجل عجوز".
علق دوفاس قائلاً: "أظن أن لدَيّ فكرة عما ستتحدث عنه".
ووضح قائلاً: "لم تكن أي من الدولتين المحيطتين بتلك الأراضي القاحلة - بما في ذلك مملكة ريسلينور وأوليغارشية جيرناليك - مهتمة قط بغزو تلك الأراضي. سيكلف الأمر غاليا فحسب، دون أي عائد ملموس من تلك القفار، وسيشتت الانتباه عن مشكلة بينباز الأكبر بكثير في شرقنا. على أي حال، على الرغم من أنه لا يكاد يعيش هناك أحد، فلا تزال هناك بعض المدن الحرة في تلك الأراضي القاحلة، وهي تعيش بشكل مستقل عن أي سلطة أخرى سوى أمراء مدنها الحاكمة".
كرر كيفاموس متسائلاً ورفعا حاجبيه: "مدن حرة؟"
ضحك دوفاس وقال: "لا، لا، يستحيل بتتة أن ينمو أي تجمع بشري في تلك التضاريس الجرداء ليبلغ حجم أولريغا - وهي بسهولة واحدة من أكبر خمس مدن في سيلاريا بأسرها. حسب ما أتذكر - وهذا بعيد كل البعد عن أي أخبار محدثة - فإن أكبر تلك المدن الحرة ستكون في حجم عدد السكان في سينران نفسه، أو ربما أكبر قليلاً بكثير. لعل تسميتها ببلدات حرة سيكون أدق بكثير، لا مدناً حرة، لكن أمراء مدنها يفضلون تسميتها مدناً، وقد علقت الأسماء هكذا".
أومأ كيفاموس برأسه وقال: "هذا يبدو منطقياً أكثر، لكن سينران لا تزال أكبر بنحو عشرة أضعاف من تيرانات. هذا يعني أن تلك المدن الحرة قد توفر لنا أيضاً الكثير من العمال إن استطعنا بطريقة ما تحفيزهم على الهجرة إلى هنا".
هزّ دوفاس رأسه وقال: "هذا مستبعد للغاية. الناس الذين يعيشون في تلك القفار - حتى لو كانوا يعيشون داخل أسوار تلك المدن الحرة - أشداء وقساة. يجب أن يكونوا كذلك ببساطة، وإلا فلن ينجوا في ذلك المكان. مع ذلك، أحد الأسباب التي جعلت أياً من الدول المحيطة لا تحاول غزو تلك الأراضي يرجع إلى صعوبة السفر عبر تلك القفار. ولهذا السبب لا يكاد يكون هناك أي سفر من تلك المدن الحرة إلى ريسلينور. وهذا يعني أن الناس الذين يعيشون هناك ظلوا مقيمين هناك لأجيال عديدة على الأقل. إنهم يعتبرون تلك المدن الحرة وطنهّم، ومن المستبعد جداً أن يهاجروا إلى هنا. ليس في ظل وضع تيرانات الحالي على أي حال".
استهلالاً لكلامه، قال فيروي: "يتعلق هذا بما كنت أنوي إخبارتكم به. لقد سمعت إشاعات في كيرنوس مفادها أنه كانت هناك قرية صغيرة لتعدين الحديد تسمى بيريكا تقع جنوب سلسلة جبال نيسادور. اعتادت كيرنوس استيراد خام الحديد منهم في الماضي، قبل شحنه شمالاً إلى أولريغا لصهره وتحويله إلى سبائك. مع ذلك، من واقع ما سمعته من بعض كبار السن هناك، توقف استيراد الحديد ذاك قبل نحو عقدين من الزمن، مباشرة بعد انتهاء الحرب السابقة وتراجع الطلب على الحديد بشكل حاد. اعتباراً من الوقت الحالي، لم تكن هناك أي اتصالات بين كيرنوس وبيريكا منذ عقد من الزمان على الأقل، ولا أحد يعرف حتى ما إذا كانت قرية بيريكا تنجو حتى يومنا هذا أم لا".
تمتم كيفاموس وهو يفكر في الأمر: "مم..."
كانت حقيقة وجود منجم حديد نشط بالقرب من كيرنوس خبراً إيجابياً للغاية، لكن أحداً لم يكن يعود ليدري إن كان الحصول على خام الحديد من هناك ممكناً بعد الآن أم لا.
نظر إلى الجندي المرتزق السابق وقال: "أعرفت كم تبعد تلك القرية عن كيرنوس؟"
فكر فيروي لبرهة وقال: "على الأقل ضعف مسافة بُعد كيرنوس عن تيرانات، حسب ما سمعت، لكن ذلك لا يأخذ في الحسبان صعوبة السفر على تلك التضاريس الجرداء. الرجل الذي أخبرني عن بيريكا، والذي ربما كان يقترب من السبعين الآن، كان لديه صديق يعمل منجماً هناك في الماضي، مع أنه توفي منذ فترة طويلة الآن. بعد أن أعطيت الرجل العجوز بعض مسحوق لوسوفيل لعلاج حمّاه، أخبرني بالكثير من الأشياء - أغلبها إشاعات - بما في ذلك حقيقة أنه سمع أن الوصول إلى بيريكا من كيرنوس يستغرق نحو أسبوع من السفر، ويرجع ذلك أساساً إلى شدة القيظ في تلك المنطقة، بحيث لا يمكنهم السفر إلا في الصباح والمساء".
وتابع الجندي المرتزق السابق قوله: "الشيء الجيد الوحيد هو أن بيريكا تقع مباشرة في سفوح سلسلة جبال نيسادور على جانبها الجنوبي، مما يعني أنه بعد مغادرة كيرنوس والتفاف حول الطرف الغربي لنيسادور، كل ما على أي قافلة فعله هو اتباع حافة الجبال على جنوبها، وستصل في النهاية إلى بيريكا دون أن تضل طريقها. بخلاف ذلك، من واقع ما أخبرني به، من السهل جداً أن تفقد أثرك في تلك القفار الجرداء، وستموت عطشاً أو جوعاً قبل وقت طويل من العثور على تجمع بشري يساعدك. هكذا تعيش الفيسوريونات في ذلك الحر على أي حال، عبر التغذية على جثة أي شيء مات بسبب البيئة القاسية في تلك المنطقة".
فكّر كيفاموس في المسافات المعنية. من واقع ما قدره من تلك الخريطة المرسومة للوقت الذي تستغرقه العربات في السفر بينهما، كانت كيرنوس تبعد على الأرجح نحو ثمانين إلى مئة كيلومتر عن تيرانات. سيجعل ذلك بيريكا على مسافة تقل عن مئتي كيلومتر من كيرنوس، أو نحو ثلاث مئة كيلومتر من تيرانات، بالالتفاف حول سلسلة جبال نيسادور من الغرب. لو كانت لديهم وسائل نقل حديثة هنا، مثل خط سكة حديد يربط مناجم الحديد، لكانت تلك المسافة تكاد تكون معدومة حتى بدون نفق عبر الجبال قد يجعل المسافة أقصر.
مع ذلك، على ما كانت عليه الأمور الآن، سيضطرون إلى إرسال عربات تجرها الخيول في قافلة لاستيراد الحديد من بيريكا، وهو أمر سيكون بالغ الصعوبة في تلك التضاريس القاحلة.
أطلق زفيراً قوياً وقال: "حتى لو كانت تلك القرية لا تزال موجودة، فليس الأمر كأن بارون كيرنوس سيسمح لنا بمرور حر من هناك لإرسال قافلة إلى بيريكا. سيفرض بالتأكيد ضرائب حدودية باهظة جداً على أي عربات تمر من كيرنوس لاستيراد خام الحديد - هذا إن كان لدَينا حتى أي ذهب لشراء الخام في الوقت الحالي. ليس لدَينا حتى أي مرافق لصهر خام الحديد هذا، ولا نمتلك أي عمال للقيام بذلك أيضاً!"
هزّ رأسه. إنه مجرد مورد آخر سيذهب دون استغلال، لأن تيرانات كانت أصغر وأفقر من أن تستغل شيئاً في الوقت الحالي...
نظر إلى كبير الخدم وقال: "لقد قلت للتو إنه لم يكن هناك أي شيء ذي قيمة في تلك القفار، لكن إن كان هناك منجم حديد في تلك المنطقة، ألم يكن من المجدى أن تحافظ الدول المحيطة على سيطرتها على تلك القفار، بغض النظر عن مدى جرائها؟"
أوضح دوفاس قائلاً: "خلال الحرب السابقة قبل نحو عقدين من الزمن، لم تكن تيرانات قد تأسست بعد، وكنت أعيش في شمال المملكة، لذلك لست متأكداً من التفاصيل الدقيقة، لكني أتذكر حقاً أن الحرب قد اندلعت بعد العثور على رواسب هائلة من خام الحديد في تلال تولاسي، والتي تقع بشكل ملائم في وسط الدول الثلاث الكبرى في سيلاريا. بطبيعة الحال، عرف الناس أمر رواسب خام الحديد في تلك التلال لقرون، ولكن حتى قبل بضع عقود، كان يُعتقد أنها مجرد رواسب طفيفة، ولا تحتوي على الكثير من الحديد على أي حال. ولهذا السبب كان لدى الدول الثلاث اتفاق متبادل بعدم القيام بأي تعدين هناك، حيث ظلت تلال تولاسي دائماً بمثابة منطقة عازلة بين الدول الثلاث. لقد نجح ذلك في الماضي في الحفاظ على السلام بينهم، في تلك المنطقة على الأقل".
وتابع كبير الخدم حديثه قائلاً: "مع ذلك، ما زلت أتذكر الوقت الذي حدث قبل نحو خمس وعشرين عاما، عندما انتشرت الأخبار كالنار في الهشيم بأن بعض المنقبين قد اكتشفوا بالمصادفة أن احتياطيات الحديد في تلال تولاسي كانت ضخمة في الواقع، وأكبر بكثير جداً مما ظنه أي شخص في الماضي. ولهذا السبب حدث اندفاع فوري للاستيلاء على التلال من قبل الدول الثلاث كلها، مما أدى إلى الحرب الأخيرة".
قال كيفاموس: "لا تزال تلك التلال قائمة هناك تماماً، بما في ذلك رواسب خام الحديد الضخمة فيها، لكن حسب ما أعرف، لا يوجد أي تعدين للحديد يجري هناك في الوقت الحاضر. إذن كيف انتهت الحرب السابقة للوصول إلى الوضع الحالي؟"