قال دوفاس: "هذا صحيح، وحتى لو جهّزنا ثلاثة أقواس نشّاب فحسب، فسيمنحنا ذلك طمأنينة أكبر..."
رد هودان: "لهذا السبب سيكون يوفيم ونوروبو، أفضل الرماة لدينا، في الخدمة أيضاً، أحدهما عند كل ثغرة أخرى في أسوار القرية."
تمتم كيفاموس: "أظنّ أن هذا أفضَلُ من لا شيء..."
ونظر إلى دوفاس، ثم أردف: "مع ذلك، أبلغ صانع السهام ليبدأ في صنع أكبر عدد ممكن من السهام القصيرة اعتباراً من الغد. مع أننا لا نملك سوى قوس نشّاب واحد في الوقت الحالي، إلا أن وجود فائض من السهام لن يفيدنا إلا مستقبلاً حين نجهّز أقواس نشاب أخرى."
أجاب الوكيل: "تلقى أوامر بالفعل لإنهاء دستة من السهام للقوس الأول، لكني سأوعز إليه بالتركيز على صنع السهام حتى نحظى بمخزون لا يقل عن مئة سهم، قبل أن يعود لصنع سهام الأقواس الطويلة."
قال هودان: "هذا سيجد نفعاً، مع أننا ما زلنا بحاجة إلى دستة أخرى من الرماح. عادة ما تكفينا الدستة التي بحوزتنا لأن نصف الحراس فقط يكونون في الخدمة بأي وقت، لكن في حالات الطوارئ المماثلة حيث يتوجب علينا زجّ المزيد من الحراس في الخدمة معاً، سيساعدنا ذلك كثيراً عبر السماح لنا بتسليح الجميع بالشكل الملائم."
أمر كيفاموس: "يا دوفاس، بما أن سيدورون قد فرغ من تشكيل جميع الأدوات التي احتجناها، فأمره أن يبدأ بالعمل على رؤوس الرماح في أوقات فراغه. سأكلفه قريباً بطلب آخر لصمّام أمان يمكن استخدامه بلا مخاطر تُذكر داخل مناجم الفحم بدل استخدام شمعة مكشوفة هناك، ولكن بحلول الوقت الذي أنتهي فيه من التصميم، سيكون قد أنهى رؤوس الرماح."
وأضاف: "نحن ندفع أجوره على أي حال، لذا جدر بنا استغلال مخزون الحديد الذي اشتريناه. وفور انتهائه من ذلك، ينبغي لتلميذ تانيوك أن يوفر أعواداً صلبة مناسبة لها."
أومأ الوكيل برأسه وقال: "سأعلمه بالأمر، لكنك تدرك حقاً أننا لا نستطيع الاستمرار في إبادة الحديد والمال على كل شيء بالمعدل الذي نفعله الآن، أليس كذلك؟"
طمأنه كيفاموس: "ما زلنا نملك من النقود ما يكفي لدفع الضرائب بعد الشتاء، وإن بالكوع، وبحلول ذلك الوقت سنكون قادرين على البدء ببيع الفحم مجدداً. لكن لكي يتحقق ذلك، نحتاج من الجميع أن يبقوا في أمان حتى ذلك الحين. لذا لا يمكننا بتاتاً بدء التقشف فيما يتعلق بدفاعاتنا."
اكتفى دوفاس بتمتمة كلمات مبهمة من تحت أسنانه رداً على ذلك.
استهل هودان حديثه بعد برهة: "رغم أنه لن يكون يسيراً مقاتلة وحش أديزي واحد حتى، فقد طلبت من الحراس استدعائي فور لمس أي أثر لهم في الليل، إذ إنني الوحيد إلى جانب فيروي مَن يملك أي خبرة في قتال الأديزي."
تأفف فيروي: "أكاد أقول إني لا أملك أي خبرة أنا الآخر. بصرف النظر عن تلك المرة الاضطرارية التي وجبت فيها على زمرة مرتزقة كنت أنتمي إليها الإيقاع بواحد منها وكان مصاباً بالفعل، كنا نكتفي بتغيير معسكرنا إن سمعنا عواء الأديزي بالقرب. إنها لحماقة محاولة قتالهم إن وُجد ولو احتمال ضئيل للنجاة من تلك الوحوش بلا معركة."
قال كيفاموس: "تلك لا تزال خبرة أكبر بكثير من باقي حراسنا، وستكون تلك الخبرة بالغة القيمة إن اضطررنا حقاً للدفاع أنفسنا في مواجهتهم."
تمتم دوفاس وهو يرفع بصره إلى الأعلى وشابكاً كفيه متضرعاً: "فلنأمل ألا يؤول بنا الأمر إلى ذلك حقاً."
استأنف كيفاموس بعد هنيهة: "هناك أمر آخر أردت الحديث بشأنه. حين زرت مناجم الفحم اليوم، رأيت أن حتى المناطق القريبة جداً من القرية تبدو غير مكتشفة."
والتفت نحو الوكيل مضيفاً: "لقد أخبرتني مسبقاً أنه بسبب أخطار الغابات وأوامر البارون السابق التي حظرت على أي كان المطالبة بأي شيء هناك، لم تكن للقرى أي دواعٍ لدخول الغابات. لكنني كنت أفكر أنه إن لم يسبق لأحد تفقد المناطق المجاورة، فمن المحتمل جداً أننا نجلس فوق منجم ذهب قريب دون حتى أن نعلم بذلك!"
ضحك دوفاس بسخرية على ذلك الاقتراح، وقال: "أضمن لك يا سيّدي، أنه لا يوجد منجم ذهب أو فضة في أي مكان هنا. كان الحصول على المال السهل غاية حرص عليها البارون السابق كثيراً، لذا أرسل بالفعل منقّبين استقدمهم من سينران لإمعان النظر في المناطق المجاورة تحسباً لوجود أي عروق معادن ثمينة في إقطاعيته."
أصغى الجميع باهتمام بينما تابع الوكيل حديثه: "شرع البارون السابق في البحث فور إنشاء القرية هنا، ولم يتخلى عن الأمر إلا بعد أن عجز المنقّبون عن العثور على أي خام مماثل في هذا المكان لأكثر من ثلاث سنوات. وبحلول ذلك الوقت باتت تكلفة إبقائهم على جدول رواتبنا باهظة للغاية، فاضطر مرغماً على تقبّل حقيقة وجود سبب لعدم اكتراث أحد في المملكة بهذه المنطقة."
بادر غورسازو بالكلام، وكان صامتاً طوال الوقت: "ولكن إلى أي مدى بحث أولئك المنقّبون؟ لقد أخبرتنا أن حدود هذه البارونية ليست مرسومة بدقة، وكذا الحد الجنوبي الشرقي للمملكة."
وأوضح قائلاً: "مع أن سلسلة جبال نيسادور معتمدة كحدود لنا في الجنوب، إلا أن الأمر ليس واضحاً البتة في الجنوب الشرقي، أليس كذلك؟"
وأضاف غورسازو: "إن الأراضي القاحلة جنوب تلك الجبال مرغوبة من أي مملكة على أي حال، لكن غابات الجنوب الكثيفة في مملكة رسلينور -التي تبدأ بالقرب من سينران- تمتد عميقاً داخل أراضي أوليغارشية جيرناليكا، لذا لا توجد حدود واضحة المعالم بين البلدين في هذا الاتجاه. ولم تكن هناك قط أي دواعٍ لذلك على أي حال، إذ لا يطمح أي من البلدين للقتال لمجرد بسط السيطرة على المزيد من الأشجار. بيد أن تلك المنطقة الحرجية بأسرها من تيرانات إلى حافة حدود المملكة في الجنوب الشرقي لا تزال تقع ضمن هذه البارونية. إذن، إلى أي مدى توغلوا في البحث؟"
حدّق دوفاس في الأفق لبرهة وأجاب: "أؤكد لك أنهم بحثوا حتى سلسلة نيسادور في الجنوب، متضمنة سفوح تلك السلسلة. أما عن الجنوب الشرقي، فأعلم أنهم توغلوا عميقاً داخل تلك الغابات، ومع ذلك لم يعثروا على شيء. ولكن كما تتوقع، فإن... الذهاب بعيداً في ذلك الاتجاه أمر خطير."
سأل كيفاموس باسترابة: "أبسبب جيرناليكا؟ لكنك قلت للتو إن أحداً لا يبغي السيطرة على هذه الغابات، ومع عدم وضوح الحدود بهذا القدر في ذلك الاتجاه، فلا يمكنهم إبقاء فرسان مسلّحين مرابطين هناك على أي حال، تماماً مثل رسلينور. فكيف إذن سيُدرك حكام جيرناليكا إن كان المنقّبون قد تجاوزوا الحد؟"
تردد دوفاس قبل أن يستطرد: "أقترح أن تترك هذا الموضوع للمستقبل، لأنه أكثر تعقيداً مما تتوقع. سيأتي أوان الحديث عنه، لكن لدينا الكثير من الأمور الأخرى الهامة لننظر فيها الآن."
قطب كيفاموس جبينه إزاء ذلك، لكنه أومأ برأسه موافقاً: "كما تشاء يا دوفاس."
وفجأة، أدرك شيئاً ما فقال: "انتظر، لقد قلت إن البارون السابق بحث عن عروق المعادن الثمينة. ألم يبحث عن الحديد إذن بالمرة؟"
أجاب دوفاس بعد تفكير دام لحظة: "ليس بالقدر الكافي. لقد استكشف المنقّبون حقاً كل شيء في المناطق القريبة من تيرانات، بما في ذلك الحديد، ولكن فيما يتعلق بالمناطق الأبعد، فقد أوعز إليهم البارون بالتركيز حصرياً على رواسب الذهب والفضة والأحجار الكريمة تحظاً بضربة حظ. لذا لا يمكنني الجزم، لكن من الممكن أن المنقّبون غفلوا عن خام الحديد في الأجزاء النائية من البارونية."
تساءل كيفاموس بتعجب: "ولكن لمَ؟ أعلم أن أسعار الحديد قد هوت في الأشهر القليلة الماضية كنتيجة غير مباشرة لنقص الغذاء الأخير، لكنه حتى في تلك الحالة يُباع مقابل الكثير من النقود. وحتى إن لم تكن أسعار الطعام مرتفعة بجنون، فسيكون الحديد أباهظ ثمناً. لقد ذكرت أن البارون السابق كان مهتماً بجني المال السهل، فلماذا لم يبحث عن الحديد أيضاً؟"
ضحك دوفاس وقال: "لقد قلت مالاً سهلاً يا سيّدي، وصهر الحديد من خامه ليس بالأمر السهل قط. لكنك محق، وعادة ما كان بيع خام الحديد وحده ليكون مربحاً بالقدر الكافي، إلا أن بحث المنقّبون ذاك جرى قبل نحو خمسة عشر عاماً، وكانت رسلينور لتوّها تستقر بعد حرب خاضتها حديثاً مع بينباز للسيطرة على تلال تولاسي. بالطبع، وأثناء الحرب، كان الطلب على الحديد هائلاً حتى كخام، ولكن حين وضعت الحرب أوزارها، انهارت أسعار الحديد بشكل حاد، إذ انعدم الطلب الفعلي على أدوات الحرب مثل دروع الفرسان والسيوف ورؤوس الرماح والنصال الحديدية للسهام، لم يعد لذلك كله سوق. فكل نبلاء جنوب رسلينور كانوا يملكون بالفعل مخزوناً ضخماً من الأسلحة جُمع للحرب، ولم يكن هناك جدوى من شراء المزيد منها ما لم تبدُ حرب أخرى وشيكة، وهو ما لم يكن كذلك البتة فور انتهاء الحرب السابقة."
وتابع الوكيل: "اكتُشفت مناجم فحم تيرانات حول فترة انتهاء تلك الحرب، وهناك أُسست تيرانات. لذا، وفي الوقت الذي ظل فيه الذهب والفضة وحتى النحاس يتربعون على عرش الطلب المرتفع لاستخدامهم عملات، لم يعد بيع الحديد مربحاً. ولهذا السبب أمر البارون السابق المنقّبين بألا يركزوا على الحديد بعد أن فتّشوا المناطق المجاورة ولم يجدوه."
أومأ كيفاموس برأسه متدبراً: "هذا منطقي إذن."
وأردف بحماسة: "لكنه يظل خبراً ساراً بالنسبة لنا! إذا استأجرنا منقّبين مجدداً وأرسلناهما إلى كل مكان ضمن حدود هذه البارونية، فقد ينجحون في العثور على خام الحديد هنا!"