من لندن إلى اللورد الفصل 204 — بديل أنظف

اقرأ من لندن إلى اللورد الفصل 204 — بديل أنظف باللغة العربية على مانجا تايم.

قال دارورا بكتفين مرتجفتين: "ما كنت لأفعلها لولا تصاميمك، لكنني أقبل مدحك".

ابتسم بخبث وأضاف: "فقد عملت بجد من أجل هذا، بعد كل شيء".

أحاق هودان نظراته بالنجار الشاب، لكن كيفاموس اكتفى بسخرية مكتومة على ذلك الرد ورفع يداً ليمنع قائد الحراس من توبيخ دارورا على وقاحته. قبل شهر فحسب كان النجار شخصاً ترتعد فرائصه خوفاً على حياته بعد عيشه الطويل وسط قطاع الطرق،وها هو الآن واثق بما يكفي بمهارته ليلقي مثل هذه المزحة عليه بلا مبالاة. دلّ ذلك بوضوح على استقراره التام في حياته الجديدة بالقرية. تابع الجميع المياه المنحدرة بفقاقيعها على جانب التل لبرهة، قبل أن ينادي العاملان اللذان كلفا بالتسلق على العارضات على بقية العمال.

صاح أحدهما: "ليبدلني أحدكم! نريد رؤية المياه الجارية نحن أيضاً!".

غادر تسيب فوراً برفقة عاملين آخرين ليحلوا محلهم، بينما كان يناقش معهم جدول عمل جديداً ابتداءً من الغد، إذ لم يتبق سوى ساعة بالكاد قبل حلول الظلام، فلا فائدة ترجى من إطالة عملهم اليوم. تبعهم دارورا لسبب ما أيضاً. نظر إليه هودان.

"ما زلت أساور الشكوك قبل قليل إن كانت هذه الآلة الخرقاء ستكون أكثر من مجرد زينة، لكنها حقاً تعمل، يا سيّدي".

هز رأسه مبتسماً.

"بحلول هذا الوقت كان يجدر بي حقاً أن أتعلم ألا أشكك في أفكارك الاستثنائية".

ضحك كيفاموس لذلك.

"الأمر ليس مميزاً. لقد عمل الجميع بجد من أجل هذا، لذا فهو نصر آخر لتيرانات بأسرها".

رمق مدخل منجم الفحم بنظرة سريعة لأهبة الانطلاق.

"حسنعلينا التفكير في العودة قريباً، لا أريد ارتكاب خطأ المرة الماضية حين تأخرنا في الانصراف".

أومأ هودان برأسه وهرول إلى الداخل لينادي الجميع. رأى بعد ومضة دارورا مقبلاً نحوه وقد وضعت كل أدواته في حقيبته الجلدية.

بدأ النجار حديثه قائلاً: "عدت إلى الداخل لتقدير كمية المياه التي تحركها النواعير نحو الجدول. أعتقد أن الأمر سيستغرق يوماً ونصف اليوم تقريباً لتفريغ كل المياه داخل هذا النفق. ستظل هناك بعض الحفر والمنخفضات الصغيرة في الداخل ببقايا مياه، لكن لن يستغرق العمال سوى ساعة بالكاد لإزالتها ببضعة دلاء".

علق كيفاموس قائلاً: "هذا الجدول الزمني يتطابق مع ما قدرته، إلى حد ما".

"هذا يعني أنك ستملك متسعا من الوقت ابتداء من الغد للعمل على النشوء الثاني مرة أخرى. رغم أنني أعتقد وجوب زيارتك لهذا النفق بعد غد بعد الظهر لتوجيه العمال لكيفية تفكيك نظام الناعورة بأكمله دون إتلافه".

أومأ دارورا برأسه: "بالتأكيد. كنت أفكر في الأمر ذاته. أكره أن أرى كل جهدي الشاق يذهب سدى لمجرد أن عاملاً لا يبرع في طريقة فكه. أعتقد أن فكها يستغرق بضع ساعات، وبضع ساعات أخرى لنقلها إلى منجم الفحم التالي الذي يحتاج لتجفيفه من المياه. لقد رأى العمال تركيبها مرة من قبل، لذا لن يستغرقهم الأمر سوى ساعتين لتركيبها في المرة القادمة، لكني سأذهب معهم عند النقل الأول للناعورة. وأنا واثق من قدرتهم على فعلها بلا إشراف بعد ذلك".

ابتسم كيفاموس برضا: "جيد، جيد. هذا يعني خلو كل منافذ المناجم من المياه الراكدة في غضون خمسة عشر إلى عشرين يوماً".

راح يفكر في أمر آخر واردف: "بينما يمكننا الشروع بإرسال عشرات العمال إلى هذا المنجم بالذات بعد أيام، فنحن بحاجة ماسة لمواصلة عمل الجميع في الجنوب لتطهير مساحات أكبر للزراعة. لذا كنت أفكر في جعلك تبني آلة ضغط خشب بسيطة للتعامل مع أزمة نقص الفحم".

سأل دارورا بارتباك: "ماذا تعني، يا سيّدي؟".

"في ورشتك، وكذلك في ورشة تانيوق، لا بد من وجود الكثير من نشارة الخشب والشرائح المبعثرة هنا وهناك، أليس كذلك؟".

أومأ النجار: "بالتأكيد، لا مفر من ذلك عند العمل بالخشب".

سأل كيفاموس: "وماذا تفعلون بها؟".

هز دارورا كتفيه: "نكتفي بكسحها جانباً وإلقائها في مكان آخر بالقرب من الغابة".

أومأ كيفاموس برasه: "هذا ما توقعته. مع ذلك، فهي لا تزال مصنوعة من خشب عالي الجودة، والذي يمكن أن يتحول أيضاً إلى مصدر حراري جيد إذا حرق كبديل للفحم - أساساً، كبديل نظيف له. وبينما نستعمل الفحم للتدفئة في معظم الأماكن، فإنه ليس ملائماً حقاً لتنفس البشر لأبخرته، في حين أن هذه النفايات - التي تقتصر على الخشب ولا فائدة ترجى منها على أي حال - يمكن أن تصير مصدرا أنظف بكثير للتدفئة. والميزة الإضافية هي إمكانية بيع الفحم الذي لن نحرقه لزيادة دخل القرية".

تمتم دارورا: "أظن أن هذا منطقي. لكن نقل كل تلك النشارة يظل عناء حقيقياً. كما أنها تأخذ مساحة كبيرة، لذا حتى لو رغبت في حرقها بمدفأة، سيحتاج أحده مراراً وتكراراً لإشعال النيران من جديد".

"لهذا كنت أفكر في صنع آلة ضغط خشب".

وأضاف كيفاموس: "مع حجم الإنشاءات الجارية في القرية، فإن كمية النشارة وشرائح الخشب التي نهدرها لن تزيد إلا في المستقبل. وحتى خارج ورشتي كلاكما، فأينما وُجد بناء جار، سواء كان لبناء بيت طويل، أو حظيرة، أو الأسوار أو حتى البوابات التي سنبنيها، فستبقى هناك دائماً كومة من نشارة الخشب المهدرة في الوقت الحالي. لذا إليك ما كنت أفكر فيه...".

بدأ بالمشي خارج المنجم برفقة النجار، مدركاً أنه إن كُللت محاولتهم بصنع هذه الضاغطة الخشبية بالنجاح - وينبغي لها ذلك حقاً، إذ لم يكن صنعها بالشيء الصعب للغاية - فيمكنه التفكير في استخدام أفضل وأكثر ربحية لمثل هذه الآلة مستقبلاً. بالطبع سيتطلب ذلك الكثير من الورق أيضاً، رغم تفكيره مسبقاً بحل أفضل من الرق الباهظ الذي استعمله حتى الآن.

تاركاً تلك الفكرة للمستقبل، شرع يشرح: "الأمر ليس معقداً للغاية. سيتعين عليك إيجاد مكان خال، ربما في الجنوب، نظراً لتركز أعمال قطع الخشب هناك هذه الأيام، وسيلزمك أخذ قطعة متينة من جذع كبير وعريض لشجرة مقطوعة بالفعل. ثم تجعل سطح الجذع أملس ومسطحاً، ليكون قاعدة الآلة".

وتابع: "بعد ذلك، ستحتاج إلى إطار، شبيه نوعاً ما بالذاك الذي صنعته للناعورة. ومع أنه لن يبلغ ذلك الارتفاع، فسيتعين أن يكون بمتانته نفسها. ثم ستكون هناك خشبة متينة أخرى لتشكل الجزء العلوي من الآلة، وتلك هي التي ستضغط شرائح الخشب إلى... قوالب فحم - وهي عبارة عن كتل صغيرة من تلك المادة المضغوطة".

تمتم دارورا أثناء نزولهما المنحدر الصغير على التل: "أظنني فهمت ما تقصده... لكن كيف ستضع اللوح العلوي ضغطاً على شرائح الخشب تحته؟ هل تقصد جعل رجل يقف فوقه؟".

ضحك كيفاموس بخفة: "تلك ليست فكرة سيئة، لكنها لن تكون بهذه الكفاءة. لهذا السبب ذكرت الإطار. سيُثبت لولب مصنوع من غصن خشبي في الجزء العلوي من ذلك الإطار، بينما يُثبت الطرف السفلي من اللولب في ذلك اللوح. وأخيراً، سيكون هناك مقبض قوي - يسحبه العامل إلى الجانب لتحريكه أفقياً - ليدير اللولب ببطء. وحين يتحرك نزولاً، سيضغط اللوح بقوة هائلة. وتلك القوة هي التي ستضغط نشارة الخشب - الموضوعة مسبقاً بين الجذع واللوح. كما ستصنع انخفاضات صغيرة في الجذع على شكل متوازي مستطيلات، وتلك هي الهيئة التي ستتخذها شرائح الخشب بعد ضغطها".

بدا دارورا مقطّب الجبين وهو يفكر في الأمر.

"لا تقلق، سأرسم مخططها صباح الغد، ويمكنك اتخاذه دليلاً لبنائها بحلول المساء، نظراً لعدم حاجتنا إليك في المنجم غداً".

أدرك كيفاموس أنه بينما لن يستغرق مخطط هذه الآلة البسيطة سوى بضع ساعات على الأكثر، كان بإمكانه التفكير بسهولة في طريقة أكثر تعقيداً للشيء ذاته حيث يمكنهم التحكم بدقة في مقدار ضغط اللولب على اللوح. ومع ذلك، لم تكن تلك الدقة مطلوبة منهم - والتي تطلبها طباعة الكتب وما شابه - وكل ما احتاجوه هو ضغط بعض النشارة والشرائح الخشبية. لذا لم يكن التصميم بحاجة سوى للكفاءة لأداء تلك المهمة البسيطة دون استهلاك الكثير من وقت النجار.

أومأ دارورا: "سيسعفني ذلك كثيراً، لكنه سيؤخر عملي على النشوء الثاني يوماً آخر...".

تنهد كيفاموس: "ألا أعلم ذلك... فما إن أظن أن مشكلة ما قد حُلَّت، حتى تبدأ مشكلة أخرى ببروز رأسها فوراً. ومع ذلك، يمكننا تخصيص يوم إضافي لهذا، لأنه سيساعدنا كثيراً في الأشهر القادمة لتوفير بعض الفحم".

وافق النجار: "هذا صحيح بالتأكيد".

وقبل أن يمضي وقت طويل، بدأ هودان وبقية الحراس والعمال في النزول نحوهم. ألقى كيفاموس نظرة وجيزة على الشمس التي قاربت على المغيب في الغرب. نأمل ألا تتربص زمرة أخرى من آكلين لحوم البشر بالقرب من التلال.

أبلغ قائد الحراس قائلاً: "لن يستغرق العمال طويلاً لتحميل ما لم يستعملوه اليوم على العربات، وحينها يمكننا الانصراف".

أومأ كيفاموس: "حسناً. فلنبدد مزيداً من الوقت إذاً".