ابتسمت السيدة هيلغا.
"لن تدفعوا شيئاً لقاء ذلك. طوال هذا الشتاء على الأقل، سيكون وقود التدفئة مجانياً".
ماذا؟ أيعقل أن يكون هذا صحيحاً؟ عجزت هيولا عن تصديق تلك الكلمات. أسيتروفر هنا من الفحم ما يكفي لاستخدامه على مدار الساعة؟ هذا يعني أن أحداً لن يموت برداً في هذا الشتاء! كانت في المحجر تقلق بشأن أيّ من العبيد لن ينجو من الشتاء القادم، لكن الأمر هنا لن يمثل أدنى مشكلة. لن تضطر للقلق بشأن الاستيقاظ بجانب جثة باردة، تماماً كما حدث في كثير من شتاءات المحجر السابقة. بل إن وجود مكان دافئ تعود إليه كل مساء بعد العمل سيجعل حياتهن مريحة.
قطبت هيولا حاجبيها. هه... مريحة... كحياة النبلاء؟ من خلال ما سمعته صدفةً في قصص بعض اللصوص بالم المحجر، كانت متأكدة تماماً حتى من أن عامة الشعب المقيمين في سينران يضطرون لقضاء بعض ليالي الشتاء الاشد اعتدالاً بلا فحم لتوفيره لوقت البرد القارس. لكنهم سيتمكنون هنا من حرق الفحم كل ليلة؟ ودون دفع أي ثمن لقاء ذلك؟ من يكون هذا البارون يا ترى؟ كان بإمكانه جني ثروة طائلة لو باع كل هذا الكم من الفحم.
أم إنه لا يحتاج إلى تلك النقود أصلاً؟ قاطعت كلمات السيدة هيلغا التالية أفكار هيولا.
"لقد خضتم جميعاً رحلة طويلة، لذا عليكم الراحة هنا الآن. لكنني أُحتاج بعضكم ليرافقني إلى المطبخ كي أريكم المكان ولتحملوا الطعام والماء لبقية رفاقكم. أحتاج أيضاً من يخبرني بعدد المرضى أو المصابين منكم لأتحدث مع المشرف بشأن توفير ما يكفي من مرهم لوسوفيل لكم".
رفعت هيولا يدها فوراً، واقتفاءً لأثرها تطوع عدد آخر من العبيد الشباب. كيف يُعقل أن يقدر البارون على توفير مرهم لوسوفيل لهم جميعاً؟ لقد سمعت به بالتأكيد في الماضي، لكنها كأبد لم تملك يوماً أي دخل تسمح لها بشرائه، هذا إن كان شراؤه ممكناً في المحجر أصلاً. ومع ذلك، فإن بعض العبيد ومن بينهم دارورا - الفتى الذي كان صديقاً مقرباً لها في المحجر - قد عاشوا في سينران سابقاً، لكن شراء أي مرهم لوسوفيل ظل باهظ التكلفة بالنسبة لمعظمهم، حتى حين لم يكونوا عبيداً.
لكنهم سيحصلون جميعاً الآن على مرهم لوسوفيل إن مرضوا؟ ومجاناً؟ هزت هيولا رأسها غير مصدقة. المفاجآت لا تتوقف أبداً في هذه القرية، أليس كذلك؟ إنها مفاجآت سارة للمرة الأولى في حياتها على الأقل... تبعن السيدة هيلغا إلى خارج الباب، وسرن نحو الباب الواقع في الجانب الأيمن من البوابات الخارجية، حيث وقف زوج من الحراس يتجاذبان أطراف الحديث بجانب تلك المواقد المشتعلة التي وُضعت تحت سقف بارز.
وجود الحراس هنا أمر منطقي. فالبارون لا يرغب في أن يفرّ العبيد بهذا الفحم بطبيعة الحال. تبعن السيدة هيلغا وسط الثلوج، ودخلن تلك الغرفة - التي تبين أنها المطبخ - لتغمر رائحة ذكية أنف هيولا فوراً، تلك الروائح التي لاحظتها قبل قليل. رأت قرب الباب، وعلى ضوء بضع مواقد أخرى، عدداً من الأشخاص يعملون بجانب مرجل ضخم يغلي شيء ما بداخله. بدا أن إعداد الطعام قد تم مسبقاً، وأن هؤلاء الطهاة يكتفون بمراقبة الطعام الآن.
وعلى الجانب البعيد من المطبخ، كان هناك فرن طينيّ انشغل أمامه بضعة أشخاص بأمر ما. أكانوا يخبزون خبزاً طازجاً لأجلهم؟ سال لعاب هيولا لمجرد الفكرة. لقد مضت أشهر منذ أن تذوقَت طعم الخبز. تمنّت حقاً أن يتوافر بعض الخبز لأجلهم هذه الليلة. وما إن لاحظهم، حتى نهض رجل طاعن في السن كان جالساً في أحد الأركان.
"أيتها السيدة هيلغا! الطعام يكاد يكون جاهزاً الآن".
ثم رمق العبيد الذين تطوعوا لجلب الطعام للآخرين بنظرة.
"أهؤلاء هم قطارو الحجارة؟"
أومأت السيدة هيلغا.
"نعم، فلنمنحهم بعض الطعام الآن. لابد أنهم يكادون يموتون جوعاً".
"لكن معظمنا لا يملك أي أوعية لنقل الطعام فيها..."
اعترض أحد العبيد.
"مع أن بإمكاننا تقاسم الأوعية تماماً كما فعلنا في المحجر".
ابتسمت السيدة هيلغا مجدداً.
"لا داعي للقلق بشأن ذلك".
ثم أشارت إلى الزاوية، حيث تصفت أكوام عديدة ومرتفعة من الأوعية الخشبية الواحدة بجانب الأخرى، وأوضحت قائلة: "حين أرسل السيد كيفاموس هودان وبقية الحراس لإنقاذكم جميعاً، توقع أنكم لا تملكون الكثير من المتاع معكم. وهو يأسف لكونه لم يستطيع تزويدكم أنتم والآخرين بملابس أفضل بعد، لكنه أمر مع ذلك صانع الأوعية المتدرب بصنع أوعية تفوق حاجة أي شخص قد يحتاج إليها. يمكنكم جميعا الاحتفاظ بها لأنفسكم إن أردتم ذلك".
أشارت السيدة هيلغا إلى جانب آخر من المطبخ، حيث صُفَّت بضعة براميل ماء بجانب بعضها البعض.
"يمكنكم أخذ ما تحتاجونه من الماء من هنا في أي وقت. وُضعت البراميل داخل المطبخ الذي يشهد عادة اشتعال النار طوال الوقت تقريباً - مع وجود من يراقبها بالطبع - لذا لا يتجمد الماء هنا أبداً. يملك السيد كيفاموس خططاً لحفر بئر جديدة بالقريبة - ومياه الآبار لا تتجمد أبداً في تيرانات - لكن هذا للمستقبل. أما الآن، فيجب أن يعيد أحدهم ملء هذه البراميل من بئر ساحة السوق، لكنها ستفي بالغرض بالوقت الحالي".
شعرت هيولا بغمرة شديدة من المشاعر الجارفة، لكنها حاولت ألا تفكر كثيراً في كل هذه الأمور غير المتوقعة والجميلة التي تحدث لها وللآخرين. ثم رأت المرأة الطاعنة تشير إليها وإلى العبيد الآخرين - لا، ليسوا عبيداً، بل أشارت إلى قطاري الحجارة - وأمرتهم بملء بضع أوعية بالماء ونقلها للآخرين داخل المبنى الطويل بينما شرع الطهاة في توزيع الطعام. أومأت هيولا برأسها، ومشت مع البقية عائدة نحو قطاري الحجارة لتزويدهم بالماء، وحين عادت رأت أن الطهاة قد بدأوا بالفعل في سكب اليخنة في الأوعية.
كانت هيولا في المقدمة، فحصلت على الوعاء الأول من الطهاة، إلى جانب حصة وفيرة من الخبز. حاولت كبح جماح مشاعرها لفترة، لكن ما إن اصطدمت أنفها برائحة يخنة اللحم الشهية ورائحة الخبز الطازج الحلوة حتى انهارت من البكاء أخيراً. أكانت تتخيل كل هذا؟ أكان كل هذا حلماً فحسب؟ ألا تزال ترقد جائعة وباردة داخل إحدى الأكواخ في المحجر قريبة من الهلاك، وهو ما دفعها للبدء بالحلم بمثل هذا الطعام الرائع؟
لم تدرِ. لذا أخذت قضمة من الخبز لتختبر إن كان حلماً حقاً، ولم تزدد شهقاتها إلا علواً حين أدركت أنه حقيقي. فما كان للطعام أن يبلغ هذا المذاق الرائع في حلم! مالت نحو الجدار بحثاً عن سند، وكادت تفقد توازنها لعدم قدرتها على الرؤية بوضوح وسط الدموع، لكن السيدة هيلغا احتضنتها فوراً ومنعتها من السقوط، بينما تناول شخص آخر الوعاء من يديها خوفاً من أن ينسكب على الأرض بأكملها.
"لا تقلقي يا عزيزتي"، سمعت صوت المرأة المسنة يطمئنها بينما كانت تربت على ظهرها برفق، "هذا ليس حلماً".
أكانت تتحدث بصوت عالٍ حقاً؟ لا مبالاة بالأمر... هذا ليس حلماً...
"لكنني ظننت..."
تمتمت بين شهقاتها.
"ظننت أن هذا سجن ضخم... وأن البارون سيقتلنا من أجل عرباتنا..."
"الأمر ليس هكذا أبداً يا عزيزتي"، تمتمت السيدة هيلغا بصوت مهدئ.
"أنت بعيدة جداً عن اللصوص الآن. لا داعي لأن تخافي على حياتك بعد اليوم. أنت آمنة هنا".
لم تقم هيولا سوى بضمها بإحكام استجابةً لذلك، وسط شهقاتها. إنها تقبع داخل مبنى دافئ حقاً، ومع طعام طازج ينتظرها. إنه حقيقي...
* * *
بعد فترة، وزعت هيولا والمتطوعون الآخرون الطعام على قطاري الحجارة الآخرين إلى جانب إمدادات عامة من مرهم لوسوفيل لمن يحتاجه - وهو ما شمل الجميع أساساً. كما بقيت السيدة هيلغا بالقرب منهم تحسباً لحاجتهم لأي مساعدة بينما أنهوا طعامهم جميعا. بدا أن معظم قطاري الحجارة امتلأت أعينهم بالدموع وهم يتناولون الطعام الدافئ الغني بكمية وفيرة من اللحم إلى جانب الخبز. ولم يقتصر الأمر على ذلك، بل وُجد منه ما يزيد عن حاجة كل من أراد المزيد، وهي تجربة جديدة تماماً بالنسبة لهم.
وما إن انتهوا، حتى بادر قطارو الحجارة بسؤال السيدة هيلغا أن تشكر البارون نيابة عنهم. اكتفت المرأة المسنة بالإيماء وعينوها تطفحان بالحزن، ثم غادرت الباب، متوجهة على الأرجح إلى حيث تعيش. نهضت هيولا فوراً وتبعته إلى الخارج، لكنها وجدت كالوبو لا يزال في انتظارها هناك. في السابق، حين رأته حين جلب الطعام من المطبخ للآخرين، رغبت في صفعه لعدم توضيحه لهن بأنهن ذاهبات فقط إلى مبنى حديث البناء خارج القرية، بدلًا من السجن أو الإعدام.
لكنها لم تستطع قول شيء حقاً، إذ لم يكن خطؤه هو أن تقفز عقلها إلى مثل تلك الاستنتاجات. ومع ذلك، لم تطاوعها نفسها على مسامحته تماماً في ذلك الوقت، فلم تحدثه حينها.
"لماذا كنت تبكين قبل قليل؟"
سأل كالوبو معقداً حاجبيه.
تجاهلته واتهمته قائلة: "قلت إن تيرانات مجرد قرية صغيرة. لم أزر أماكن كثيرة خارج المحجر، لكنني لا أظن أن أي قرية أخرى تمتلك جدراناً بهذا الارتفاع، حتى وإن كانت مصنوعة من جذوع الأشجار لا الحجارة".
اكتفى كالوبو بهز كتفيه.
"لقد عشت هنا لأكثر من عقد في عهد البارون السابق، لكن لم تكن هناك جدران هنا قبل أن يختطفني نوكوزال قبل أشهر قليلة. لكن السيد كيفاموس لا يريد السماح للصوص بدخول القرية مجدداً، وامتلاك جدران قوية متينة هو مطلب أساسي لذلك. لا أعرف الكثير عنه لكنه بالتأكيد مختلف تماماً عن البارون السابق، أو عن أي نبيل آخر سمعت عنه، ويبدو أنه يحمل خططاً كبيرة للقرية، هذا إن كنت أعرف أكثر من ذلك".
واستطرد قائلاً: "مع أنني أظنني أخبرتك في المحجر بأن هناك الكثير من أعمال البناء الجارية في قريتي..."
"نعم، لقد فعلت"، تمتمت هيولا.
نظرت حول الفناء المربع: "لماذا يسمونه مبنى طويلاً على أي حال. كان الأحرى بهم تسميته بالمبنى العملاق أو ربما المبنى المربع".
ضحك كالوبو.
"نعم، لقد أربكني ذلك أيضاً. لكن شخصاً أخبرني أنه كان من المفترض أن يكون مبنى طويلاً واحداً في البداية، لكن البارون غدل الخطة لاحقاً، وبُنِيَت ثلاثة مبانٍ طويلة على شكل تصميم مربع لتكون مكتفية ذاتياً وأكثر قابلية للدفاع. لكنه سُمّي بالمبنى الطويل في البداية، وبقي الاسم ملازماً له".
"يا كالوبو، علينا الذهاب"، نادى أحد الحراس من قرب البوابات الخارجية، حيث كانت السيدة هيلغا واقفة هناك أيضاً.
منحها كالوبو عناقاً وداعياً، وهرول نحوهما. لكن قبل أن يرحلا، ركضت هيولا نحوهما هي الأخرى، ورمقت المرأة المسنة بنظرة.
"سيدة هيلغا، أسييعود البارون إلى مجمع المباني الطويلة مجدداً؟ أريد أن أشكره على كل ما فعله لأجل جميع قطاري الحجارة".