من لندن إلى اللورد الفصل 217 — كيرنوس

اقرأ من لندن إلى اللورد الفصل 217 — كيرنوس باللغة العربية على مانجا تايم.

عبس الحارس الواقف والتفت إلى رفيقه الذي بدا غارقاً في التفكير قبل أن يومئ برأسه مقتضباً.

بدأ الحارس الواقف كلامه: "اسمعني، تبدو رجلاً طيباً ألقى به الزمان في طريق متعثرة. من أجلك وحدك، نحن مستعدان للتنازل عن فضة كاملة من الضرائب. تلك خمس قطع من الفضة عليك دفعها للعبور عبر البوابات".

أطلق فيروي تنهيدة يائسة.

"لا، لا... هذا بالكاد يساعدني في شيء! أنا لا أملك هذا القدر من العملات لأبذرها... اجعلها قطعتين من الفضة في المجموع للعبور، ولعلني أستطيع تدبير أمري".

"لابد أنك تمزح..."

حدق الحارس فيهما.

"علينا دفع أربع قطع من الفضة للبارون وحده! سيتعين علينا الدفع من جيوبنا إن دفعت مثل هذه القلة كضرائب!"

أمال فيروي رأسه.

"أربع فقط؟ ألم تطلبا للتو ست قطع من الفضة؟ ألا تحاولان ابتزاز تاجر بريء إذن؟ سأضطر للشكوى إلى البارون في هذه الحالة..."

بدت على الحارس الواقف علامات التوتر وهو يمسح جبهته، بينما تقدم الحارس الذي كان جالس حتى اللحظة نحوهما وحدق بغضب في رفيقه. حاول الحارس الأول أن يقول شيئاً، لكن الحارس الجديد أمره بأن يخرس قبل أن يلتزم وجهه ابتسامة لطيفة بدت مع ذلك محملة بالسم بطريقة ما.

"لا حاجة لذلك، هذا إن استطاع تاجر مثلك الحصول على مقابلة مع البارون فاروداس أو حتى السيد الشاب. هذا الأحمق لا يبرح ينسى زيادة الضرائب في الأسبوع الماضي. على أي حال، لنعلها أربع قطع فضية وخمس قطع نحاسية. وهذا كلام نهائي!"

تنهد فيروي.

"أقصى ما يمكنني فعله هو أربع قطع فضية وقطعتان نحاسيتان. لن يترك لي هذا سوى نزر يسير من الربح. أي زيادة أخرى، وسأضطر حتماً لإدارة عرباتي والعودة".

بقي الحارس الجديد صامتاً لفترة وهو يحدق في رفيقه، قبل أن يومئ برأسه.

"صفقة مقبولة، لكن عليك دفع العملات الآن فوراً. لا قروض ولا مهل لتسليمها عند عودتك".

أخذ فيروي نفساً عميقاً واضحاً، كمن يتفارق وولده البكر، وأدخل يده داخل معطفه الفرو ليخرج العملات، ثم شرع في عدها ببطء شديد. وحين بدا أن الحارس قد بلغ به الضيق مبلغاً يجعله يفكر في منعهما من الدخول على أي حال، مد فيروي يديه ببطء شديد نحو الحارس ووضع العملات في كفيه السميكتين. تحقق الحارس من المبلغ بنفسه قبل أن يلتزم النظر إليهما.

"يمكنكما الدخول الآن، لكن لا تنسيا، سيكون المبلغ مضاعفاً عند خروجكم. لا مزيد من التخفيضات بعد اليوم".

تمتم فيروي بصوت منخفض سُمِع بوضوح كافٍ ليسمعه الحراس: "لا بد أن أتحمل خسارة في هذه الرحلة إذن. أنا بحاجة لتصريف مخزوني من الفحم على أي حال".

ثم التفت الجندي السابق إلى تسيب وأشار أمامه. إذ لمש يرغب في البقاء طويلاً قرب هؤلاء الحراس الفاسدين والجشعين، لمس تسيب السياط جوانب الخيول فبدأت بالتحرك مرة أخرى. وتبعتهما العربة الثانية كذلك، ليصيرا داخل بوابات كيرنوس.

وحين تقدما مسافة كافية داخل الدرب المغطى بالثلوج، همس تسيب نحو فيروي: "لم أظهرتنا في صورة الفقراء هكذا؟ ألن يكون ذلك سيئاً للتجارة هنا، إن اكتشف التجار المحليون أننا لا نملك أي عملة لدفع ثمن السمك الذي نحتاج إلى شرائه؟"

فحص الجندي السابق المحيط حولهما بعينين حادتين قبل أن يجيب: "كل ما يحتاجونه هو رؤية عملاتنا لحظة الشراء، حتى لو ثرثر هؤلاء الحراس الحمقى عنا حين يذهبون إلى حانة محلية لتناول الخمر بعد انتهاء نوبتهما. في كلتا الححالين، نحتاج لأن يظنوا أننا معدمون ولا نملك شيئاً يستحق السرقة. قد لا يفيد ذلك كثيراً، لكن إن كان لقطاع الطرق التابعين لتورهان صلات منتظمة بالمعارف والتجار المحليين، فنحن بحاجة إلى كل حظ ممكن لنظهر أنفسنا وتيرانات فقراء، حتى لا تخطر ببالهم فكرة الإغارة علينا مرة أخرى قريباً".

"أه..."

أومأ تسيب برأس متفهم، إذ لم يمعن التفكير إلى هذا الحد. وحفظ الأمر في ركن بعيد من ذهنه الآن، فجال ببصره في ما يحيط بهما. الدرب الضيق المغطى بالثلوج الذي سلكاه كان يمر بين الأكواخ والبيوت البدائية من الجانبين، مع ندرة وجود أشخاص في الخارج في مثل هذا الوقت، رغم أن الليل لم يكن قد حل بعد. وخلافاً للحراس البدينين عند البوابات، بدا هؤلاء القوم كأنهم بالكاد يجدون ما يأكلونه.

الأطفال القلائل الذين رأوهم كانوا يتجمعون في زوايا أكواخ آبائهم، عوضاً عن الركض واللعب حولها كما ينبغي بهم. واصلت عربتاهما السير في ذلك الشارع لفترة، متبعتين بعض الأشخاص الذين يحملون حقائب صغيرة بعد التأكد من بعض السكان المحليين عن موقع السوق. كان صوت المحيط يزداد علواً، حتى انعطفتا يساراً عند تقاطع ودخلتا ما لابد أنه سوق كيرنوس. ورغم أن الأرض كانت مغطاة ببضع بوصات من الثلوج، لم يكن صعباً تبين من التغير المفاجئ لصوت عجلات العربة وهي تتحرك على الأرض أن هذا السوق، مثل سينران، يضم شوارع مرصوفة بالحجارة هنا، بخلاف الأرض الموحلة في تيرانات.

بينما كان الدرب الذي أتيا منه يضم في الغالب أكواخاً وبيوتآ خشبية على الجانبين مع ندرة البيوت الخشبية، لم تكن داخل السوق سوى مبانٍ خشبية، معظمها مؤلف من طبقين. وحين التفت متمعناً، أدرك أن هذا السوق كان أكبر مما توقع، مع وجود البحر -لا، بل المحيط- أمامه على مسافة قريبة. وأمامه، باتجاه المحيط، رأى منصات خشبية مستقيمة تمتد داخل الماء، مع سفينة حقيقية ذات أشرعة ترسو هناك!

على كلا جانبيهما كان هناك صف مقوس من المتاجر الخشبية والبائعين الذين يحيطون بالسوق بحيث تشكل المنطقة الشكل نفسه لنصف طبق خشبي مستدير يأكل فيه، بينما يوفر المحيط الحد المستقيم في منتصف ذلك النصف دائرة. ومع ذلك، خلافا لبقية القرية، كان هناك عدد لا بأس به من الناس هنا، مع ضجيج صاخب يحيط بهم. وخلافاً للحراس المرتدين معاطف فرو عند البوابات، لم يكن هؤلاء القوم مرتدين سوى ملابس الفلاحين، وكانت وجوههم النحيلة ونظراتهم الجائعة تفضح حالة حبوب الطعام في القرية.

أمر فيروي: "لنتوقف هنا".

أومأ تسيب، وإذ رأى عربات أخرى مصطفة قرب المنطقة المركزية، تحرك بعربته الخاصة مقترباً منها وأوقف الخيول، لتفعل العربة الثانية المثل بجانبهما. قفز فيروي إلى الأرض من مقعده وربط غمد السيف إلى خصره مرة أخرى، ونادى على الحراس جميعاً.

"سأذهب أنا وتسيب لنلقي نظرة حول المكان لنرى إن كان بإمكاننا العثور على شخص يرغب في شراء الفحم منا".

وأشار بيديه إلى الحارسين الآخرين.

"أنتما الاثنين، ابقيا هنا واحرصا على مراقبة عرباتنا".

وما إن أومآ برؤوسهما، التفت فيروي مجدداً نحو تسيب: "حاول معرفة إن كان أحدهم يبيع سمكاً مدخناً، لكن لا تسأل عن الأسعار. اترك ذلك لي. اذهب أنت يساراً، وسأتوجه أنا يمنة. سنلتقي هنا تماماً بعد إتمام دورة في السوق".

وعلى إثر ذلك، انطلق الجندي السابق بين حشود البشر، فاستدار تسيب هو الآخر وبدأ بالتحرك نحو اليسار. وبينما كان يمشي، سمع أصواتاً شتى حوله، مستمراً في التقدم بمحاذاة المتاجر في الطابق الأرضي من البيوت الخشبية ذات الطبقين. كان الكثير من أصحاب المتاجر يصيحون بأن أوانيهم الفخارية هي الأفضل، بينما يشيرون إلى الجرار الخزفية الموضوعة على الطاولات الخشبية لمتاجرهم. تساءل تسيب أيّ من هذه المتاجر تربطه صلات بقطاع الطرق التابعين لتورهان.

أم لعلهم جميعا كذلك؟ ومضى قدماً حول ذلك النصف دائرة، فرأى أيضاً بعض أصحاب المتاجر يبيعون القمح. واستمر في التقدم للأمام حتى بلغ الساحل حيث يلتقي المحيط اليابسة على مسافة قريبة. كانت هذه هي المرة الأولى التي يرى فيها مثل هذه الكمية الهائلة من الماء في مكان واحد، فوقف هناك لبرهة غارقاً في تأمل الشمس الغاربة أمامه، مدركاً أنه لم يسبق له أن رأى مشهداً أروع منه في حياته.

تدرجات البرتقالي، والأحمر، والأرجواني، والوردي تمتزج بسلاسة في السماء عند الأفق، بينما تنعكس على صفحة المحيط، خالقة منظراً يخطف الأنفاس، بغض النظر عن نعيق النورس المتواصل قرب السفينة الوحيدة في الجوار. وأدرك فجأة أن تساقط الثلوج قد توقف، مما أعاده إلى الحاضر. فطرد من ذهنه روعة المشهد في الغرب، وأجرى استدارة يمنى ليواصل السير بمحاذاة خط البحر. وخيل إليه أنه سمع أحدهم يطلق اسم مرسى على المنصة الخشبية المجاورة لتلك السفينة، لكنه لم يكن متأكداً.

كان نفر من البشر -بحارة- يحملون بعض الصناديق إلى السفينة عبر لوح خشبي يصل المرسى بالسفينة. لابد أن الكثير منها يحتوي على سمك مدخن، لكن كان هناك أيضاً الكثير من الفخار المغطى بإحكام بحشوات القش والمحمّل كذلك، والذي يُحتمل بيعه في أسواق أكبر مثل أولريغا. وعلى يمينه، كان بعض التجار يبعون سمكاً طازجاً، بينما أقدم بعض الباعة الصغار على عرض سمك مشوي على عرباتهم. لعابه سال للحظة قبل أن يتذكر أنه لا يملك عملة واحدة للشراء على أي حال.

وسرعان ما بلغ الدرب المركزي الفاصل للسوق، وانعطف يمنة مرة أخرى باتجاه عربتهما المنتظرة في الأمام. غير أن أمراً واحداً لاحظه هو أنه رغم كل الحركة والحشود المتموجة في السوق، لم يكن يكاد أحد يشعر بأنه يشتري شيئاً. كان هناك شعور بالإحباط يخيم على الأجواء رغم كل الصخب والنشاط، وهو ما لم يكن مختلفاً كثيراً عما اعتيد في تيرانات قبل بضعة أشهر، وإن كان على نطاق أوسع. فكيرنوس قرية أكبر من قريته، بحسب ما قيل له.

وسرعان ما بلغ عرباتهما ورأى أن فيروي كان هناك بالفعل في انتظاره.