همستْ: "ها هو ذا!"
والتفتت إلى البقيّة لتشير نحو ذلك المكان، فاكتفى الحراس بإيماءات صامتة، فما من أحد يجرؤ على إحداث أدنى ضجيج ووحش الأديزيّ على مرمى حجر منهم. فحواسّ سمعها فائقة، وهذا ما يعلمونه يقيناً. ظلت متسمّرةً في مكانها، عضلاتها مشدودة ومستعدة، لا تدرِي كم مرّ من الوقت حتى أبصرت ببطء رشاقة الحركة المعهودة لأديزيّ بالغ الکبر، يمشي متمهّلاً بين الأشجار الجردة، ويحدّق فيهم بعينيه الحمراوين الحادتين.
كان وباره السميك رمادياً يميل إلى الصفرة في هذا الفصل، لكنّه امتزج بأوراق الشتاء لدرجة جعلتها تشكّ في قدرتها على ملاحظته لو كان الوقت ليلاً. بدا الوحش فارع القامة بطولها تماماً، ولم تساورها شكوك في أن ضربةً واحدةً من مخالبه القوية تكفي لإزهاق روحها، رغم الدروع الجلدية التي يرتديها الحراس جميعاً. وكما درّبهم هودان لحالة ظهور أديزيّ، تراجعت ببطء خطواتٍ معدوداتٍ برفقة يوفيم، في حين تقدّم فيروي وثلاثة حراس آخرين يحملون الرماح إلى المقدمة بخطى واهية.
أسندوا أعقاب الرماح إلى الأرض، وارتفعت رؤوسها لتوازي صدور الأديزيّ، إمعاناً في ردعه عن الهجوم أو القفز نحوهم. اتخذتْ هي ويوفيم موقعيهما بين الحراس، على بعد خطوات خلفهم، ونشّبتْ قوسها النشّاب بينما جهّز هو قوسه الحربي. بحلول تلك اللحظة، كان قلبها يخفق بعنف جعلها تظنّ أن الجميع يسمعون دقاته ويدركون كم يملؤها الرعب. ورغم تدريباتها المنتظمة مع بقية الحراس طوال الشهر الماضي، فهذه مرتها الأولى تقف وجهاً لوجه أمام خطر حقيقيّ قد تزهق فيه روحها قبل أن ترتّش جفنها.
لكنّها أجبرت قدميها على الثبات في الأرض، وإن توسل إليها عقلها أن تفرّ هاربة من البوابات لتنجو بحياتها. لاحظتْ أن يديها أخذتا ترتجفان، فشدّت قبضتها بقوة على القوس النشّاب، وأخذت شهيقاً عميقاً لتهدئة روعها، مطيلة النظر في الأديزيّ الوحيد الذي توقف على مسافة تبعد نحو خمسين قدماً عنهم. تفحّصت محيط الوحش بحثاً عن بقية قطيعه. لم يكونوا متأكّدين من قدرتهم على قهر واحد منها، فما بالك لو كان معها غيره؟
ومرةً أخرى، وسوس لها عقلها بمغادرة موقعها والفرار نحو كتلة البيوت الخشبية حيث الأمن والأمان. أليس جديراً بها أن تبذل قصارى جهدها لإنقاذ حياتها؟ هزّت رأسها نفياً. لا، لن تفرّ! لقد وضع اللورد كيفاموس ثقته فيها لتصير حارسة، ومن واجبها حماية القرويين الآخرين. هذا ما تدربت لأجله طويلاً. وما عادت تبتغي العودة لحياتها السابقة قبل مجيئها إلى القرية، حيث كانت تتكل على الآخرين في حمايتها.
لم ترغب في الإحساس بذلك العجز مطلقاً. شعرت بصفاء ذهنها، فرفعت القوس النشّاب ببطء أمام عينيها، وألصقت إصبعها الآخر بالزناد مستعدة، متجاهلة ذراعيها المرتجفتين خوفاً. كان قائد الحراس -وهو الوحيد بينهم الذي واجه أديزيّاً من قبل- قد ألقى على مسامعهم جميعاً إحاطةً أكد فيها أنهم إن لم يلمسوا من الأديزيّ هجوماً وشيكاً بنية القتل، فعليهم أن يتركوه وشأنه. فهذه الوحوش تحب التملّي في فرائسها طويلاً حتى تقرّر إن كانت صيدةً سهلة أم لا.
لذا، فإن لاحت ولو بارقة أمل في أن يقرّر الوحش عدَم مهاجمتهم، فإياهم ومبادرة الهجوم، لئلا يلقوا حتفهم موتاً يمكن تلافيه. بدا الأديزيّ كأنه يحدّق فيها مباشرة، فبادلته النظرة بالمثل رغم لَجَب قلبها واضطرابه في صدرها. لبرهة خيل إليها أنه يكتفي بإرهابهم ثم يولي مدبراً، لكنّه عاد فرفع خطمه عالياً يستنشق الهواء، ثم رمقهم بنظرة قبل أن يشرع في التحرك نحوهم ببطء.
لم تمض سوى ومضات حتى همس فيروي بينما واصل الجميع التحديق إلى أمام: "سيهجم قريباً. يا حملة الرماح، اثبتوا في أماكنكم. ويا رماة السهام، ابدؤوا بإطلاق النيران. يوفيم، استهدف رأسه. هيولا، اصمي حيث شئت".
ثم تناول البوق المعلق عند خصره ونفخ فيه نفخةً مدويةً أفزعت الوحش. لم يستغرق يوفيم سوى لحظة ليسدد سهماً على قوسه الحربي الثقيل، بينما صوّبت هيولا القوس النشّاب نحو رأس الوحش. أترى فيروي حقاً أنها أسوأ رامية مقارنة بيوفيم، حتى يأمرها بالإصابة حيث أمكن؟ هاه! لترينّه ما تستطيع فعله! ومع تقدم الوحش ببطء نحوهم، أطلق يوفيم سهمه، وأعقبه بعد لحظات سهم هيولا ذو النصل العريض.
ودون انتظار لتبين أاصاب سهمهما الأديزيّ أم لا، شرع يوفيم في تجهيز سهم آخر، بينما سارعت هيولا بلهفة لإعادة حشو القوس النشّاب. وفجأة، سمعت عواء الأديزيّ المشوب بالألم والشكاية. التفتت لبرهة تطالع الوحش، لتجد أن طاقة النصل -التي تجاوزت الحدّ المطلوب في هذه المسافة القريبة- قد اخترقت خطم الأديزيّ قرب أنفه. كيف لها أن تصيبه ويداهما ترفان رجفةً؟ شعرت بلحظة انتصار واهية، حاسبةً أنها من أطلقت العواء المؤلم من جوف الوحش، قبل أن تلاحظ سهم يوفيم الأطول بكثير وهو نابت في عين الأديزيّ!
فهو سبب عواء الوحش الموجع، لا هي... رمت الرامي الشافع بنظرة مشككة، فقد كان منكوباً بتجهيز سهله الثاني بتركيز شديد. بأي سحر أعمى تمكن من إصابة العين في أول محاولة بحق السماء! لا بدّ أن الحظ الخالص قد حالفه. عادت لتعمير القوس النشّاب، قبل أن تطرق سمعها صفير سهم آخر أطلقه الرامي الشافع. ودفعتها شدة الفضول لترقب ما إن كان سيصيب عين الوحش الأخرى، فاستروح قلبها حين رأت السهم مكتفياً بإصابة خطمه.
وحين استعملت ذراع الماعز لشد وتر القوس مجدداً، أدركت مدى عسر تلك الرمية وحدها، والأديزيّ يهز خطمه بلا توقف يمنة ويسرة محاولاً التخلص من تلك الأغراض المؤلمة. ومرةً أخرى، لقّمت سهماً ذا نصل عريض لقصر المسافة، ورفعت القوس النشّاب أمام عينيها، محاولةً تصويب رأس الوحش ثانيةً. وقبل أن تضغط على الزناد، سمعت صفير سهم آخر ينطلق، واستقر هذه المرة في عنق الوحش، ليعاود الأديزيّ إطلاق عوائه المدوي.
أخذت هيولا وقتها في التسويب هذه المرة، وسرعان ما رأت نصلها يغوص في بطن الوحش، بعيداً تماماً عن هدفها الأصليّ في العين الأخرى، وكل ذلك لأن الوحش اللعين كان يتحرك بعنف! لا، لم يكن السبب ارتعاش يديها! رمت الرامي الشافع بنظرة غاضبة، وكان قد عقد حاجبيه بتركيز، بينما استقرت يداه كالجبال الراسية. بأي سحر سماويّ يحسن التصويب هكذا! وفجأة، لمحت حركة في الجهة الشمالية، فرأت الوحش وقد تخلص بطريقة ما من السهم النابت في عينه، بينما ظلت بقية الأسهم والنصال مغروزة فيه، وهو يشرع في التقدم نحوهم ببطء مزمجراً.
حدثت نفسها بأن الوقت قد حان ليتقدم باقي الحراس برماحهم -والوحش جريح بالفعل- لكنّ فيروي صدع بصوت خفيض: "اثبتوا في مواقعكم يا حملة الرماح! حتى لو همّ بالقفز نحوكم، فاسندوا الرماح إلى الأرض، وإياكم والركض نحوه!"
ومع مواصلة الوحش زحفه البطئ نحوهم وإزمجاره المتواصل، تنبهت إلى حركة صدرت من ورائهم. التفتت لمحة وهي تعمر السهم الثالث، لتشاهد هودان وتيسيب وثلاثة حراس آخرين يهرعون إليهم ممسكين برماحهم. ولحسن الحظ، بدا الوحش بطيء الحركة الآن، مما أتاح للقادمين الجدد اتخاذ مواقعهم بين فيروي وبقية الحراس، فصار جدار الرماح أكثر كثافة ومتانة. أطلق يوفيم سهمه الرابع، لكنه اقتصر هذه المرة على إصابة إحدى القوائم الأمامية للأديزيّ.
وبلغت هيولا ذروة تعمير سهمها الثالث، وراودتها رغبة جامحة في تفوق تصويبها على الرامي رغم لجب قلبها المتسارع، غير أنها أبصرت الأديزيّ يستعيد سرعته جاشماً بالركض نحوهم، وإن بدا مترنحاً قليلاً بسبب السهم العالق بقائمته. ورغم مساعيها المضنية لتهدئة قلبها وتثبيت يديها، إلا أن المشهد البدائي لوعل عملاق يجري نحوها بقصد تمزيقها إرباً هدم كل شجاعة حشدتها، فتراجعت لا إرادياً خطوات للخلف عثرة بالجليد المتراكم على الأرض.
أسعفها يوفيم فأمسك بذراعها مانعاً إياها من السقوط، وأشار نحو الداخل خلف الأسوار: "هيا، لقد انتهت مهمتنا هنا!"
ودون وعي بما تدبره، هرولت هيولا بضع خطوات نحو الاحتماء بالأسوار الخشبية المتينة، وشرعت في إعادة تلقيم قوسها النشّاب تحسباً لكل طارئ. غير أن يوفيم كان قد جهّز سهماً جديداً، وبدا هذه المرة منتظراً لفرصة أثبت وأفضل. وحينها، تألف جدار الرماح من تسعة حراس اصطفوا على طبقتين. ختلت النظر عبر فرجة لا تتعدى البوصة بين جذعين من السوار، وتجمد قلبها لبرهة وهي ترى الوحش مندفعاً بأقصى سرعته نحو الحراس.
صاح هودان بأعلى صوته: "اثبتوا في مواقعكم!"
وفي لمح البصر، أخطأ الأديزيّ -الذي أراد فيما يبدو تجاوز الحراس قفزاً- تقدير قفزته ليتعثر بساقه الجريحة. ورأى فيها يوفيم فرصة سانحة -وكان واقفاً على حافة فرجة السور- فأطلق سهمه ليستقر في صدر الوحش العضليّ قبيل شروعه في القفزة. وتابعت بأنفاس محتبسة قفزة الوحش الضخم وهي تقصر عن مداها ليهوي مباشرة فوق الرماح المشرعة صوبه، معلناً عن عواء ألم جديد. وفي الآن ذاته، صرخ أحد الحراس صرخة ألم مدوية وهو يقبض على ساقه.