قاطعته هودان: "لا أرى ضرراً في التحقّق، لكني واثقة من أننا لن نجد رواسب حديد ضخمة هنا. المناوشات والحروب المتكررة على تلال تولاسي ليست لمجرد السيطرة على مساحة أكبر. بل لأن تلك التلال تضم أكبر ترسبات خام حديد ظهرت قط في سيلاريا. لو وُجد ترسب حديد ضخم آخر في هذه الغابات للاحظه أحدهم منذ زمن، ولما قامت حرب أصلاً من أجل تلك التلال".
اقترح كيفاموس: "من الواضح أننا لا نستطيع توقّع العثور على ترسب هائل آخر لخام الحديد في هذه الغابات، لكن أليس ممكناً أن نجد هنا ترسباً بحجم مققبول على الأقل؟"
هزّ فيروي رأسه.
"الأمر مستبعد يا سيّدي. الجماعات المرتزقة التي سافرت معها كانت تعبر هذه الغابات مراراً، ورغم أن أياً منهم لم يكن منقّباً مدرباً، إلا أن بعضهم عمل في الماضي عمال منقّبين عن خام الحديد، وكانوا سيتعرفون إلى وجود ترسب كبير كفاية ويمتد على مساحة واسعة".
وأضاف وهو يهز كتفيه: "هذا لا ينفي احتمال وجود ترسب أصغر حجماً، فنحن لم نفحص كل بقعة فردية".
تنهّد كيفاموس. لقد صبّ ذلك ماءً بارداً على حماسته.
"مع ذلك، سيكون من الجيد استئجار بضع منقّبين تحسّباً لأي طارئ. حتى ترسب حديد صغير سيكون مفيداً جداً لنا".
احتجّ دوفاس فوراً: "لكننا لا نملك القطع المعدنية لنستأجر هؤلاء المنقّبين باهظي الثمن! ربما لا نملك حتى ما يكفي لدفع الضرائب للكنت بعد الشتاء!"
رفع كيفاموس يده.
"بالطبع، سنقوم بالبحث فقط حين تتوفر لدينا أموال فائضة لذلك. أعلم أننا لا نطيق تحمل تكلفة ذلك الآن. فلنؤجله إلى الصيف القادم إذن. لكننا سنظل بحاجة إلى استئجارهم في مرحلة ما، فما مِن أحد بينكم سيكون قادراً على تمييز الخامات بسهولة. أظنني ما زلت قادراً على تمييز الخامات، لكن الأمر سيستغرق أشهراً للبحث في كل شبر من هذه البارونية، وليس عملياً أن أفرّغ نفسي لمغادرة تيرانات طوال هذه المدة".
ونظر إلى كبير الخدم: "أقلت إن هناك منقّبين في سينران يمكنهم فعل هذا؟"
أومأ دوفاس بتردّد.
"لابد أنهم موجودون بالتأكيد. سأحتاج إلى زيارة سينران لهذا الغرض، لكني أعتقد أنني قد أستطيع إغواء بضعة منهم للقدوم إلى هنا".
قاطع جورسازو: "لا أعتقد أن هذه فكرة سيدة. أي منقّب من سينران سيعود اتصاله حتماً بالكنت سينران، أو ربما حتى بالبارون زوريكوس، وكل ما يكتشفه ذلك المنقّب هنا سيُبلّغ به فوراً".
وشرح قائلاً: "حين يكتشف الكنت الأمر، فحسب حجم الاكتشاف، سإما يستولى عليه لنفسه أو يطالب بضرائب باهظة على الأقل. أعتقد أن الفكرة الأفضل هي جلب منقّب من مكان آخر، ممن لن يثرثروا فوراً بهذا للكنت".
تمتم دوفاس متنهداً: "لا... لا يمكنني إنكار هذا الاحتمال. الكنت سينران يعلم أننا متأخرون بالفعل في دفع الضرائب، لذا لن يفوت فرصة لتعويض ذلك بوضع أي منجم حديد مكتشف حديثاً تحت سيطرته المباشرة. سيقضي ذلك بسهولة على هدفنا من جني أي ربح من تلك الخامات".
تأمّل كيفاموس.
"مم... مع الخطط التي أحملها للمستقبل، سنحتاج ونستهلك حديداً أكثر بكثير ممّا نفعل حالياً، لذا ليس لدي أي نية لبيع الخام مقابل نقع معدنية إن وجدناه هنا. لكن في كلتا الححالتين، كلاكما على حق. لا يمكننا تحمّل مخاطرة استيلاء الكنت عليه لنفسه. هذا يعني أننا بحاجة إلى استئجار منقّبين من أولريجا، أو ربما من مكان أبعد حتى إن اردنا إبعاد مثل هذه الأخبار عن إخوتي أيضاً".
وافق دوفاس: "يجب أن ينجح ذلك. لكن كيف سنعثر على منقّبين في هذه الحالة أصلاً؟ بالكاد أملك أي معارف خارج سينران. لقد مضى نحو عقدين منذ أن انتقلت إلى تيرانات، بعد كل شيء".
نظر كبير الخدم إلى جورسازو الذي اكتفى بهز كتفيه.
"لا تنظر إليّ. لم أكن سوى معلم في أولريجا. لا أعرف أي منقّبين هناك أيضاً، هذا إن كنا لا نخطط لاستئجارهم من عاصمة الدوقية".
هزّ هودان وفيروي رأسيهما هما أيضاً.
تأمّل كيفاموس قائلاً: "في هذه الحالة، سيضطر أحدنا للذهاب في مهمة تجنيد إلى شمال المملكة للبحث عنهم، لكن ما زל لدينا بعض الوقت حتى نحتاج إلى حسم الأمر. سنقرر ذلك حين نتمكن من تحمل تكاليفهم. فلنتركّز الآن على مخاوفنا المباشرة كما اقترحتم سابقاً".
أومأ دوفاس: "أعتقد أن هذا سيكون للأفضل".
قال كيفاموس: "حسناً إذن. لقد أصبح الوقت متأخراً اليوم، وكلنا جياع، لذا سنؤجل أي نقاش إضافي إلى الغد. لنرَ ما طبخته لنا السيدة هيلغا الليلة!"
* * *
في اليوم التالي بعد الظهر، كان كيفاموس ينهي تخطيط مصباح أمان لمناجم الفحم بينما كان ينتظر وصول الغداء. كان جورسازو جالساً بالقرب من موقد النار، يخربش شيئاً على قطعة من لوح خشبي، ربما يخطط لدرس اليوم في مبنى البيت الطويل الأول. كان هودان قد ذهب للقاء الحراس، بينما غادر دوفاس لفترة من الوقت أيضاً. إذ فكّر في ليلة أمس، كان كل حارس في الخدمة عند الثغرات في أسوار القرية قد سمع عواء آديز طوال الليل.
وكان بعض ذلك العواء واضحاً داخل القصر في مرحلة ما، مرجّح أنه صدر عن أولئك الآديز الذين هاموا على وجوههم في شرق القرية. أخبره قائد الحراس سابقاً أنه شوهد آديز بالقرب من الثغرة الشمالية، لكن لم يقع أي هجوم حتى الآن لحسن الحظ. كما توقف العواء مع الصباح كما كان متوقعاً، لكن كل حارس تلقى أمراً بالبقاء في حالة تأهب، حتى وإن عُرف عن الآديز صيدهم في الليل فقط. عودةً إلى الحاضر، تراجع خطوة إلى الوراء وتأمّل الرقّ نظرة فاحصة.
كان عليه التفكير بجدّية شديدة في هذا التصميم، إذ سيضطر سيدورون إلى صياغة كل شيء يدوياً، لذا وجب عليه جعل التصميم بسيطاً لكن فعّالاً. استغرق الأمر أكثر من محاولة، لكنه استقر في النهاية على تصميم يحتاج فقط إلى شبكة حديدية تحيط بفتيلة الاشتعال داخل المصباح. من شأن هذا إبقاء اللهب داخل الشبكة المحيطة إن وُجدت غازات قابلة للاشتعال داخل أنفاق المنجم، لكنه سيظل يوفّر قدراً مقبولاً من الإضاءة للعمال مع الحفاظ على سلامتهم عبر منع أي انفجار من الوقوع.
بالتأكيد لم يملكوا أي شيء مثل النفط أو الكيروسين ليحرقوه داخل المصابيح هنا، لكن الزيوت النباتية أو حتى المستخرجة من الحيوانات التي تملكوها ستكون كافية لأداء المهمة، حتى وإن كانت بكفاءة أقل. أومأ لنفسه. لن يكون صنعه سهلاً، لكنه كان واثقاً من قدرة سيدورون على فعله في بضع محاولات. لفَّ الرق المستعمل ليُظهره للحداد لاحقاً، وبسط رقاً جديداً ليبدأ العمل على تخطيط عجلة الماء لنزح مياه المناجم.
ألقى نظرة سريعة على الرف في حافة القاعة، الذي كان يحمل عدداً يتناقص باطراد من الرقوق غير المستخدمة. بالمعدل الذي كان يستخدمه به، كان متأكّداً تماماً أنها لن تفيض طوال الشتاء - رغم دفعه ثمناً باهظاً لبيداسو لشراء الكثير منها. لذا احتاج إلى حل أفضل يسمح له بالتخطيط بحرية أكبر دون القلق بشأن تكلفة هذه الرقوق الباهظة. كان هذا العالم يملك الورق متاحاً بالتأكيد هنا، فكل الكتب في مكتبة قصر أولريجا صُنعت منه، لكن مع عملية تصنيعه اليدوية الشاقة، كان ذلك الورق باهظ التكلفة بحيث لا يمكنهم شراؤه.
لم يكن الأمر كأنه يملك خزنة الدوق تحت تصرفه لشراء المزيد من الورق، مثل تلك الكتب الموجودة في تلك المكتبة، هذا ولم يكن الشراء خياراً متاحاً الآن خلال الشتاء والطريق الشمالي مسدود بالثلج. مم... سيضطر إلى التفكير في بعض الأفكار الجديدة لهذا قريباً. قبل بدء الرسوم التخطيطية الجديدة، سار نحو موقد النار حيث كان جورسازو جالساً بالفعل واتخذ مقعداً على أحد المقاعد المريحة ليحصل على بعض الراحة ويبث بعض الدفء في جسده.
سرعان ما فتح الباب الخارجي لقاعة القصر ودخل دوفاس يبدو عليه الارتجاف. وحين جلس كبير الخدم، صبّ له كيفاموس كوباً من الماء من إبريق الماء الساخن الذي حرصت السيدة هيلغا على إعادة ملئه وتسخينه بانتظام. بإيماءة امتنان، شرب دوفاس بشراهة من الكوب الخسشي، ثم استغرق دقيقة لتدفئة يديه قرب النار. وما هي إلا لحظات حتى عاد كبير الخدم ليحدق فيه.
"أتي للتو من الجزء الشمالي للقرية، والتقيت تانيوك هناك. أخبرني أن البيت الطويل الثاني سيكتمل بحساء هذا المساء".
ابتسم كيفاموس بعريض: "هذا رائع للسماع! سيسمح لنا هذا بإيواء جميع القرويين تقريبا ممن يحتاجون إلى مكان أفضل للعيش".
وافق دوفاس: "بالتأكيد، رغم أن الكثيرين منهم يعيشون هناك بالفعل".
سأل جورسازو بارتباك وهو يرفع بصره عن اللوح الخسشي الذي كان يخربش عليه: "كيف ذلك؟"