أومأ ضرار برأسه.
"فعلت يا سيّدي. توجد كثرة منها على نهر كال في أولريجا، وقليل منها أيضاً في سينران".
"هذا رائع. أحتاج منك أن تصنع شيئاً مشابهاً بأولوية قصوى، قبل أن تشرع في أي شيء آخر. سيعمل بطريقة عكسية لتلك السواقي التي رأيتها، لكن المبدأ نفسه، لذا ينبغي أن تقدر على فعله بسهولة".
بدا على ضرار الارتباك.
"لكنك للتو أمرتني بأن أبدأ العمل على النشوء الثاني غداً..."
"نجل، ويجب عليك ذلك"، هكذا أوضح كيفاموس، "لكن سيستغرقني الأمر أيّاماً لأرسم تصميماً مناسباً للساقية لكي تسحب المياه من داخل المناجم، ولهذا عليك حتى ذلك الحين مواصلة العمل على النشوء الثاني. لكن ما إن أسلّمك التصميم، فسيتعين عليك تأجيل صنع المزيد من النشاب إلى أن تنتهي من الساقية".
ابتسم ضرار.
"آه، فهمت الآن!".
"جيد. كل شيء في تيرانات موقوف على توفر قدر كافٍ من الفحم للتدفئة والطهي في الشتاء، ونحن نستهلك هذا الشتاء فحماً أكثر بكثير من الشتاءات السابقة - من دون أن نستخرج أي فحَم جديد أصلاً".
تابع كيفاموس وهو يرمق هودان بنظرة، "إذا نفد الفحم من هنا، فسيتجمد معظم أهل القرية حتى الموت بلا أي غارة من قطاع الطرق حتى. لهذا السبب يجب أن يكون نزح المياه من المناجم أولويتنا الأولى".
التفت بنظره إلى النجار مجدداً.
"تصميم الساقية هذا سيكون أصغر حجماً من تلك التي رأيتها ولن يكون بمعقد النشاب البتة، إذ إننا نحتاج فقط إلى إزالة المياه من المناجم بدل تشغيلها بلا توقف في مياه أنهار عميقة وجارية بسرعة لتُستعمل مصدراً للطاقة كما في المدن الكبرى، لذا أعتقد أنك ستستطيع صنعها في غضون أسبوع".
"سأبذل قصارى جهدي يا سيّدي!"، هكذا قال ضرار بحماسة.
ابتسم كيفاموس.
"أعرف أنك ستفعل".
* * *
أحكم كيفاموس معطفه الفرو حوله قبل أن يمتطى جواداً قرب الإسطبلات. مع أن درجات الحرارة ظلت دون الصفر، فقد توقف تساقط الثلوج في الوقت الحالي. كانت السماء غائمة كالمعتاد، لكن الوقت كان قد تجاوز دقّات المعبد السبعة بقليل، مما جعل الضوء كافياً للرؤية بلا شمس. كان هودان وأربعة حراس آخرين على الجياد مسبقاً في الجوار، اثنان منهم أمامه واثنان خلفه، بينما كان قائد الحراس إلى جواره مباشرة على جواد آخر.
كان الحراس مدجّجين بالسيوف والرماح والخناجر، بينما حمل يوفيم قوسه الموثوق معه، تحسّباً للحاجة إلى رامٍ. واصطحب كيفاموس سيفه هو الآخر، لا لأنه عدَّ نفسه خبيراً بأي شكل به. لكن امتلاك ما يدافع به عن نفسه أفضل بكثير من أن يكون بلا دفاع. كان دوفاس واقفاً على الأرض المكسوة بالثلج قريباً بوجْه مفعم بالأسف. أراد ناظر القصر أن يرافقه إلى المناجم، لكنه أصيب بنزلة برد في وقت ما أثناء الليل، لذا أمره كيفاموس بالبقاء هنا ونيل بعض الراحة في قاعة القصر مع نار تؤنسه.
وستكون خلاصة اللوسوفيل مفيدة جداً له، وسرّه كثيراً أنهم استطاعوا حفظها. لهذا أُدرِج تسيب، حارسهم الجديد الذي كان عاملاً سابقاً في مناجم الفحم، ضمن طاقم الحراس ليرشدهم في أرجاء المناجم بدل ناظر القصر. وكان فيروي سيبقى في القصر أيضاً - بشيء غير قليل من الممانعة - إذ قرر كيفاموس أنه يحتاج إلى حارس موثوق ذي خبرة جيدة ليبقى في القصر وينظم الدفاع إن وقع طارئ. وعنى ذلك أن يتعين على أحد رجلين، هودان أو فيروي، التواجد دائماً في القصر متى لم يكن هو نفسه حاضراً هنا.
التفت كيفاموس جانبياً، فرمق أراضي القصر، حيث كانت الخادمات والخدم والسالسون والحراس منشغلين بهذا الأمر أو ذاك. لقد سرَّه جداً أن يرى الأمور تسير على خير ما يرام وأن الجميع متحمسون لمهامهم. ثم نظر إلى قائد الحراس.
"حسناً. لنذهب!".
أومأ هودان برأسه، ونقل الأمر إلى الحراس الآخرين، وبذلك بدأت جماعتهم الصغيرة تتحرك صوب بوابات القصر. وبعد تجاوز الحراس الثلاثة في نوبة البوابة، ومن بينهم إحدى الحارسات، بلغوا المساحة الخالية خارج البوابات، واتجهوا شمالاً، قبل أن يسيروا بخيولهم في الممر الضيق الموازي لجدران السياج الخشبي للقصر. وما هي إلا أن بلغوا طرف القرية، حتّى عاين كيفاموس الوضع الحالي لمشاريع البناء في الشمال.
كان هناك تدفق منتظم لرجال ونساء يدخلون ويخرجون من كتلة البيت الطويل الأول. وتصاعدت أيضاً نفحة دخان نحيلة من الداخل، يُرجح أنها من المطابخ حيث لا بد أن وجبة ظهيرتهم قيد الطهي بالفعل. وقد اختار دوفاس مشرفي الكتلة بحكمة فاستطاعوا تسوية أي نقاش أو شجار ينشأ بين السكان بأنفسهم. وسرَّه أن يرى هذا النظام يؤتي ثماره بهذه الكفاءة. ومع توغلهم أكثر، مرّوا بجوار الكتلة الثانية، التي بدت تامة البناء من الخارج أيضاً، مما يعني أن ما تبقى هو إتمام الدواخل - المرجح تركيب جميع الأسرة الخشبية فيها.
وكما فعل في الكتلة الأولى، أمر تانيوك بابقاء شجرة قائمة في فناء الكتلة الثانية أيضاً. ومع أنها شجرة فيداروس فحسب، بخلاف شجرة بيلونا في الكتلة الأولى التي تمنح ثمار بيلونا الشهيرة، فستظل كافية لتوفير الظل في أشهر الصيف. واصلوا التقدم شمالاً، وقريباً بلغوا الثغرة في أسوار القرية الجديدة حيث سيبنى بيت البوابة مستقبلاً. تملّاه بصره يميناً ويساراً، فسرَّه أن يرى الجدران العالية والمتينة تمتد بعيداً نحو الشرق والغرب.
وكانت هناك سلسلة من الجذوع الأفقية على الجانب الداخلي للأسوار، تدعمها جذوع مائلة لتمنح السياج دعماً إضافياً. تلك كانت إضافة لاحقة ارتأوها بناءً على توصية هودان، وعزموا على فعلها على طول الأسوار برمتها قبل بضع أسابيع، وباتت منجزة الآن أيضاً. وما إن يكملوا البوابات الثلاث جميعاً، حتى تغدو قريتهم أمنة أكثر من أي وقت مضى.
ولمحه هودان يحدّق، فعقب بالقول: "لا سبيل للحفر في الشتاء، لكن ما إن تذوب الأرض في الربيع، سنحفر خندقاً ضحلاً لكن عريضاً موازياً للأسوار من الخارج، مع غرس أوتاد مدببة فيه لردع أي هجوم للفرسان".
أومأ كيفاموس برضا. مع ذلك، وعلى الرغم من رؤية هذا التقدم كله، ظل يشعر بأن كل شيء يحدث ببطء شديد هنا مقارنة بمعايير الأرض الحديثة. قياساً بهذا المكان، كانت أعمال البناء تجري بسرعة البرق بمساعدة معدات البناء الحديثة على الأرض. ومع أن مستوى التكنولوجيا الحالي لهذه المملكة يعني أن أمراً كهذا غير ممكن هنا على أي حال، فقد علم من حديثه مع دوفاس وگورزازو أن وتيرة البناء الحالية في القرية لا تزال أعلى بكثير مما هو معتاد في هذه المملكة.
تنهد. لا فائدة تذكر من مقارنة تيرانات بلندن على أي حال. فسيتوجب عليه ببساطة بذل قصارى جهده لحماية القرية وجعلها تزدهر في حدود ما يملكه هنا من إمكانات. استمروا في التقدم على الطريق الشمالي المغطى بالثلوج، وقريباً بلغوا منعطفاً في الطريق، واتجهوا شرقاً نحو مناجم الفحم. أُخبر بأنها مسيرة نصف ساعة سيراً على الأقدام لا أكثر، مما يعني أن المناجم لا تبعد أكثر من بضعة كيلومترات عن القرية، لذا لن يستغرقهم بلوغها وقتاً طويلاً.
ظل يراقب المحيط بفضول، إذ كانت هذه المرة الأولى التي يتجه فيها نحو الشرق. وما هي إلا قليلاً حتى بلغوا نهاية السهول، ورأى التضاريس التلالية تبدأ أمامه. وبالنظر شرقاً، أدت سفوح التلال هذه أخيراً إلى القمم الثلجية لجبال أراكس العظيمة البعيدة عند الأفق. تابعوا ركوب خيولهم ببطء على الدروب الضيقة والمتعرجة بين التلال، بينما قادهم تسيب بخبرته، في حين حدّق كيفاموس في أعداد لا تحصى من شجيرات وأشجار فيداروس العارية من الورق وغيرها من النباتات فوق التلال.
ومع غطاء الثلج المفروش في كل مكان، وحدها الأشجار كسرَت أي رتابة في مشهد منتصف الشتاء. وخيل إليه أنه رأى أرنباً يثب هنا وهناك قرب جذر شجرة، لكنه هرب بسرعة حالت دون تأكده. بعد برهة، انعطفوا بحنّة حادة نحو اليمين، فالتفت تسيب -الذي كان يمتطي جواده في المقدمة برفقة يوفيم- إلى الخلف صوب كيفاموس.
"لقد وصلنا يا سيّدي"، هكذا أعلن الحارس الشاب الضخم.
وأشار بيده أمامه نحو بضع تلال تلو الأخرى، كاشفاً عن مداخل مناجم الفحم الشهيرة في تيرانات.
"إذن، لنترجل ونسير على الأقدام من هنا"، قال كيفاموس وهو ينزل عن جواده.
التفت حوله فرأى تلالاً عديدة كبيرة ومتوسطة تحيط به من كل جانب - وقد غطاها جميعاً رداء من الثلج. ورغم الثلج، بدا جلياً أن المساحة الفارغة حيث توقفوا - الواقعة وسط ثلاثة تلال مختلفة - كانت مستوية في الغالب.
أوضح تسيب قائلاً: "هذه هي المنطقة التي كانت تقف فيها العربات ليحمّل عمال المناجم الفحم فيها".
وأشار بيده أمامه نحو ما بدا مدخلاً مظلماً لكهف من الخارج في أحد تلك التلال، مضيفاً: "تلك هي مداخل الأنفار القريبة. وهناك المزيد من مداخل الأنفار أمامه في تلال أخرى أيضاً. كان عمال المناجم يدخلون أنفار المناجم هذه لاستخراج الفحم، بينما تنقله النساء في سلال صغيرة إلى العربات. وساعد بعض الأطفال، غالباً من يعمل والداهما هنا معاً، في الجوار أيضاً لقاء بضع قطع نحاسية من ناظر القصر، عادة لالتقاط قطع الفحم التي سقطت على الأرض أثناء حملها إلى هنا".
أومأ كيفاموس برضى، إذ أخبره دوفاس مسبقاً بأمر عمالة الأطفال. سيتعين عليه النظر فيما يمكن فعله حيال ذلك مستقبلاً.
"لنلقِ نظرة من الداخل على نفر من المناجم الآن".