عادوا إلى قاعة القصر. جلس دوفاس قرب المدفأة ومعه كيفاموس. وصل غورسازو للتو. أخذ هودان يحادثه بحماس وهو يشير إلى أجزاء مختلفة من النشاب في يديه. بدا فيروي غارقاً في أفكاره. عاد سيدورون إلى ورشته، لكن كيفاموس طلب من دارورا البقاء لبعض الوقت. أشار كيفاموس إلى كرسي فارغ قرب المدفأة.
قال: "دارورا، اجلس".
تردد النجار الشاب لحظة قبل أن يعود دوفاس ويشير إلى الكرسي مجدداً. جلس دارورا على حافة المقعد وأخذ يطيل النظر حول الغرفة. التقط كيفاموس النشاب من يد هودان وتأمله.
قال: "لقد أبليت بلاء حسناً يا دارورا. كنت واثقاً من مهاراتك بعد أن رأيتك تصنع الأقواس الحربية لنا، لكن رؤية النشاب الحقيقي أمر آخر تماماً".
ابتسم دارورا للمديح وفرك شعره الأسود القصير بارتباك.
قال: "ما كنت لأفعل ذلك لولا سيدورون. ذهبت إليه مراراً وتكراراً لأعدل الأجزاء التي لم تتطابق أو تعمل كما توقعت، لكنه استطاع أن يطرق كل ما احتجت إليه. لكن من الجيد أنكم جعلتمونا نستقر على تصميم واحد يجمع بين أفكار مخططي النشاب لديكما، وإلا لكان صنعه عسيداً للغاية".
أومأ كيفاموس برأسه.
قال: "أجل، فكريتي الأولى كانت صنع نشاب كبير وآخر صغير في الوقت نفسه، كي نقرر أيهما سنصنعه مستقبلاً بناءً على النسخة الأفضل عملياً".
نظر إلى النشاب في يديه.
وقال: "لكنني أعتقد أن قرار الاستقرار على تصميم واحد قبل صنعه كان الأفضل. عمل ممتاز!".
ابتسم دارورا باتساع.
قال: "شكراً لك يا سيّدي! أتود أن أصنع المزيد منها في المستقبل؟"
ضحك كيفاموس وهو ينظر إلى قائد الحراس الذي أومأ بحماس شديد مؤيداً.
قال: "أجل... أظن أنه من الآمن القول إننا نريد المزيد منها الآن بعد أن رأينا إمكانية صنعها هنا. رغم أنني كنت أتوقع عودتك قبل يوم أو يومين".
أوضح دارورا قائلاً: "واجهنا بعض المشكلات في آلية الإطلاق. في المرات الأولى التي طرقها فيها سيدورون، كانت مشدودة للغاية لدرجة يصعب سحبها بسهولة، وهذا لن ينجح إن أردت أن تستخدمها النساء أيضاً. لذا اضطررت لتعديل التصميم قليلاً قبل أيام، وما إن طرقها الحداد بحلول صباح اليوم حتى استغرق تجميعها وقتاً قصيرة".
علق دوفاس وهو ينخر: "تكاد لا تكون مشكلة تأخرها عما توقعنا! حقيقة أن بمقدورنا صنعها من الأساس تتجاوز توقعاتي بكثير!".
علق فيروي قائلاً: "أوافقك الرأي يا سيّدي. رغم أن هذا أصغر وأقل قوة من المنجنيق اليدوي الذي رأيته في الماضي مع المرتزقة الآخرين، إلا أنه يوجه ضربة قوية ومؤثرة حقاً، أتعلم؟ لا أعرف إن كان سهم هذا النشاب يستطيع اختراق درع فارس كما يفعل المنجنيق اليدوي، لكن عدواً بلا درع؟ لا شيء سينقذه إن أصابه سهم من هذا!".
أيد كيفاموس كلامه: "لهذا السبب أخذنا أفضل الأفكار من كلا التصميمين. كان المنجنيق اليدوي ليحتاج إلى رافعة لولبية تجعل تعبئته شاقة للغاية على عجلة، والأرجح أنه سيكون ثقيلاً وعسير الاستخدام على النساء. لكننا رأينا هيولا تستخدم هذا النشاب بكل سهولة، ويمكن لبقية الحارسات فعل ذلك مع بعض التدريب".
أومأ هودان بحماس شديد.
قال: "سيغير هذا دفاعاتنا جذرياً! متى ما امتلكنا ما يكفي منها ووضعنا الحارسات على أبراج المراقبة بهذه النشاب، فلن يستطيع أي عدو الاقتراب من أسوارنا! لا يمكننا شكرك بما يكفي يا دارورا!".
اكتفى النجار الشاب بابتسامة باهتة.
قال: "لا أريد أبداً أن أعود عبداً ما حييت إن استطعت اجتناب ذلك، لذا سأبقى مسروراً في تيرانات طوال عمري إن بقيت رجلاً حراً. يسعدني فقط أنني استطاع جعل هذا المكان أكثر أماناً".
علق فيروي: "أنت لا تدري كم أنت محق. أنا أعرف كم باهظ ثمن الحديد، لذا ليست لدي أي فكرة عما إذا كان بمقدورنا يوماً تحمل تكلفة صنع ما يكفي من النشاب لتزويد كل حراسنا بها، لكن لو استطعنا فعل ذلك على أي حال..."
تطلع إلى البعيد كأنه غارق في الذكريات.
"إن وُجد ضوء كافٍ لتسديد الهدف على العدو بدقة، فعندئذٍ بفضل هذا النشاب، استطاع حتى شخص ضعيف بدنياً مثل هيولا إسقاط أحدهم مثل نوكوزال في طلقات معدودة ودون أن يصاب بأذى حتى! هذا حين لم يمت ذلك اللقيط الضخم حتى وهو يحارب هودان وتيسيب في آن واحد، وهما أقوى رجلين لدينا!".
هز المرتزق رأسه.
"متى ما ملكنا ميزة ارتفاع برج المراقبة، لاستطعنا إسقاط الفرسان على الخيول بهذا النشاب أيضاً، أقسم بالهواء! على الأقل طالما أنهم لا يرتدون دروع فرسان".
ابتسم هودان باتساع عند تلك الصورة ونظر إلى كيفاموس.
قال: "يا سيّدي، نحتاج إلى أكبر عدد ممكن من النشاب لدفاعنا. أنا متأكد من أنه بعد رؤية مدى فعاليتها، سيوافق الحراس حتى على التنازل عن نصف أجورهم لفترة إن كان ذلك يعني امتلاكك للأموال لتوفير ما يكفي منها لنا، بحيث يحصل الجميع على واحدة لأنفسهم".
تجهم كيفاموس للحظة. كان يعلم مدى فقر كل شخص في هذه القرية، ومع ذلك كان هودان واثقاً من أن الحراس سيتنازلون عن نصف أجورهم لقاء ذلك. دلّ هذا فقط على مدى سوء دفاع هذه القرية حتى الآن. ودون امتلاك سور خشبية حتى، لابد أن معظم القرويين -بمن فيهم الحراس الجدد- كانوا ينامون كل ليلة في خوف من غارة لقطاع طرق أو حتى هجوم وحش بري؛ خوف كافٍ ليجعلهم يعلمون أن عائلاتهم ستوافق على تناول وجبات نصفية لفترة طالما استطاعوا تحمل ثمن نشاب بالمقابل، مما يعني عودة الحارس إلى أسرته سالماً في كل مرة.
نظر إلى قائد الحراس.
قال: "يسعدني سماع أن الحراس سيكونون مستعدين لفعل ذلك، لكنني لا أظن أن الأمر سيصل إلى هذا الحد. كان بإمكاننا صنع قوس النشاب من الحديد مما كان سيزيد قوته أكثر، لكنني أردت استخدام أقل قدر ممكن من الحديد لنبقي تكاليفنا منخفضة، لذا جعلتها تصنع من خشب فيداروس، وقد بدت بحال ممتازة تماماً. لذا لا أظن أن الحديد سيكون عاملنا المحدد هنا".
مع الحاجة إلى إنجاز كل شيء يدوياً في هذا العالم، كان الوقت اللازم لصنع كل نشاب بمفرده عائقبهم الأكبر هنا. نظر إلى النجار الشاب.
سأل: "كم تستغرق برأيك لصنع نشاب جديد؟"
فكر دارورا مطولاً.
قال: "ليس سهلاً صنع كل جزء خشبي بمفردي، لكن الآن بعد أن عرفت شكل النتيجة النهائية المفترضة، سيوفر ذلك الوقت الذي استهلكناه أنا وسيدورون لتجربة أشياء مختلفة في النشاب الأول لرؤية ما سيعمل منها بشكل أفضل، هذا ناهيك عن المرات التي جاء فيها أحد الأجزاء أقصر أو أطول قليلاً مما احتجناه".
تابع بعد هنيهة: "هممم... أعلم أن صنع الأول استغرق مني نحو شهر، لكنني واثق تماماً من أن بمقدوري صنع آخر في نصف ذلك الوقت".
تجهم كيفاموس. سيكون ذلك بطيئاً جداً ليتسنى لهم تسليح حراسهم في أي وقت قريب. فكر في الأمر لحظة.
سأل: "أتعرف مفهوم التخصص؟"
تمتم دارورا وهو يعقد حاجبيه: "ذكر الحداد الأمر أمامي على ما أعظ. ذلك الـ... التخصص... يعني التركيز على أن تصبح خبيراً في شيء واحد، أليس كذلك؟"
قال كيفاموس مبتسماً: "أنت تعرفه حقاً! أجل، هذا معناه تماماً. لقد أخذت متدربين اثنين بالفعل، أليس كذلك؟"
أومأ دارورا ببطء: "فعلت".
لكن قبل أن يتمكن كيفاموس من شرح كيفية المضي قدماً، بادر النجار الشاب بالكلام ثانية.
تمتم دارورا: "أدرك ما ترمي إليه. تريد مني أن أطلب منهم صنع نوع واحد فقط من الأجزاء... هممم..."
ثم أومأ بثقة أكبر.
"أعتقد أن هذا سينجح. ما كان لي أن أفعل ذلك مع النشاب الأول طالما توجب عليّ صنع كل الأجزاء الخشبية بمفردي. حتى الآن، اقتصر دور متدربيّ على جلب الأدوات الجديدة أو تقطيع جذوع الخشب بالحجم المطلوب".
أردف قائلاً: "ما خط ببالي قط هذا الـ... التخصص في المحجر، إذ توجب عليّ إنجاز أعمال النجارة بأكملها وحدي، بينما كان نوكوزال يأمر بقية العبيد بقطع المزيد من الحجر الجيري. لكنني أظن أن هذه الفكرة ستساعد كثيراً في تسريع الأمور مستقبلاً، متى ما دربت متدربيّ بشكل أكبر لأثق بقدرتهم على صنع أي جزء معين من التصميم دون مساعدتي".
أجاب كيفاموس: "حسناً، إذن أريدك أن تبدأ بتدريبهم اعتباراً من الغد متى وُجد لديك وقت فراغ. أما بالنسبة لك، فأنا بحاجة إلى أكبر عدد ممكن من النشاب تستطيع صنعه في الأشهر المقبلة. لذا ينبغي أن تبدأ العمل على الثاني غداً".
قاطعهم مدير المنازل: "لكن يا سيّدي، أخبرتني أنك تريده أن يصنع تلك الساقية أولاً. إعادة تشغيل تعدين الفحم أهم بكثير بالنسبة لنا".
قطب هودان حاجبيه.
قال: "ما زال لدينا حظيرة كاملة من الفحم في القصر! امتلاك المزيد من النشاب سيساعدنا أكثر بكثير الآن في الدفاع عن القرية".
حدق دوفاس في قائد الحراس.
قال: "سيكون ذلك بلا جدوى إن متنا جميعاً من البرد أولاً!".
نظر إلى كيفاموس.
"حتى لو غيرت رأيك بشأن صنع الساقية وأردت صنع المزيد من النشاب أولاً، فعلينا رغم ذلك نقل بعض العمال لبدء إزالة الماء من المناجم بالدلاء عوضاً عن إخلاء الغابات. علينا فعل ذلك غداً، وإلا فقد فوات الأوان، إذ سيستغرق العمال بأسابيع لإخلاء المناجم".
همّ هودان بالرد مجدداً، لكن كيفاموس رفع يده قبل تفاقم النقاش.
قال: "سأصل إلى ذلك حالاً".
أعاد نظره إلى النجار.
"يملك سيدورون الإذن مسبقاً لأخذ ما يحتاج إليه من سبائك الحديد من مخازننا لأي طلبات صنع تخص القصر، لذا يمكنك إخباره بحرية بصنع كل الأجزاء الحديدية المطلوبة دون القلق بشأن التكاليف. سيتكفل القصر بتوفير أجور لكليكما طالما عملتما على أي طلب منا. بالطبع، في الوقت الراهن، لا متدربوك ولا متدربوه مدربون كفاية لنيل أجور الحرفي المتخصص المرتفعة، لذا سيكتفون بحصة الأسبوع من الحبوب والفحم شأنهم شأن العمال الآخرين".
قال دارورا وهو يومئ ويقف: "سيكون ذلك جيداً يا سيّدي. سأبدأ العمل عليه غداً".
قال كيفاموس: "انتظر لحظة"، وأشار لدارورا بالجلوس مجدداً.
وتابع: "سأزور مناجم الفحم غداً لأكون فكرة أوضح عن نوع الساقية اللازمة لها. لقد رأيت إحداهن من قبل، أصحيب؟"