من لندن إلى اللورد الفصل 214 — الحفر

اقرأ من لندن إلى اللورد الفصل 214 — الحفر باللغة العربية على مانجا تايم.

أوضح كيفاموس وهو يلتفت إلى الجالسين: "صار لدينا في القرية أربعة وعشرون نحّاتاً سابقاً، وهم أصحاب خبرة واسعة في هذا المجال. لديهم من الخبرة ما يكفي ويزيد لقطع صخور الحجر الجيري الصلبة، ومع توفر العدد الكافي من الأدوات الآن، فلن يجدوا صعوبة تذكر في الأمر. لقد ذكرت مسبقاً أن علينا إبقاء العمّال في الجنوب لقطع الأشجار لأطول فترة ممكنة، لكن يمكننا الاستغناء عن أربعة وعشرين منهم وتوجيههم إلى التلال الشرقية للبدء بحفر واستخراج التربة الطينية".

قال: "دوفاس، أريدهم أن يبدؤوا بهذا العمل اعتباراً من صباح الغد. حين يعود جميع العمّال مساءً، أعلِن عن تجمع لكل النحّاتين السابقين خارج القصر. وهناك سنشرح لهم التفاصيل. يمكنك استثناء صانع الأقواس، والنجار دارورا، والحارس هيولا من هذه المجموعة. سيترك لنا هذا ثلاثة وعشرين نحاتاً متمرساً لهذه المهمة".

أومأ ناظر القصر: "سأتحدث إليهم لاحقاً".

تابع كيفاموس: "أقدّر أن النحّاتين الثلاثة والعشرين سيحتاجون إلى أسبوعين على الأقل لاستخراج ما يكفي من الطين للبدء بالبناء. وما إن نجمع مخزوناً كافياً لنشرع في بناء السد، حتّى نستعين بأكبر عدد نحتاجه من العمّال لإنجازه بأسرع وقت ممكن، فالثلج سيذوب في غضون شهر. وهذا يعني أن علينا بذل قصارى جهدنا لبناء السد قبل حدوث ذلك".

وأضاف: "سأزور موقع مناجم الفحم غداً لأتأكد من جودة الطين وصلاحيته للمهمة. وما إن نبدأ بتجميع مخزون كافٍ منه، حتّى أتوجه إلى الجدول لأبحث عن بقعة مناسبة لبناء السد".

ابتسم دوفاس: "أدرك أن الأمر سيستغرق وقتاً حتى يجهز، ووقتاً أطول لنقل الناعورة وبناء المحور وما شابه، لكن إن عمل حقاً كما وصفت، فسيوفر جهداً هائلاً في جميع أعمال البناء بالقرية، إذ إن وجود منشارة خشب سيخفف عبئاً ثقيلاً عن كاهل تانيوك ومساعديه. لدينا الآن عشرات الأكوام من الجذوع المتشابكة الموزعة في أنحاء القرية، ويضم كل كوم أكثر من مئة جذع بسهولة. لذا فلن نعاني من شح الجذوع لسنوات لتغذية منشارة جديدة، لا سيما بعد إخلاء الأراضي الزراعية كافة في الجنوب".

وافق كيفاموس: "بالضبط. نحن نبدأ للتو بإعادة بناء القرية. أبنية البيوت الطويلة في الشمال ليست سوى حل مؤقت. لا يمكننا إبقاء هذا العدد من الناس في أماكن ضيقة هكذا طويلاً. لست متأكدًا متى تتوفر لنا أيدٍ عاملة متفرغة لهذا، لكني أود الشروع في إزالة المنازل المحترقة وسط القرية جراء غارة جماعة تورهان. ومتى انتهينا من ذلك، نستطيع بناء مسوتات جيدة تليق بالقرويين ليعودوا إليها. بالطبع، هذا مجرد مخطط مستقبلي الآن، فهناك أمور أخرى كثيرة نريد من النجار إنجازها قبل أن نصل إلى ذلك".

في تلك اللحظة، دخل لوسيم القاعة من باب داخلي وهو يبتسم، وتتبعته خاريسا تمشي خلفه. رأى الصبي كيفاموس فركض نحوه بحماس شديد ممسكاً بشيء بيديه.

"سيّدي، انظر! انظر! لقد نلت المركز الأول في مسابقة جمع نشارة الخشب اليوم!"

ردت خاريسا من مكان قريب: "أنا من تولى كتابة عدد سلالك مع ذلك. أنت لا تحسن الكتابة حتى!"

حاول كيفاموس منع شجار بين الطفلين فأثنى عليهم: "هذا رائع يا لوسيم! وأنتِ أيضاً يا خاريسا. لقد بلغتني تفوقك الباهر في دروسك".

أشرق وجه الطفلين فخراً بالمديح، قبل أن يشير إلى يد الصبي.

"ما هذا؟"

أوضح لوسيم وهو يرفع البسكويتة الوحيدة في كفيه بينما عجز عن إخفاء ابتسامته: "هذا ما صنعته أمي لتوزيعه على كل المشاركين في المسابقة. لكني حزت المركز الأول لذا أردت نيل نصيبي من الجائزة الآن قبل أن يتسلمها الجميع في الدروس!"

رمقته خاريسا بنظرة حادة وقالت: "أريد نصيبي منه أيضاً!"، مما جعل لوسيم يحك رأسه بخجل.

تذمر الصبي: "أنت تعلمين مسبقاً أنني كنت سأشاركك..."، قبل أن يتجه الطفلان للجلوس على بسطة لتقاسم قطعة البسكويت الطازجة.

ابتسم كيفاموس وهو يتأمل الطفلين السعيدين، اللذين قطعا شوطاً طويلاً مبتعدين عن ماضيهما العنيف.

ثم التفت إلى جورسازو: "أكنت تعلم مسبقاً بفوزه؟ لما لم تخبرني؟"

هز جورسازو كتفيه: "أردت أن يفاجئك لوسيم. بدا متحمسًا حقاً ليخبرك بنفسه ويعرض جائزته التي كانت تخبز قبل ساعة حين علمت بالأمر. رغم أن علي إعلان الأمر في الدروس لاحقاً اليوم".

وأضاف وهو ينهض وقد التف معطف الفرو حول كتفيه حقاً: "يجب أن أغادر نحو أبنية البيوت الطويلة، وإلا تأخرت عن دروس اليوم".

أومأ كيفاموس. لقد سرّه رؤية أطفال القرية يظفرون بشيء مثير يشغلهم بينما يتعلمون في الوقت ذاته. ورغم أن لوسيم فاز اليوم، فمن المرجح أن يحصد الفوز طفل مختلف كل يوم بسبب التنافس الشرس بينهم، مما سيبعث في نفوسهم حماسة أكبر لتعلم القراءة والكتابة. ولا شك في أن مساهمة المسابقة في خفض استهلاك الفحم بالقرية تعد مكسباً مرغوباً للغاية.

نظر المعلم إلى الطفلين اللذين أتما للتو التهام جائزتهما الشهية، فأمر: "لوسيم. خاريسا. هيا بنا، وإلا تأخرنا. يمكنكما مرافقتي سيراً إلى الدروس اليوم".

نهض هودان وهو يرتدي معطف فروه: "عليّ تفقد نقاط الحراسة كلها الآن أيضاً. فيروي هو من يتولى ذلك عادة، لكن حتى عودته فهذه مسؤوليتي أيضاً".

وأخيراً نهض دوفاس بدوره، بينما بدا وكأنه يشعر بالبرد: "سيبدأ العمّال بالعودة قريباً، لذا ينبغي أن أغادر الآن لاستدعاء النحّاتين أجمعين. سأبعث خادماً لندائك حين يجتمعون لتشرح لهم مشروع الحفر".

لم يلبثوا أن غادروا قاعة القصر نحو وجهاتهم المختلفة، ليتركوا كيفاموس وحده أمام المدفأة المشتعلة. حدق في الرف المجاور لطاولة الطعام الطويلة ونفاد مؤونة الرقاق الفارغة المرصوصة عليه. كان عليه فعل حيال ذلك، لكنه استطاع الآن رسم بعض المخططات الجديدة عليها للآلية التالية التي رغب ببنائها هنا. نهض من مقعده الوثير، ومط براعتيه فوق رأسه. لقد حان وقت العمل.

* * *

كان ظهر اليوم التالي، وقد ترجل كيفاموس للتو عن صهوة جواده بصحبة هودان وبضعة حراس آخرين. ساد برد قارس في الطريق، لكن تساقط الثلج توقف مؤقتاً على الأقل. كان يقف الآن في واد ضيق بالمنطقة التلالية قرب مناجم الفحم ناظراً إلى النيران الكثيرة المشتعلة هناك. أمس، راوده شك حيال قدرة العمّال على اختراق الأرض المتجمدة، لكن حين شرح المشروع للنحّاتين، اقترح أحدهم طريقة فريدة، وهذا ما جرى تنفيذه هنا منذ الصباح.

حين وصل النحّاتون الأربعة والعشرون صباحاً، أحضروا معهم عربة محملة بالإمدادات. تركز جلها على أدوات الحفر كالمعاول والمجارف، لكنها ضمت طعاماً مجففاً للعمّال، والأهم أنهم أحضروا أكبر قدر ممكن من فروع الأشجار الطويلة المحملة على ظهر العربة. اشتعلت في تلك اللحظة فروع طويلة عديدة متجاورة في الوادي، وبدا جلياً أن الثلج بدأ بالذوبان في المساحات الفاصلة بين النيران، بينما ذاب تماماً تحت ألسنة اللهب المباشرة.

ومع انعدام الريح تقريباً بفعل التلال المحيطة، غدا الوادي الضيق دافئاً نسبياً، لدرجة جعلته واثقاً من إمكانية الاستغناء عن معطف الفرو تماماً كالعُمّال. وسرعان ما أبصر بضعة عمّال يجرون فروع النار الطويلة نحو مكان آخر ممسكين بها من الجانب غير المشتعل، تاركين موقع النيران السابقة جاهزاً للحفر. وفوراً، تقدم بضعة عمّال نحو البقعة بمعاولهم ومجارفهم، مستعدين لبدء الحفر في الأرض المنظفة حديثاً.

واستمرت هذه العملية منذ الصباح، وتجمع في تلك اللحظة كومة طين صغيرة في بعض المواقع. أومأ للحراس باتباعه نحو كومة الطين، وعزم على استخدام الطريقة التي أرشده إليها بينوتو -مشرف الجنوب الذي عمل مزارعاً في الماضي- للتحقق من نوع التربة. التقط بعضاً من ذلك الطين، وعجنه بيديه حتى بات كروي الشكل إلى حد ما ومتجانس القوام. ثم قذفه صعوداً بضع مرات والتقطه مجدداً، ملاحظاً أن كرة الطين احتفظت بشكلها بما يكفي، وهو ما بشر بخير لهذا الاختبار.

ثم تذكر ما أراه إياه بينوتو، فأمسك بكرة الطين بإحدى يديه وعصرها بين إبهامه وسبّابته حتى بدأت تخرج في هيئة شريط طيني.