ابتسم المرتزق القديم بتهكم وانتظر حتى اجتازا البوابات وابتعدا عن حراسها مسافة كافية قبل أن يهمس بصوت خفيض: "حصلت على المبلغ كاملًا، وحظيت برؤية البارون فاروداس وهو يوبخ ابنه على هذه الصفقة السيئة. لقد استشاط غضبًا لأن لانيداس وافق على شراء الفحم بالسعر الذي طلبته، لكن البارون أبى أن يكسر هيبته برفض دفع ذلك الثمن كي لا يثبت للغرباء أن ابنه يعقد الصفقات من دون إذن".
قال تسيب بابتسامة واسعة: "مع أنني لم أكن أدرك شيئًا عن مهمتك السريعة، إلا أن السيّد كيفاموس كان يتوقع منك أن تفعل حيال ذلك أمرًا".
"صحيح"، هز فيرو منكبيه، "ولكن حتى مع قطع الذهب الإضافية التي منحني إياها السير دوفاس، لن نكاد نشتري ما يكفي لملء عربة واحدة بالسمك المدخن، هذا إن وجدناه. لو كان السوق يملك ما يكفي من الحبوب لفضلت شراءها لتكون بذارًا في الربيع، لكن التجار سيرفعون الأسعار فورًا إن علموا أننا نرغب في شرائها بكميات كبيرة".
عقد تسيب حاجبيه: "ألا يفضل التجار تصريف بضائعهم؟"
"في الأوقات العادية، لن يتوانوا عن ذلك، أما الآن فهم يعلمون جميعًا أن الأسعار لن تبرح تصعد حتى يأتي حصاد الخريف المقبل في العام القادم، لذا لا يمانعون في الاحتفاظ بمخزون الحبوب مدة أطول كي يظنوا بسعر أفضل في المستقبل. سأحاول مع ذلك أن أرى إن كان بإمكان ذلك التاجر تزويدنا بمزيد من السمك المدخن بالدين".
وأكمل فيرو: "على أي حال، لقد أتى المساء، فلنذهب إلى الحظيرة الخالية قرب البوابة الشمالية حيث وعدنا تاجر السمك بمكان نبيت فيه ليلتنا".
* * *
~ كيفاموس ~ "يا سيّدي، تمت الاستعدادات كافة للوليمة"، هكذا أبلغ أحد الخدم بعد أن ولج قاعة القصر.
"رائع، سأكون هناك بعد لحظات".
نظر كيفاموس إلى قائد الحراس الذي دخل القاعة برفقة الخادم: "أجمعت الخدم والحراس معًا؟"
أومأ هودان برأسه: "أحكمنا إغلاق بوابات القصر، لذا تجمع الحراس المناوبون هناك قرب ساحة التدريب في الجنوب الشرقي من القصر، غير أن أولئك المرابطين عند بوابات القرية سيلزمون مواقعهم، وسيواصل حراسان دورياتهما داخل أسوار القرية طوال الليل. مع ذلك رتبت لاستبدالهم جميعًا بعد ساعة أو نحو ذلك كي يتسنى لهم الاستمتاع بالوليمة أيضًا. وكنت قد طلبت منا ألا نرسل الصيادين في الأيام القليلة الماضية فور وصولهم، لذا فلدينا الآن معظم قاطني القصر هنا، قرابة خمسين فردًا، باستثناء فيرو والحراس الثلاثة المرافقين له".
ابتسم كيفاموس: "إنه لرأي سديد أن تُبدل الحراس عند بوابات القرية لاحقًا".
قال هذا وهو يلف معطفه الفروي حول كتفيه: "دوفاس، لنذهب. لقد غادر غورسازو منذ حين".
نهض كبير الخدم بدوره وتبعه إلى الخارج.
تحدث هودان قائلًا: "لو أن فيرو كان هنا الليلة لسرّه ذلك كثيرًا، سيما أننا نمنح الجميع بعض الجعة هذه المرة".
أجاب دوفاس: "بلى، لكنه كان الخيار الأمثل لقيادة القافلة نحو كيرنوس. لنأمل أن ينجح في مهامه كلها".
أومأ كيفاموس برأسه متذكرًا أنه أوصى المرتزق القديم بأن يلمح لأهل كيرنوس بأن تيرانات مستعدة لاستقبال أكبر عدد ممكن منهم. وقد أفضى ذلك إلى جدال مع كبير الخدم بشأن قدرتهم على تحمل تكاليف إطعامهم، لكنه أوضح أن قرارًا كهذا لن يكون هينًا على أي شخص هناك، وسيستغرق أسابيع أو حتى أشهرًا قبل أن يقرر أحدهم الانتقال إلى هنا. وحين يحل ذلك الوقت سيكون الشتاء قد انقضى والطريق الشمالي قد فُتح من جديد، مما يعني قدرتهم على شراء المزيد من الحبوب لإطعامهم.
كان صحيحًا حقًا أنهم يعانون شحًّا في النقود، وأنهم ملزمون بدفع الضرائب للكونت بحلول ذلك الوقت، غير أن الصيادين جلبوا الكثير من اللحم الآن، وكانت مدخنة اللحم تعمل على مدار الساعة، فشرعوا تدريجيًّا في تكوين مخزون صغير من اللحم المدخن الذي يمكن الاستعانة به لإطعام القادمين الجدد. وإذا نجح فيرو في جلب السمك المدخن من كيرنوس، فسيسهل ذلك تلك المهمة أكثر، خاصة أن آبار مناجم الفحم قد أفرغت من مياه الفيضانات الآن، وهو ما يتيح لهم مواصلة مقايضة السمك المدخن بالفحم، شريطة وصول المزيد من العمال من كيرنوس للعمل في مناجم الفحم.
كان نقص الأيدي العاملة عقبتهم الكبرى الآن. وأي مشكلة أخرى ستذلل طالما توفرت لديه أعداد كافية من العمال للعمل. خرجا من الباب الخارجي لبيت القصر، ورأى الفضاء الخالي في الجنوب الشرقي من القصر مكتظًّا بالناس حتى بعد غروب الشمس بساعات. ومع انعدام تساقط الثلوج في اليومين الماضيين، لم يبقَ على الأرض داخل القصر سوى طبقة رقيقة من الثلج، على الرغم من تراكم كميات وفيرة منه خارج أسوار القرية في الغابات حيث لا يطؤه المارة طوال اليوم.
وقف كبير الخدم العجوز إلى جواره بينما أخذ لحظة ليتأمل المشهد بأسره، وتقدم هودان نحو تجمع صغير للحراس. ومثل المرة السابقة التي أقاموا فيها وليمة، وضعوا بضع طاولات خشبية بالقرب من جدران القصر، وُضعت عليها أصناف شتى من الأطباق داخل قدور متصاعدة الدخان، ووقفت خلف الطاولات بضع خادمات مستعدات للشروع في تقديم الطعام. تجمعت معظم المواقد من أنحاء القصر في هذا المكان لتشكل دائرة تقريبية، مما جعل الهواء داخل الدائرة أدفأ بكثير وأضفى عليه حيوية تفوق المعتاد.
بل إن كثيرين منهم أخذوا يحرقون قوالب نشارة الخشب عوضًا عن الفحم. وبدا أن لوسيم وكلاريسا يمارسان لعبة المطاردة وسط الحشد، في حين انشغل غورسازو بالحديث إلى المدام هيغا في إحدى الزوايا. وبدا أن بضعة من الخدم وسعاة الاسطبلات يطلقون ضحكات مجلجلة على طرفة رواها للتو أحدهم، بينما جرّ خادم آخر برميلًا من الماء على عربة يد قبل أن يعاونه الآخرون في إنزيله بالقرب من طاولات الطعام.
وكانت المدام نيريدا تتفقد طاولات الطعام بخطوات صارمة لتتأكد من إتمام الترتيبات بالشكل الأمثل، بينما بدا يوفيم طويل الشعر الأشقر منخرطًا في حديث مع سيرين بالقرب منه. أما كالوبو وهيولا اللذان أيقن مسبقًا بمدى إعجابهما ببعضهما، فكانا يتبادلان الضحكات في زاوية أخرى، بينما طفق كيرل، وهو حارس مخضرم، يسرد قصص حربه الغابرة، مما جعل الحراس والخدم المحيطين به ينظرون إليه بانبهار.
وبدا النجاران دارورا وتانيوك منهمكين في الحديث عن تبادل أفضل أفكارهما في صناعة الخشب، بينما شرع الحداد الضخم سيدورون يشرح لليا شيئًا جديدًا يجربه في كيره، وهي التي تقيم عنده منذ أشهر عدة. وتساءل في نفسه متى يعقدان قرانهما. كان الأب إدريريك هو من يبارك مثل هذه المناسبات في القرية، ومثل هذا الحدث المفعم بالأمل سيشكل تغييراً مرحباً به في روتين الأشهر القاتمة المنصرمة.
ابتسم كيفاموس برضا وهو يتأمل الأجواء المفعمة بالحيوية داخل القصر: "أنا سعيد لأننا أقمنا هذه الوليمة الليلة".
أيد كلامه دوفاس: "من المبهج حقاً أن ترى الجميع بهذا القدر من البهجة بعد طول عناء. لقد غدا من النادر رؤية أي ابتسامة في الأشهر التي أعقبت اغتيال البارون السابق، لكن يبدو اليوم أن كل شيء على ما يرام بطريقة ما".
وما هي إلا لحظات حتى فطن قاطنو القصر إلى وصوله، ليخفت اللغط شيئاً فشيئاً حتى صار الجميع يرمقونه بنظرات ترقب. وتحرك الحشد ببطء ليصنعوا نصف دائرة أمامه، وتوسطت الفراغات بينهم المواقد المتأججة. ومع عبق روائح طهي لحم الأديزي الزكية المنبعثة من طاولات الطعام، اكتسب القصر حلة احتفالية رغماً عن كل ما عانوه في الماضي.
همس دوفاس بلطف: "حان الوقت، يا سيّدي".
إذ لم يكن معتاداً البتة على إلقاء الخطب أمام الملأ، أومأ برأسه وابْتسم للجميع ابتسامة عريضة لتهدئة توتره: "لم يمضِ وقت طويل منذ قدمت إلى هنا، لكننا استطعنا في غضون هذه المدة القصيرة إنجاز الكثير لأجل القرية. فكل فرد في تيرانات يحصل على طعامه ثلاث مرات في اليوم، وكل إنسان يجد سقفاً يويه في هذا الشتاء، وثمة فرص كافية للجميع كي يظفروا بعمل. وفي غضون أسبوع من الآن، ستكتمل بوابتا القرية، ونظفر أخيرًا بأسوار منيعة تحيط بالقرية وتحميها من المخاطر المحدقة بنا".
واستطرد قائلًا: "مناجم الفحم تُجهز بالفعل لاستئناف العمل بالناقلة المائية، وقد نجحنا في خفض استهلاكنا من الفحم باستعمال قوالب نشارة الخشب بدلاً عنه. وهذه ليست سوى غيض من فيض، ففي كل الأحوال استطعنا تحقيق الكثير في الأشهر الماضية".
وأحدق في أعين الحاضرين الذين اصخوا السمع: "ما كان شيء من ذلك ليتحقق لولاكم جميعاً. وسواء كنت حارساً يعمل على البوابات، أو خادمة تطبخ في المطابخ، أو سايس خيل يرعى أبقارنا وخيولنا ودجاجنا ونودوراتنا، فإن عملكم جميعا لا يُقدر بثمن لبقاء تيرانات".
ابتسم كثير من السامعين إثر سماع ذلك، بينما لاحظ الأطفال يلتفتون إلى طاولات الطعام مراراً وتكراراً.
وابتسم لهم مضيفاً: "على الرغم من اشتعال المواقد، ما زال الجو بارداً في الخارج، وأصناف الطعام تنتظركم جميعاً، لذا لن أطيل لئلا يبرد الطعام، ولكني قبل أن نفتتح الوليمة، أود القول إنه على الرغم من أننا قطعنا شوطاً طويلاً مقارنة بالوضع المزري الذي كانت عليه تيرانات قبل أشهر معدودة فحسب، إلا أن أمامنا درباً طويلاً، وبدعمكم جميعاً ستبلغ تيرانات غايتها!"
واندلع فجأة هتاف مدوٍّ من الحشد المتجمع، قبل أن يشرع بعض الحراس بالصياح وهم يضربون بأحذيتهم الأرض ويرفعون سيوفهم عالية: "للسيّد كيفاموس نناضل!"
ولم يرغب الخدم والخادمات في التخلف عن الركب، فأضافوا إلى ذلك وهم يقرعون أوعية خشبية بملاعق: "للسيّد كيفاموس نجدّ في العمل!"
وتبادل النجاران والحداد النظرات للحظة، قبل أن يرفعوا مطارقهم وأزاميلهم عالية في الهواء ويهتفوا: "للسيّد كيفاموس نبني!"
وأخيراً، علا صوت أحدهم صارخاً من مؤخرة الحشد: "لمجد تيرانات!"
وغمرت الحشد مرة أخرى سلسلة من الهتافات والزئير وهم يرددون الشعارات المبتكرة حديثاً من جديد. وتساءل كيفاموس عما إذا كان قد دُبر الأمر مسبقاً أم ارتجلوه في الحال. وفي الحالتين، أبهجه كثيراً أن يرى الجميع متكاتفين بهذه الروح الوثابة، فرفع يديه الاثنتين وشارك في الهتافات بدوره، بينما صفق دوفاس من جواره وهو يبتسم.
وحين خفت الصخب قليلاً، بسط كيفاموس ذراعيه على مصراعيه، وصاح قائلاً: "افتتحت الوليمة! هلموا للاستمتاع بالطعام أيها الجمع!"