هزّت السيدة هيلغا رأسها.
"لست متأكدة، لكنه مشغول للغاية بإدارة شؤون القرية، لذا لا أظن أن اللورد كيفاموس سيزور الكتلة السكنية ما لم تكن هناك حالة طارئة".
فكّرت هيولا بسرعة.
"في هذه الحالة، هل يمكنني مرافقتكم أنتم أيضاً؟ كنت ألوم البارون لرغبته في سجننا أو إعدامنا مبكراً، لذا أود حقاً الاعتذار عن ذلك!"
بدت السيدة هيلغا كأنها تفكر في الأمر برهة.
"بالتأكيد، أعتقد ذلك. لكننا لن نعود إلى هناك الليلة، لذا سيتعين عليك مشاركة مساحة نومك مع وصيفاتنا هذه الليلة".
أومأت هيولا بحماس. هذا يعني أنها ستتمكن حتى من زيارة داخل قصر البارون!
"سيكون ذلك رائعاً حقاً يا سيدتي. لن أستحوذ على مساحة كبيرة حتى. شكراً جزيلاً لك!"
* * *
~ كيفاموس ~ بلغ كيفاموس ومن معه داخل قصر البارون أخيرًا، وبدا دفء القاعة مرحباً به لدى الجميع. جلس دوفاس على الكرسي الأقرب للمدفأة، بينما أخذ هودان مقعده في الداخل برفقة فيروي. كان جورسازو جالساً هناك بالفعل أيضاً. حين دخل القصر، مر بالقرب من حظيرة الماشية، ورأى النودورين هناك للمرة الأولى. لا بد أن هودان قد أحضرهما معه من المحجر. على الرغم من تشابهها مع الثيران، لم تكن تلك الوحوش بالغة الطول، لكنها بدت مالكة لعضلات تفوق الحاجة للقيام بمعظم أعمال الثيران.
أما ما ميّزها عن الوحوش الأكبر حجماً فهو لون جلدها الأحمر القاني، وتخللته بعض البقع السوداء الصغيرة. كان من المفترض أن يمنحها هذا اللون مظهراً أكثر شراسة، لكن بدا أنها دُجّنت بما يكفي لتظهر وديعة وآمنة تماماً للمخالطة البشرية. في كل الأحوال، سرّ بامتلاك اثنين منها على الأقل للمساعدة في حراثة الحقول بعد الشتاء. أعاده كلام هودان إلى الواقع.
"سيدي، أردت أن أبلغكم أننا جلبنا من مهمة الإنقاذ هذه أربعة معاطف فرو، وثلاثة دروع جلدية، إلى جانب أربعة سيوف وبضعة خناجر من قطاع الطرق".
وتابع: "بالطبع، لقد رأيتم بأنفسكم العربتين التي أتينا بهما من المحجر، فضلاً عن محاور لعربة إضافية. كانت هناك أيضاً بضعة نودور بصحة جيدة، لذا أتينا بها معنا وأبقيتها مع الماشية".
أومأ كيفاموس برأسه، "لقد رأيت النودور بالفعل، ويسعدني أننا تمكنا من جلب جميع الحجارين إلى هنا بأمان. سيتكفل حصولنا على ستة وعشرين عاملاً مدرباً للعمل معنا من الآن بتسريع وتيرة البناء بأسره في القرية".
أردف هودان: "بعد إصلاح كل ما حصلنا عليه هذه المرة، يمكننا تسليح وتجهيز جميع حراسنا الأربعة وعشرين بشكل لائق الآن — لا، خمسة وعشرين حارساً بما فيهم كالوبو. الدروع وحتى الأسلحة التي استولمنا عليها من قطاع الطرق بالكاد ترقى لكونها عالية الجودة، لكنها تظل أفضل من تسليح حراسنا بعصا".
أومأ كيفاموس برضى.
"سيكون ذلك مفيداً بالتأكيد بعد أن نكون قد دربنا حراسنا الجدد بشكل أفضل ويصبحون مستعدين لتولي مكان قدماء المحاربين حيثما دعت الحاجة".
اقترح جورسازو: "ستكون معاطف الفرو تلك مفيدة لنا أيضاً لمنحها لمجموعات الصيد، سيما أولئك المتجهين صوب الشرق".
علّق كيفاموس: "بالتأكيد. مع عودة هودان ومعه جميع الحراس الثمانية، يعني هذا أن بإنتظارنا إرسال المزيد من مجموعات الصيد أيضاً".
أضاف دوفاس بابتسامة نادرة: "يجعل هذا الأمر يبدو وكأنها كانت رحلة مجزية في نهاية المطاف، رغم اعتراضاتي السابقة".
ونظر إلى قائد الحراس: "لن يكون غريباً لو أنكم عثرتم على بعض العملات هناك أيضاً، أليس كذلك؟ كنت لأظن أن نوكوزال يحتفظ ببعض الذهب مخبأً هناك".
اهتز جسد هودان الضخم ضاحكاً.
"لكنت أبلغتكم بالأمر بالفعل لو فعلت يا سيّد دوفاس. لقد تفقدنا أي مخابئ محتملة في المحجر بمساعدة الحجارين. يبدو أن نوكوزال كان يعاني حقاً من شح النقود هذه الأيام، وإن تبقّى بحوزته شيء، فلا بد أنه كان يحمله على شخصه أينما ذهب. فليس مثله من يثق بأحد بخصوص المال على أي حال".
وتابع قائد الحراس مبتسماً: "قبل أن نغادر المحجر، قدمنا له هدية وداع بإشعال النيران في جميع الأكواخ. حين يصل إلى هناك الآن، سيجد أن أتباعه قد لقوا حتفهم بالفعل، وأن جميع عبيده قد اختفوا برفقة عرباته ونودوره، ولم يعد يملك مأوى يحميه في البرد".
ابتسم فيروي بخبث: "هذا هو نوع الانتقام الذي يطرب له قلبي إذن!"
وقبل أن يرد كيفاموس بشيء، انفتح باب قاعة القصر الخارجي وولجت السيدة هيلغا، يتبعها شخص لم يتوقع رؤيته هنا. كانت تمشي خلفها تلك المرأة الطويلة ذات الشعر الأحمر التي رآها في مقدمة الحشد آنفاً.
أوضحت السيدة هيلغا قبل أن تجلس: "هذه هيولا. أرادت أن تشكرك شخصياً، لذا أحضرتها إلى هنا".
نظر كيفاموس بفضول إلى الشابة التي بدت في غاية التوتر في تلك اللحظة.
استهلت هيولا حديثها بانحناءة: "أرجو أن تغفر لي يا سيدي!"
رفع كيفاموس حاجبيه.
"على ماذا؟ لا أظن أنكِ فعلت شيئاً يستدعي المغفرة، أليس كذلك؟"
تابعت هيولا: "أرجو أن تفهم يا سيدي، لم تكن حياة الحجارين سهلة البتة. حين رأيتنا نُقتاد إلى خارج القرية، خاشع جلّنا من أنكم تأخذوننا إلى سجن، أو ربما كنتم تنوون قتلنا حتى لا تضطروا لإطعامنا..."
لم يستطع كيفاموس إخفاء دهشته التي ظهرت على محياه جراء هذا الاتهام. بعد كل عناء تكبده لجلبهم إلى هنا من المحجر، ما زالوا يظنون أنه سيعدمهم؟ أطلق تنهيدة. كم كان هذا العالم قاسياً مع عامة الناس حقاً.
أضافت هيولا دون أن تنتظر رداً: "حين كنتم تلقون خطاب علينا قبل قليل، ظننت حتى أن..."
لكنها هزت رأسها وتلاشى صوتها عوضاً عن إتمام الجملة. لمحت في عيني فيروي ومضة فهم، لكنه آثر الصمت أيضاً.
استطردت هيولا والذعر يملأ عينيها: "أرجو أن تغفر لي شكّي في نواياك بعد كل ما فعلته لأجلنا".
لم يدر كيفاموس بما يجاوب برهة.
"لا شيء هنا يستوجب المغفرة. فقط أدّوا أعمالكم بشكل جيد في المستقبل لمساعدة أنفسكم والقرية. هذا كل ما أطلبه".
أومأت هيولا بحماس، لكن الشك سرعان ما تسلل إلى وجهها.
"لكن هل يمكننا البقاء هنا حقاً؟ كأحرار لا كعبيد؟"
ابتسم كيفاموس.
"بالتأكيد. أنتم جميعاً أحرار في البقاء في تيرانات للمدة التي ترغبونها. وإن أردتم مغادرة هذه القرية في أي وقت لإيجاد مكان مختلف للعيش فيه بقرية أو بلدة أخرى، فأنت أحرار في الذهاب. رغم أنه سيتعين عليكم الانتظار ريثما ينقضي الشتاء، إذ إن الطريق إلى سينران لن يفتح قبل ذلك على أي حال — لكني لن أمنعكم".
واستدرك قائلاً: "مع ذلك، يتوجب عليكم وضع في الاعتبار أنه في حين ستظلون أناساً أحراراً في تيرانات — إذ أرفض السماح بالعبودية في نطاقي — فلا يمكنني أن أعدكم بالمثل إن قررتم الرحيل. فأنا أملك السيطرة على بارونية تيرانات وحدي في نهاية المطاف. وكيف يعامل النبلاء الآخرون شعوبهم هو أمر خارج عن إرادتي".
أجابت هيولا متفكرة: "إن استطعنا حقاً إيجاد عمل هنا... وإن كنا لن نكون عبيداً لأحد في تيرانات، فلا أظن أن أياً منا سيود مغادرة هذا المكان..."
أجاب كيفاموس: "أدرك قد يبعب صعوبة تصديق الأمر الآن، لكنكم ستكتشفون المزيد عن القرية في الأيام القادمة وستدركون أن كل ذلك حقيقة".
وأضاف: "كما أن كونكم أحراراً يعني أن الخيار عائد إليكم في اختيار الأعمال التي ترغبون في مزاولتها، غير أن الأمر سيستغرق بضعة أشهر قبل توفر المزيد من أنواع الوظائف في القرية، بما في ذلك الزراعة وتعدين الفحم. مع ذلك، فتلك الحرية في الاختيار ملككم من الآن فصاعداً، تماماً كباقي القرويين المقيمين هنا. أما الآن، فالعمل كعمالة يدوية هو الوظيفة الأرجح التي ستجدونها في هذه الأيام".
لاحظ جورسازو: "مع قولي هذا، فهؤلاء القوم متدربون أساساً على قطع الصخور، ونحن لا نقوم بأي من ذلك هنا. فما مدى فائدتهم معنا هنا؟"
قاطعت هيولا بقلق: "لا، لا! ورغم أن جميعنا على دراية بقطع الحجر الجيري، يمتلك بعضنا مهارات مختلفة أيضاً، وإلا لما نجونا طويلاً أثناء عيشنا في العراء".
وأوضحت: "اثنان منا يجيدان الصيد ونصب الفخاخ، إذ كانا يرافقان قطاع الطرق مراراً لاصطياد الحيوانات هناك للطعام. وآخر اعتاد العمل نجّاراً في بلدة أخرى، قبل بيعه للرق حين عجز عن سداد دينه. وهو ذاته من أصلح العربة والأدوات في المحجر حين تعطلت، كما صنع الأقواس لقطاع الطرق، والدلاء لنضح المياه من المحجر حين غمرته الفيضانات".
ألقى كيفاموس نظرة خاطفة على الآخرين برهة، وشعر بغمرة من الحماس تتملكه من الداخل. فنجار آخر مدرب جيداً سيكفل حل الكثير من مشاكلهم.
لم تكد هيولا تلتقط أنفاسها لبرهة حتى واصلت قائلة: "رجل آخر مدرب كصانع سهام، وقد أمد قطاع الطرق بالنهام، وأنا أجيد التسديد بالقذف".
عجز كيفاموس عن كبح ابتسامته. لقد غدا الأمر أفضل فأفضل. ورأى حماسه منعكساً على وجوه الآخرين أيضاً. فالتفت مجدداً نحو الشابة. كانت طويلة ومفتولة العضلات، حتى وإن بدت هزيلة في الوقت الراهن. قد تشكل إضافة جيدة لقوة حراستهم الناشئة.
"نحن نبحث عن حراس جُدد في هذه الأيام، وخاصة من النساء. أتهتمين بالانضمام كحارسة هنا؟"