أومأ هودان وأمر الحراس بربط خيولهم إلى شجرة قريبة. شرعوا بعد ذلك في السير بثقل نحو مدخل أقرب منجم. توقف كيفاموس للحظة عند الوصول بانتظار مصدر ضوء. لم يتأخر تيسيب وحارس آخر في إشعال شمعة مستخدمين حجر قدح وسكيناً من الحديد. بدأ كيفاموس بالدخول فور جاهزيتها لكن يداً جذبت ذراعه إلى الوراء.
حذره الحارس الشاب: "لا يمكنك الدخول الآن يا سيّدي!"
قطب كيفاموس حاجبيه وسأل: "ماذا؟ ولمَ؟"
أوضح تيسيب: "علينا التحقق من غاز المناجم أولاً."
تمتم كيفاموس: "آه..."
كيف نسي مدى خطورة استخراج الفحم في الماضي، أو بالأحرى مداها حتى في هذا المكان. لو دخلا الشمعة المشتعلة بأيديهما وتواجد غاز المناجم أو غازات قابلة للاشتعال في الداخل لأدى الأمر إلى انفجار بسهولة تامة بناءً على تركيز الغازات الخطرة في الدهليز ممّا قد يودّي بحياة الجميع على الفور. أخذ نفساً عميقاً ليهدئ خفقان قلبه المتسارع وأومأ لتيسيب الذي انبطح على الأرض قبل أن يناوله حارس آخر الشمعة المشتعلة.
لاحظ كيفاموس للتو رهافة الشمعة الشديدة وكأن شحمها الفائض قد أُزيل بأكمله. راقب كيفاموس باهتمام تيسيب وهو يحبو لمسافة قصيرة على الأرض باذلاً وسعه لحماية اللهب. توقف عند توغله قليلاً وبدأ يرفع رأس الشمعة بحذر. استمر اللهب بالمحرق كعادته ودون أي تغير. نهض تيسيب واستخدم الشمعة الرفيعة لإشعال أخرى عادية بيد حارس آخر قبل أن يطفئ الأولى ويضعها في جرابه.
التفت نحو كيفاموس موضحاً: "الهواء بالداخل آمن اليوم لذا يمكننا الدخول. قد نحتاج لفحص الأمر بضع مرات أينما دعت الحاجة."
أومأ كيفاموس: "حسنًا... كيف كنت ستعرف وجود غاز المناجم بالداخل؟"
شرح تيسيب: "اللهب يخبرنا يا سيّدي. إنه نادر الحدوث هنا لكن لو بدأ رأس اللهب بالازرقاق وامتدّ طوله لَعَنَى ذلك وجود غاز المناجم. لم أره يحدث سوى مرة واحدة. سنحتاج حينها لتهوية المكان بعدة مراوح يدوية رغم استصواب ذلك في الأعماق الأكبر للدهاليز."
علق كيفاموس: "لا أرى أي مَروحة مع أحدكم."
أوضح حارس آخر: "أه، هي مصنوعة من شرائح خشبية وقابلة للطيّ لذا تشغل حيزاً أقل بكثير عند غياب الحاجة إليها."
ربما كان منّقباً للفحم في الماضي أيضاً.
وأردف: "إنها في حقيبتي لكنني لم أخرجها لأنه لو وُجد غاز المناجم لما أمكننا بناءً على أوامر هودان المخاطرة بسماح دخولك إلى هذا الدهليز على أي حال."
أوضح قائد الحراس: "لا خبرة لي باستخراج الفحم لكني أخبرت الحراس بأن سلامتك تعلو أي اعتبار."
أومأ كيفاموس متفهماً: "وماذا لو استحال تهوية المكان؟"
أجاب تيسيب بكتفين مرتجفين: "حينها يتوجب علينا إحداث انفجار صغير. سيحرق ذلك غاز المناجم ويصبح المكان آمناً لبقية اليوم."
هز كيفاموس رأسه ضجراً. ازداد الأمر خطورة على خطورة!
سأل بفضول مميت: "وكيف ستحدث ذلك الانفجار؟"
شرح تيسيب: "تلك هي المعضلة لكنني رأيتها تُنفّذ مرة. يحبو المنّقب على أرضية دهليز المنجم حاملاً شمعة مشتعلة ومرفوعة على طرف عصا إلى أن تنفجار. يعبر الانفجار فوق رؤوسنا لذا فالأمر ليس بذلك الخطورة."
ردد كيفاموس رافعاً حاجبيه عالياً: "ليس بذلك الخطورة؟"
تردد تيسيب: "حسنًا... في تلك المرة وقع المنقّب الذي أحدث الانفجار في شباك اللهب وأصيب بحروق بسيئة حقاً. يبقى ذلك أهون من عدم اكتشاف غاز المناجم إلى أن يتعمّق العمال في الدهاليز إذ يتسبب ذاك بانفجار أكبر بكثير في مكان مغلق ومعهم شمعاتهم المشتعلة. هذا هو السبب الرئيس لكثرة الإصابات في استخراج الفحم بقرتينا. توفي بضع منّقبين بسبب ذلك قبل نحو عقد من الزمان لذا فإن إحداث انفجار صغير بأنفسنا يظل أقل خطورة من المجازفة بانفجار غاز المناجم مباشرة داخل الدهاليز."
عجز كيفاموس عن الكلام للحظة. إحداث انفجار متعمد أمام عينيك مباشرة ألا يُعد خطيراً؟ بدا الأمر وكأن تعريف ما يُعد خطيراً يختلف كلياً في هذا العالم. فكر بمقره وتنهد. إنه عالم قروسطي في نهاية المطاف. ليس وكأنهم يمتلكون أدوات حديثة لتحقيق أمان أكبر. استحال السماح باستمرار هذا الوضع. عليه فعل شيء حيال ذلك! فكر مطولاً بالأمر ولكن دون توفر بطاريات محمولة ومصباح كهربائي فلن يبلغ الأمان مداه أبداً.
تفكّر مليّاً بالمكنة المتاحة من مواردهم فاستعاد فجأة ما استُخدم على الأرض في القرن التاسع عشر ويُدعى مصباح ديفي. من المفترض أن يمنح ذلك أمناً أكبر بكثير رغم حدود عيبه هو الآخر.
سأل: "أهناك تيار هواء قوي داخل أيّ من دهاليز المناجم؟"
لم يتأخر تيسيب في الرد: "ليس تماماً يا سيّدي. أعني، يوجد تيار هواء في كل مكان عادة لكنه ليس قوياً بما يكفي هنا. لمَ تسأل؟"
تابع كيفاموس: "تدور في خلدى فكرة مصباح أمان يجعله أكثر أماناً بمراحل من استخدام شمعة مكشوفة داخل الدهاليز. عيبه الرئيس الوحيد هو أنه مع وجود تيار هواء قوي كفاية فسيظل مسبباً لانفجار تماماً كالشمعة. لكن بغياب تيار هواء قوي هنا فيجب أن يكون آمناً بما يكفي. سأجعل الحداد يشرع في صنعه فوراً فقد أنهى طلباتنا السابقة منذ فترة على أي حال."
أخذ نفساً عميقاً لمحو مشهد انفجار يعبر فوق رؤوسهم مباشرة وبشكل متعمد لتوطيد الأمر وأشار للجميع بولوج مناجم الفحم.
* * *
علق كيفاموس مترئياً ما يشبه بركة صغيرة داخل أحد دهاليز المناجم على ضوء شمعة شحمية: "تجمعت هنا كمية ليست بقليلة من المياه هذا مؤكّد."
لم تكن المياه متجمدة تماماً كما قدّر دوفاس. كان الجو دافئاً بالداخل نوعاً ما مقارنة بدرجة الحرارة المتجمدة في الخارج على الأقل. أخذ يفكّر بالحلول الممكنة التي قد تجدي نفعاً حين عاد أحد الحراس الذين أرسلوهم للسباحة عبر البركة الصغيرة ومعرفة مدى امتداد الغمر.
أبلغ الحارس: "هذا هو الموضع الوحيد لتجمّع المياه بكمية كبيرة. والوضع جاف غالباً في العمق. داخل هذا الدهليز على الأقل."
عاد حارس آخر لم يلبث طويلاً انطلق لفحص دهليز منجم آخر ووافى بتقرير مماثل. أومأ كيفاموس. الخبر السار تمثل في تجمع المياه بأول منخفض كبير في أرضية المنجم صادفته وعدم توغلها أبعد من ذلك في أغلب المواضع. أما الخبر السيّئ فتمثل في كبر وعمق أغلب تجمعات المياه تلك لدرجة تجعل إخلاءها يدوياً دلوًا بدلو يستغرق وقتاً طويلاً للغاية. عنى ذلك أيضاً استحالة نقل العمال للفحم عبرها سباحةً نحو الضفة الأخرى وهو سبب إيقافهم لتعدين الفحم لذا وجب إزالة المياه أولاً قبل استئناف التعدين.
مع ذلك وبمجرد إخلاء دهليز معين من المياه الراكدة سيتمكنون من بدء استخراج الفحم في ذلك الدهليز دون انتظار إخلاء الدهاليز الأخرى حتى لو عنى ذلك انخفاض إنتاجيتهم من الفحم مقارنة بما قد يكون عليه الحال مع نشاط كافة الدهاليز. تجوّلوا وزاروا بضع دهاليز مختلفة ووضع تقديرات ذهنية لأبعادها الداخلية ليحتفظ بها للمستقبل.
ما إن أيقن تكوّن فكرة واضحة لديه عما سيُطلب حتى التفت إلى قائد الحراس: "لنرجع الآن."
أومأ هودان ونادى الحراس الآخرين قبل أن يشرعوا بالسير نحو مخرج الدهاليز.
نظر إليه تيسيب بفضول: "يا سيّدي هل يمكنك حقاً فعل شيء حيال هذا أم علينا جلب العمال إلى هنا لإخلاء المياه يدوياً؟"
أجاب كيفاموس: "أعتقد امتلاكي لفكرة جيدة عما سيجدي نفعاً هنا. سأحتاج لمجابهة النجار دارورا للتأكد لكنني أعتقد بقدرته على صنعها في غضون أسبوع."
قال تيسيب بابتسامة ارتياح: "يسرّني سماع ذلك حقاً."
* * *
أشعلوا ناراً صغيرة لدى بلوغهم الخارج ليدفئ الرجال المبتلون أنفسهم بشكل صحيح بينما اغتنم الآخرون الفرصة لتدفئة أجسادهم أيضاً.
ما إن انتهوا وصعد الجميع على خيولهم قال كيفاموس: "أعتقد أن زيارة الجدول فكرة سدديدة لكي لا نضطر لرحلة أخرى هنا في هذا البرد."
علق هودان: "أوافقك الرأي. تيسيب، سنتجه إلى الجدول في الشرق الآن. تقدّم الصفوف."
أومأ تيسيب وبدأت مجموعتهم المكونة من ستة خيول وركابها بالتحرك شرقاً بمسافة أبعد على الدرب الضيق بين تلّين قريبين. لم تكن هذه الرحلة طويلة إذ سمع كيفاموس قريباً خرير مياه متحركة بعد قليل. التفوا حول تل مغطى بالثلوج ولمح للمرة الأولى الجدول الوحيد القريب من تيرانات. كان صغيراً واستحال نعته بنهر بكل تأكيد لكنه ظل كبيراً بما يكفي لعدم التجمّد حتى في هذا الطقس. حتى إنه رأى بضع سمكات تسبح في تلك المياه شبه المتجمدة.
مع ذلك كان هودان يحدق في الجدول بدهشة: "ظننت أن أي جدول سيتجمد في هذا الطقس! كيف ما زال جارياً؟"