تقدم فيروي وحارس آخر نحوه فوراً، لكنهما لم يلبثا أن أدركا أنه هودان وبضعة حراس آخرين. ترجل قائد الحراس -الذي بدا مرهقاً ومنهكاً تقريباً مثل قطاري الحجارة- واقترب منه.
قال: "يا سيدي، ها أنت هنا إذن. ظننتك في القصر فذهبت لأرفع التقرير هناك، لكن أحداً أخبرني أنك توجهت شمالاً".
حك كيفاموس يديه متفرساً ببرد خفيف، وأمر حارسين بنقل المجامر إلى الداخل الآن. ثم نظر إلى هودان.
قال: "لنعد إلى القصر أولاً. يمكننا الحديث داخل قاعة القصر. الجو بارد هنا أكثر من اللازم، ولا بد أنك جائع أيضاً. ناهيك عن أن دوباس يرمقني بنظرات بسبب جر عظام هاته العجوز إلى البرد هنا".
أطلق كبير الخدم ضحكة خفيفة.
قال: "لنؤكد أو أنفي اتهاماتك، لكنني لن مانعاً من الجلوس أمام مدفأة متأججة الآن".
أومأ كيفاموس برأسه، وأشار لبضعة حراس بإحضار خيولهم.
قال: "لنذهب إذن".
وبينما امتطوا خيولهم، رأى كالوبو يقترب من هودان.
قال: "أود البقاء هنا قليلاً إن كان ذلك مناسباً. سيكون مفيداً لقطاري الحجارة أن يتواجد معهم شخص مألوف هنا، ووجود حارس هنا بعض الوقت سيبعث الطمأنينة في نفوس القرويين الآخرين أيضاً".
نظر هودان إلى كيفاموس طلباً للإذن، لكن فيروي تولى الإجابة.
قال: "حسناً، لم لا. قررت اليوم تعيين حارسين بانتظام للبقاء هنا في مناوبات طوال الوقت، على الأقل إلى أن نتأكد من أن قطاري الحجارة هؤلاء لن يبدأوا السرقة وما شابه. لا يمكننا الاطمئنان إلى ولاءاتهم بعد، أتعلم؟"
وأضاف: "لا بد أنك جائع أيضاً، لكن يمكنك البقاء هنا قليلاً إن أردت. تستطيع العودة رفقة السيدة هيلغا والحراس الآخرين لاحقاً".
أومأ كالوبو برأسه.
قال: "شكراً لك على هذا! سأكتفي بتناول شيء مما يتناوله قطارو الحجارة".
******* ~ هيولا ~ اتبعت هيولا المرأة متوسطة العمر داخل بوابات المبنى الضخم -الذي اكتشفت أنه يُدعى مجمع البيوت الطويلة- لكنها ظلت تلتفت خلفها، احتياطاً لعل النبيل ذا الشعر الفضي يغير رأيه بشأن عدم اختيار بضعة عبيد لنفسه. ظلت عاجزة عن تصديق كلماته حين قال إن أسرة دافئة وطعاماً يكفي لملء بطونهم ينتظرهم في الداخل. لا بد أنها كذبة ليدفع العبيد إلى دخول السجن طائعين دون إثارة أي مشاكل، أليس كذلك؟
مع ذلك، فقد أصغت إلى كلماته بعناية، وتطابقت مع ما زعمه قائد الحراس. أفهل كان البارون يكذب حقاً؟ هل صاروا عبيداً حقاً الآن؟ لقد قال إنهم جميعا أحرار في اختيار مصائرهم من الآن فصاعداً. لكن أكان بمقدوره فعل ذلك أصلاً؟ هزت رأسها الذي بدأ يؤلمها من كثرة التفكير على معدة خاوية. ستكتشف الأمر قريباً على أي حال. استمرت في المشي خلف تلك المرأة، متصدرة الحشد الصغير من المتعبين والجياع والخائفين، وسرعان ما دخلت فناء المبنى.
لم يكن هناك ضوء يذكر للرؤية هنا، لكنها لمحت بعد قليل حارين يحملان المجامر إلى الداخل، ووضعاها قرب أحد الأبواب على اليمين. في الضوء الأصفر المترنح، رأَت شجرة ضخمة في منتصف الفناء، رغم خلوها من أي أوراق في الشتاء. ثم لاحظت شيئاً دقيقاً يتدلى من أحد أغصانها. ما عسى أن يكون ذلك؟ كان الضوء خافتاً، فاضطرت إلى التضييق قليلاً بين جفنيها، قبل أن تدرك أنهما حبلان متينان يتدليان من الشجرة.
لم وُضعت الحبال هنا؟ لا يمكن أن تكون مربوطة لشنق أولئك البشر الذين عصوا البارون، أيمكن؟ كلا، لا يرجح ذلك، أو هذا ما ترجوه على الأقل... لكن الألسنة اللهبية سطعت قليلاً للحظة، ولاحظت لوحاً خشبياً صغيراً متصلاً بتلك الحبال في الأسفل. هاه. أهي أرجوحة فحسب؟ تشبه تلك التي اعتادت اللعب عليها طفلة؟ لكن من ذا الذي يصنع أرجوحة هنا؟ دافعت بذلك السؤال إلى خلفية عقلها، ولاحظت باباً ينفتح على الجانب الآخر من الفناء على اليمين، وأطلت رؤوس بضعة أشخاص في الخارج رغم تساقط الثلوج، ربما بعد سماعهم تمتمة الوافدين الجدد.
وسرعان ما انفتح باب آخر في الأمام، ووقف مزيد من الأشخاص برفقة أطفال يراقبونهم بفضول. فوراً، رأت طفلين يغتنمَان الفرصة ويركضان بسرعة نحو الأرجوحة ليجلسا عليها، ويدفع كل منهما الآخر بينما يزعم أنه دوره أولاً. مباشرة، انطلق بضعة بالغين -غالباً آباؤهم- في إثرهما، موبخين إياهما بأن الجو بارد للغاية للعب في الخارج. استمرت هيولا في مراقبة المشهد العادي بتبلد خدر. بدا كل شيء...
عادياً جداً. أيمكن أن يكون هذا سجناً حقاً؟ لم تكن متأكدة تماماً من ذلك الآن. مكان يبتسم فيه الأطفال ويضحكون هكذا لا يمكن أن يكون سيئاً أبداً. لم تدرك إلا الآن صدور رائحة زكية للغاية من مكان ما. عجزت عن كبح لعابها حين أدركت أنها تشبه رائحة لحم يُطبوخ. لكنها لاحظت تخلفها عن البقية، فهرولت بسرعة اللحاق بالعبيد الذين بدأوا في دخول الباب الواقع على الجانب الأيسر من الفناء.
فور وضعها قدماً داخل الباب، حاررت للحظة أمام التصميم الغريب لمجمع البيوت الطويلة من الداخل. أكانت تلك... أسرّة خشبية للنوم؟ أجل، لا بد أنها كذلك، حين خطت خطوات إضافية ورأت أشخاصاً ينامون على الأسرّة العلوية، بينما جلس آخرون على السفلية يحدقون في العبيد. بدا أن كثيرين منهم نشروا بعض القش فوق الأسرّة، بينما غطاها آخرون بملابس رثة كنوع من الفرش. رمشت هيولا. لم تر مكاناً للنوم أكثر راحة منه في...
الأبد.
تحركت نحو اليسار أكثر فرأت مواقد مجمرة مشتعلة في الوسط عند مواضع محددة. حفظت تلك المواقد جو دار الجماعة دافئاً نسبياً مقارنة بالطقس القارس في الخارج رغم فتحات التهوية الصغيرة على جانبي السقف. غابت ألسنة اللهب عنها مما يعني اشتعال الفحم فيها. كلف ذلك البارون ثروة طائلة بلا شك. لكنها خمنت حسم البارون لتلك الكلفة من أجور هؤلاء الناس إن كان يدفعها حقاً. واصلت التطلع حولها بفضول أثناء سيرها ولاحظت صنع الجدران من جذوع مقشورة ثبتت بشكل متناوب لتقليل الفراغات بينها إلى جانب بقع طينية متفرقة بين تلك الجذوع لسدها بوجه الريح المتجمدة في الخارج على الأرجح.
مع ذلك صنعت جميع تلك الأسرة من ألواح خشبية. لم تكن تلك رخيصة البتة. أدركت نعومة الأرضية تحت قدميها مقارنة بساحة الدار الخارجية ولاحظت باهتزازة مباغتة فرش الأرضية بالألواح الخشبية نفسها. اقتصرت تلك على قصور النبلاء حسبما سمعت في الحكايات وخصوصاً خارج المدن الكبرى. أكانتا حقاً ستقيمان في مكان ذي أرضية خشبية من الآن فصاعداً مثلهما مثل النبلاء؟ عجزت عن إخفاء ابتسامتها عند تفكيرها في الأمر.
ثم اتبعت الحشد نحو اليسار أكثر وأخذت تنصت حين شرعت المرأة الطاعنة في السن التي ناداها البارون بالسيدة هيلغا في الكلام. أشارت العجوز إلى الأسرة.
"هناك ستة وعشرون سريراً فارغاً هنا وهذا هو مبيتكم جميعاً بدءاً من ليلتنا هذه".
وأردفت: "لم يكن بوسعنا فعل الكثير بشأن الفراش لكن البارون تبرع بقش من القصر لأجل هذا لكيلا تضطروا جميعا للنوم على الألواح الخشبية مباشرة على الأقل".
غمرت الدهشة هيولا تماماً. ظنت في وقت سابق سماح البارون للعبيد بمجرد مساحة فارغة على الأرض للنوم. فاق حتى هذا الحد توقعاتها بكثير فهذا المبنى يضم أرضية خشبية في نهاية المطاف. ومع اشتعال المجامر قربها وعزل الأرضية الخشبية لهن عن الأرض المتجمدة تحتها سيغدو النوم داخل كتلة دار الجماعة هذه أدفأ وأكثر راحة مقارنة بعيشهن السالف في المحجر. لكن أترك البارون ما يكفي حقاً من الأسرة الفارغة لكل العبيد؟
يعني هذا حصول الجميع على مكان خاص للنوم. بالكاد أدركت هيولا ارتسام ابتسامة بلهاء على محياها الآن. عجزت حتى عن تذكر موعد آخر مرة حظيت فيها بمكان خاص بها وحدها... راودتها ذكريات خافتة لزمن عيشها مع أسرتها في صباها المبكر قبل بيعها كأبدة على يديهم لكن عائلتها برمتها اضطرت حينذاك لمشاركة المساحة المحدودة داخل كوخهم الرث. تعد هذه المرة الأولى منذ مغادرتها دارها التي ستظفر فيها بمكان لنفسها...
غابت عن ذهنها تماماً عدد مرات حلمها بأمر مماثل. لم يهم كون الفراش مجرد سرير خشبي بقش عوضاً عن كوخ كامل. ظل أفضل بكثير بكل المقاييس مما أمكنها تخيله قبل ساعة فحسب.
واصلت السيدة هيلغا إشارتها حول المكان مستطردة: "هناك مجمرتان لهذا القسم من الكتلة ولا داعي لقلق أي منكم بشأن توفير فحم التدفئة. لقد وعد البارون كتلة دار الجماعة مسبقاً بإمدادات لا تنضب من الفحم للتدفئة الداخلية طوال فصل الشتاء. إنها قرية تعدين فحم في النهاية لذا فلا شح في الفحم هنا".
وتمتم أحد العبيد من جوارها: "لكننا نستحيل عاجزين عن تحمل ثمن ذلك الفحم...".