مضت على الوليمة أكثر من ساعة، ورُبّما ساعتان. أخذ الجميع طعامهم من الأطباق والصحون الخشبيّة فرادى، ثم طفقوا يأكلون ويختلطون. أنهى بعض الحراس طعامهم، وعرضوا بعض ألعاب الخفة على الأطفال في ناحية، وسط ذهول لوسيم وكلاريسا. جلب أحدهم هدفا دائريا يُستعمل للتدرب على الرماية وعلّقه على الجدار الخارجيّ للقصر، بعيدا عن حلقة المواقد بقليل. كان بعض الحراس، من بينهم يوفيم وهيولا وحتى سيدورون، يخوضون مسابقة في رمي السقاطات، مع أنهم استعملوا السكاكين بدل السقاطات.
استُبدِل بالحراس الذين كانوا في مناوبة على بوابات القرية ودورياتها آخرون، فنال الجميع فرصة لتناول الطعام. وبينما أكل معظم الآخرين واقفين، وُضعت بضع مصاطب على جانب لمن احتاج إلى الجلوس. نُصبت طاولة متينة في جانب وغُطّت بمفرش — مع أنها بدت شديدة التّرقيع — له وللمستشارين. وهناك جلس كيفاموس وإلى جانبه دوفاس، بينما جلس غورسازو وهودان على الجانب الآخر من الطاولة بعد أن فرغا من طعامهما.
قال دوفاس وهو يتفرّج على الأجواء الاحتفالية: "أرى أن الوليمة كُتب لها النجاح".
أومأ هودان برأسه: "لم تترك لنا الوليمة الأخيرة ذكريات طيبة كثيرة بمعركتنا ضد قطاع طرق نوكوزال، مع أننا انتصرنا في النهاية".
ثم تنخّر ساخرا: "من الجميل على سبيل التغيير أن تكتمليمة بلا أي هجمات على القرية هذه المرة!".
وافق غورسازو: "حقا. كانت فكرة سيدة امنح الجميع فرصة للاسترخاء ونسيان أي هموم. يبدو أن الأطفال هم أكثر من يستمتع بها".
ضحك كيفاموس وهو ينظر إلى لوسيم وكلاريسا اللذين كانا يراقبان مسابقة رمي السكاكين بذهول: "هذا صحيح".
سمع فجأة ما كان ينتظره، قبل أن يعود الجميع إلى الداخل. كانت أجراس المعبد تقرع! بخلاف النهار حين كانت تقرع بعدد الساعات، كانت تقرع هذه المرة بلا انقطاع. رأى في زيارة قصيرة للمعبد في الماضي المزولة المنقوشة على الجدار الخشبيّ الجنوبيّ للمعبد، والتي تُستعمل لمعرفة الوقت وقرع أجراس المعبد كل ساعة. كان ذلك كافيا في النهار، ولكن لم تكن هناك طريقة جيدة لمعرفة الوقت في الظلام.
ولهذا السبب، طلب في وقت سابق من اليوم من أحد الخدم تسليم ساعتهم الرملية الوحيدة إلى الأب إدريْك في المعبد، لكي يتمكنوا من تتبع الساعات حتى في الليل لهذه المناسبة الخاصة. كما أرسل طلبا إلى الأب إدريك لقرع الأجراس في منتصف الليل تقريبا، وقد حدث ذلك أخيرًا. أخبر سكان القصر أن جرس المعبد سيقرع الليلة للمرة الأولى في تيرانات ليلا، وهذا ما سيمثل بداية العام الجديد. بدا الأمر غريبا بالنسبة لهم حين فكروا في أن العام الجديد يجب أن يبدأ في منتصف الليل لا من بداية اليوم التالي، لكن كيفاموس أصر على هذه النقطة، وأعلن أن العام الجديد سيبدأ عندما يقرع جرس المعبد في الليل.
كما أرسل بضعة خدم وأمر الحراس الخارجين في دوريات بنشر ذلك الخبر في القرية أيضا، لكي لا يفزعوا من قرع الأجراس في الليل. مع ذلك، ونظرا لعدم تعودهم البتّة على سماع الجرس في هذا الوقت، توقف الجميع تقريبا في الحشد عما كانوا مشغولين به، والتفتوا برؤوسهم في ذهول نحو الغرب حيث يقع المعبد.
نهض كيفاموس من المصطبة التي كان يجلس عليها، وأخذ زمام المبادرة، وهتف بصوت عالٍ: "عام سعيد للجميع!".
كسر ذلك شردان الحشد، فانفجروا جميعا هتافين وبدأ الجميع يتبادلون التهاني بالعام الجديد مع من حولهم.
قال كبير الخدم: "أتمنى لك عاما سعيدا جدا أيضاً"، قبل أن يُكرر هودان وغورسازو الكلام نفسه.
ابتسم كيفاموس بعرض وجهه: "شكرا لك، وأتمنى المثل للجميع! لنأمل أن يمضي هذا العام بشكل أفضل لتيرانات!".
~ تيسيب ~ كان صباح اليوم التالي، وكان هو وبقية الحراس ينتظرون داخل مستودع فارغ لتاجر السمك قرب البوابة الشمالية لكيرنوس، بينما كان فيروي يتحدث مع التاجر بصوت خفيض في أحد الأركان. كانت خطتهم هي المغادرة قريبا، لكي يتمكّنوا من بلوغ تيرانات بحلول مساء الغد. بدأ تساقط الثلوج مرة أخرى في الليل، وأصبح الطقس قارسا بالبرودة حتى الآن. لقد علموا بأمر الوليمة التي فاتَتْهم في القصر بتيرانات، لكن نأمل أن يكون أحدهم قد احتفظ ببعض لحم الأذزي لأجلهم.
بعد قليل، مشى فيروي عائدا نحوهم: "عقدت صفقة لشراء ما يكفي من السمك لملء عربتينا، مع أن أكثر من نصفه بالأجل. ابدأوا في تحميله".
وبينما شرعوا في المشي نحو البراميل الموضوعة في أحد جوانب المستودع، سأل أحد الحراس في حيرة: "لا يكفي السمك هنا إلا لملء نصف عربة بالكاد!".
قال فيروي: "سأشرح لاحقا، حمّلوا كل ما هنا بسرعة وحسب، ثم سنغادر من البوابة الشرقية لكيرنوس".
عبس تيسيب: "من البوابة الشرقية، لا من البوابة الشمالية الواقعة خارج المستودع مباشرة؟".
ابتسم فيروي باستهزاء: "لاحقا".
قريباً، حمّلوا كل السمك المدخن على عربة، وبعد أن صعدوا إلى مقاعدهم، داروا بعربتيهما في درب التراب المكسو بالثلوج خارج المستودع واتجهوا جنوبا نحو السوق، بينما ألقى تيسيب نظرة خاطفة على البوابة الشمالية التي كانت على مسافة قصيرة منهم. كان التاجر يمتطي حصانا رفقة حارسه الخاص وسيخرج قريبا عبر البوابة الشمالية، بينما كان على عربتهم هم قطع القرية بأسرها للخروج من البوابة الشرقية.
ألم يكن أسرع لو خرجوا من هنا؟ تساءل عن سبب رغبة فيروي في أن يسلكوا الطريق الطويل. رأى تيسيب التاجر يتذمر وهو يسلم بعض القطع النقدية للحراس ويخرج من البوابة، قبل أن تلتف عربتاهما حول منعطف في الشارع أثناء سفرهما نحو السوق. وبمجرد وصولهم هناك، اتجهوا شرقا وتابعوا الدرب المغطى بالثلوج نحو البوابات الشرقية، وحينها سمعوا فجأة صوت طفل يبكي. أخبرهم فيروي على الفور بإيقاف العربات، وقفز من المقعد وتبعه تيسيب، بينما انتظر الحارسان الآخران عند العربة.
لم يستغرق الأمر طويلا حتى وجدوا المصدر. خلف كوخ مباشرة — كان محاطا بحبل يلفه تماما لئلا يتمكن أحد من دخوله — في زقة صغيرة بجوار الشارع الرئيسي، كان هناك رجل في الثلاثينات يحاول تهدئة طفل لا يتجاوز بضعة أعوام. وبينما راقبوا للحظة، بدا أن الصغير قد أصابه التعب الشديد من البكاء حتى الآن، فسكت وربما غط في النوم الآن.
رفع الرجل بصره نحوهم، وحدّق بغضب: "لماذا أنتم هنا جميعا مجددا! ماذا يريد البارون مني أكثر... لم يبقَ لدي شيء آخر لأعطيه!".
ارتبك تيسيب للحظة، قبل أن يدرك أن الرجل لابد أنه خلط بينهم وبين حراس بارون كيرنوس بمعاطفهم الفروية وسيوفهم التي جعلتهم يبدون متطابقين تماما.
أوضح فيروي: "نحن لا نعمل لصالح السيد الشاب لانيْداس، ولا أبيه. نحن من تيرانات في الشرق، وسمعت بكاء طفلك. أهناك أي طريقة يمكننا بها المساعدة؟".
نظر الرجل إليهم بشك للحظة قبل أن يتنهد: "ظننتكم جئتم لتطلبوا مني المزيد من الضرائب...".
ونظر بحنين إلى الكوخ بجواره: "كان هذا منزلي في الماضي، لكنني لم أستطع دفع الضرائب قبل بضع أشهر، لذا طردني حراس البارون من منزلي عقابا".
وأضاف وعيناه مبللتان وهو ينظر إلى الصغير في حضنه: "ليس لدينا حتى مكان لنعيش فيه طوال هذا الشتاء... ماتت زوجتي أثناء الولادة، وبعد أن طُرِدنَا من منزلنا، بذلت قصارى جهدي لأطعم ابني مما كسبته القليل لأمنعه من المرض، لكن يبدو أن هذا الشتاء سيأخذه مني هو الآخر".
بدا أن فيروي لم يحتاج لأكثر من لحظة تفكير قبل أن يُخرج كبيسا جلديا صغيرا من إحدى جيوبه. كان بداخله حزمة من الأوراق المطوية التي أُغلقت بإبر خشبية صغيرة — وهي في الواقع غصينات رقيقة — وبدا أنها تحتوي على شيء ما داخل طياتها. ومن حجم كبيس فيروي، بدا وكأنه كان يحتوي على الكثير من تلك الأوراق المطوية من قبل ولم يبقَ سوى القليل منها الآن. فكر تيسيب في سبب كون الأمر كذلك، متسائلا في الوقت نفسه عما تحتويه تلك الأوراق من الداخل.
وأخيرا، أخرج المرتزق السابق بعناية البضع الأوراق المطوية الأخيرة وأعطاها للرجل الذي تناولها بتردد.
سأل الرجل في حيرة وهو يفتح إحدى تلك الأوراق ليتفحص ما بداخلها: "ما هذا الشيء...؟".